ويعطي هذا التحول دلالة خاصة بالنظر إلى المكانة التي يحتلها غاز البوتان داخل الاستهلاك المنزلي والأنشطة الاقتصادية في المغرب. فالقنينة الكبيرة من فئة 12 كيلوغراماً تستحوذ على الجزء الأكبر من السوق الوطنية، فيما يظل الغاز من المواد التي تستفيد من دعم مباشر للدولة عبر صندوق المقاصة، ضمن آلية تتأثر كلفتها بشكل كبير بالأسعار الدولية وكلفة الشحن وسعر العملة. وتشير معطيات وزارة الاقتصاد والمالية إلى أن قنينات 12 كيلوغراماً تمثل نحو 85 في المائة من قنينات البوتان المتداولة.
ولا يعني تراجع الاستهلاك أن حضور البوتان داخل الحياة اليومية للأسر المغربية أصبح هامشياً. فخلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026 وحدها، بلغ الاستهلاك نحو 1.74 مليون طن، بما يعادل قرابة 145 مليون قنينة من فئة 12 كيلوغراماً، أي حوالي 64 في المائة من مجمل الكمية المستهلكة خلال سنة 2025.
وبالتوازي مع انخفاض الاستهلاك، سجلت فاتورة الدعم العمومي بدورها تراجعاً مهماً. فقد بلغت كلفة دعم غاز البوتان نحو 12 مليار درهم خلال 2025، مقابل 15 مليار درهم في 2024، أي بانخفاض يقارب 20 في المائة. أما على المدى الأطول، فقد كلف دعم هذه المادة خزينة الدولة حوالي 137.8 مليار درهم بين 2015 و2025، ما يعكس الوزن المالي الكبير الذي لا يزال يحتله الغاز داخل منظومة المقاصة.
غير أن انخفاض الفاتورة لا يعود إلى عامل واحد. فقد تراجع متوسط الدعم الذي تتحمله الدولة عن كل قنينة من فئة 12 كيلوغراماً من 61 درهماً في 2024 إلى 51 درهماً في 2025، فيما انخفض متوسط سعر البوتان المستورد، شاملاً الكلفة والتأمين والشحن، من 559 دولاراً للطن إلى 532 دولاراً، أي بتراجع بنسبة 4.8 في المائة. كما ساعد تحسن سعر صرف الدرهم مقابل الدولار على تخفيف جزء إضافي من كلفة التزود الخارجي.
وتأتي هذه الأرقام بعد بداية التحول التدريجي في نظام دعم غاز البوتان. فمنذ 20 ماي 2024 شرع المغرب في تقليص جزئي للدعم، بمقدار 10 دراهم بالنسبة إلى قنينة 12 كيلوغراماً و2.5 درهم بالنسبة إلى قنينة 3 كيلوغرامات. ونتيجة لذلك، انتقل السعر المرجعي للقنينة الكبيرة من 40 إلى 50 درهماً، في أول تعديل من هذا النوع بعد عقود من استقرار السعر.
وتساعد هذه المعطيات على قراءة تراجع استهلاك 2025 في سياق أوسع، لكن من الصعب اختزاله في عامل السعر وحده. فالطلب على غاز البوتان يتأثر كذلك بالنشاط الاقتصادي، والظروف المناخية، واستخدامه في الفلاحة والمطاعم والخدمات، إلى جانب انتقال جزء من الاستهلاك نحو بدائل طاقية أخرى في بعض المناطق والأنشطة.
في المقابل، يظل انخفاض كلفة الدعم شديد الارتباط بالسوق الدولية. ففي السنوات التي ترتفع فيها أسعار الطاقة والشحن، يمكن أن تقفز فاتورة المقاصة حتى في حال استقرار حجم الاستهلاك. وقد أظهر تقرير رسمي سابق أن متوسط دعم القنينة بلغ مستويات قياسية خلال موجة ارتفاع أسعار الطاقة في 2022، عندما وصل متوسط الدعم السنوي إلى 94 درهماً للقنينة الواحدة، ما يوضح مدى حساسية المالية العمومية لتحركات السوق الدولية.
وهذه الحساسية عادت لتظهر خلال 2026. فالمعطيات المتداولة بشأن تقرير المقاصة الجديد تشير إلى أن كلفة دعم غاز البوتان خلال الفترة من يناير إلى غشت قد تناهز 9 مليارات درهم، مع ارتفاع المتوسط الشهري للكلفة من حوالي 900 مليون درهم قبل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط إلى نحو 1.3 مليار درهم، ما يؤكد أن الانخفاض المسجل في 2025 لا يعني بالضرورة دخول فاتورة الدعم في مسار نزولي دائم.
وبذلك، تكشف أرقام 2025 عن مفارقة واضحة: المغاربة استهلكوا قنينات أقل، والدولة دفعت دعماً أقل، لكن غاز البوتان ما يزال واحداً من أكثر المنتجات ارتباطاً مباشرة بتقلبات الأسواق الخارجية والميزانية العمومية.
كما أن تراجع الدعم لكل قنينة لا يعني اختفاء مساهمة الدولة، إذ لا تزال الخزينة تتحمل جزءاً مهماً من الكلفة الحقيقية للمادة. وقد أشار تقرير وزارة الاقتصاد والمالية إلى أن الدعم ظل في 2024 يمثل أكثر من نصف السعر الحقيقي للقنينة، رغم بداية عملية التقليص الجزئي.
وتضع هذه المعادلة ملف البوتان في قلب النقاش حول مستقبل المقاصة بالمغرب: كيف يمكن تقليص العبء المالي على الدولة من دون نقل الكلفة بشكل مباشر إلى الأسر، خصوصاً ذات الدخل المحدود؟ وكيف يمكن الانتقال تدريجياً من دعم سعر يستفيد منه جميع المستهلكين إلى سياسات اجتماعية أكثر استهدافاً، من دون إحداث ضغط إضافي على القدرة الشرائية؟
الأرقام الجديدة لا تقدم جواباً نهائياً عن هذه الأسئلة، لكنها تكشف أن سنة 2025 شكلت نقطة تحول في مسار ظل تصاعدياً منذ 2018. فتراجع الاستهلاك إلى 227.5 مليون قنينة وانخفاض فاتورة الدعم إلى 12 مليار درهم يشيران إلى تغير واضح في السوق، في وقت يبقى فيه مستقبل الكلفة رهيناً بثلاثة متغيرات يصعب التحكم فيها بالكامل: الطلب الداخلي، والأسعار الدولية للطاقة، وسعر صرف الدرهم.
ومع استمرار الاستهلاك عند مستويات مرتفعة خلال 2026، سيظل التحدي بالنسبة إلى المالية العمومية هو تحقيق توازن بين إصلاح منظومة الدعم وحماية القدرة الشرائية، خصوصاً أن قنينة الغاز ليست مجرد منتج طاقي داخل السوق المغربية، بل عنصر يومي حاضر في ملايين البيوت وفي عدد واسع من الأنشطة الاقتصادية.
الرئيسية

















