پودكاست الشباب تيلت : من مدرج القانون إلى طاولة التفاوض، آية فارية تكتشف العالم الدبلوماسي..
آية فارية : طالبة باحثة في القانون.
لم تعد دراسة القانون الدولي والعلاقات السياسية تقتصر على المحاضرات والكتب الجامعية، إذ باتت نماذج الأمم المتحدة تمنح الشباب فرصة عملية لاختبار عالم الدبلوماسية من الداخل، وفهم كيفية صناعة المواقف، وإدارة الخلاف، والدفاع عن مصالح الدول داخل فضاء منظم تحكمه القواعد والبروتوكولات.
هذا الموضوع كان محور حلقة من بودكاست الشباب «TILT»، استضافت الطالبة الباحثة في القانون الخاص آية فارية، التي تحدثت عن تجربتها في نماذج الأمم المتحدة، وعن القيمة التعليمية والشخصية التي يمكن أن تضيفها هذه المحاكاة إلى مسار الطلبة والشباب المهتمين بالشأن الدولي.
ما هو نموذج الأمم المتحدة؟
نموذج الأمم المتحدة هو محاكاة تعليمية لعمل المنظمة الأممية ولجانها المختلفة. يتقمص المشاركون أدوار دبلوماسيين يمثلون دولاً محددة، ويُطلب منهم دراسة مواقف تلك الدول، وفهم مصالحها، ثم الدفاع عنها داخل جلسات نقاش ومفاوضات تحاكي، بدرجات مختلفة، عمل مجلس الأمن والجمعية العامة والهيئات المتخصصة.
ولا يشارك الطالب بصفته الشخصية أو وفق قناعاته الخاصة، بل يتحول مؤقتاً إلى ممثل لدولة عليه أن يتحدث باسمها، حتى عندما لا تتطابق مواقفها مع رأيه الشخصي. وهنا تكمن إحدى أهم فوائد التجربة: تعلم الفصل بين القناعة الذاتية والتمثيل المؤسساتي، وفهم أن الدبلوماسية لا تقوم فقط على إعلان المواقف، بل على قراءة موازين القوى، وتقدير المصالح، والبحث عن مساحات للتوافق.
من قاعة الدراسة إلى طاولة المفاوضات
أوضحت آية فارية أن المشاركة في هذه النماذج تتيح للطالب الانتقال من المعرفة النظرية إلى الممارسة. فقراءة اتفاقية دولية أو دراسة نزاع سياسي في الجامعة تختلف كثيراً عن الاضطرار إلى الدفاع عن موقف دولة داخل نقاش مباشر، والرد على اعتراضات المشاركين، وصياغة مقترحات قابلة للتفاوض.
قبل انطلاق المحاكاة، ينجز كل مشارك بحثاً حول الدولة التي يمثلها، يشمل سياستها الخارجية، وعلاقاتها الدولية، ومواقفها من القضية المطروحة، إضافة إلى أولوياتها الاقتصادية والأمنية. ثم يقدم ورقة موقف تتضمن رؤيتها والحلول التي تقترحها.
هذا التحضير يدفع الطالب إلى تجاوز القراءة السطحية للأحداث، ويجعله أكثر قدرة على فهم تعقيدات القضايا العالمية، سواء تعلق الأمر بالحروب، أو حقوق الإنسان، أو الهجرة، أو التغير المناخي، أو الأمن الدولي.
الدبلوماسية ليست مجرد خطاب أنيق
تكشف التجربة كذلك أن العمل الدبلوماسي لا يقوم على البلاغة وحدها. فالمشارك مطالب بالإنصات، والانضباط، واحترام قواعد الجلسة، واختيار اللحظة المناسبة للتدخل، وبناء تحالفات مع وفود أخرى.
كما يحتاج إلى تقديم حجج مقنعة دون تحويل النقاش إلى مواجهة شخصية. والهدف ليس دائماً الانتصار الكامل للموقف الذي يدافع عنه، بل الوصول أحياناً إلى صيغة وسط تحقق الحد الأدنى من مصالح الأطراف المختلفة.
وتساعد هذه الممارسة على تطوير مهارات متعددة، من بينها البحث والتحليل، والتفاوض، والإقناع، والتحدث أمام الجمهور، والعمل الجماعي، وإدارة الوقت، وصياغة الوثائق والقرارات.
هذه المهارات لا تفيد فقط من يرغب في العمل الدبلوماسي، بل يحتاج إليها أيضاً الصحافي، والمحامي، والباحث، والفاعل الجمعوي، والمسؤول الإداري، وكل من يشتغل داخل فضاءات تتطلب الحوار والتنسيق واتخاذ القرار.
الحرب الروسية الأوكرانية نموذجاً
استحضرت الضيفة تجربتها في مناقشة الحرب الروسية الأوكرانية، باعتبارها مثالاً يكشف صعوبة تمثيل المواقف الدولية. فالنزاع لا يُقرأ فقط من زاوية عسكرية، بل تتداخل فيه اعتبارات الأمن والطاقة والاقتصاد والتحالفات والتاريخ والقانون الدولي.
وعندما يمثل الطالب دولة معينة، يصبح مطالباً بفهم أسباب موقفها، حتى إن كان لا يتفق معه. وهنا تتعلم الأجيال الشابة أن القضايا الدولية لا تُختزل دائماً في ثنائية الخير والشر، وأن لكل دولة حساباتها ومخاوفها ومصالحها.
ولا يعني ذلك تبرير الانتهاكات أو التخلي عن المبادئ، بل تطوير قدرة أكثر نضجاً على فهم الخلفيات التي تقود الدول إلى اتخاذ مواقف متباينة.
مساحة لاستعادة اهتمام الشباب بالسياسة
تكتسب نماذج الأمم المتحدة أهمية إضافية في ظل شعور جزء من الشباب المغربي بالابتعاد عن السياسة التقليدية، أو بعدم القدرة على التأثير فيها. فهذه المحاكاة تمنح المشارك دوراً واضحاً ومسؤولية مباشرة، وتجعله يشعر بأن صوته وتحليله وطريقة تفاوضه يمكن أن تغير مسار النقاش.
كما أنها تقدم السياسة بصورة مختلفة عن الصراعات الحزبية اليومية، إذ تقرب الشباب من قضايا عالمية كبرى، وتدفعهم إلى التفكير في السياسات العمومية، والعدالة الدولية، والتعاون بين الدول.
لكن هذه التجربة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد نشاط بروتوكولي أو مسابقة في الخطابة. قيمتها الحقيقية تظهر عندما تخلق وعياً نقدياً، وتدرب الشباب على قبول الاختلاف، والاعتراف بوجود آراء ومصالح متعارضة، والبحث عن حلول واقعية.
آخر الأخبار
|
حياتنا
|
صحتنا
|
فن وفكر
|
لوديجي ستوديو
|
كتاب الرأي
|
أسرتنا
|
تكنو لايف
|
بلاغ صحفي
|
لوديجي ميديا [L'ODJ Média]
|
كيوسك
|
اقتصاديات
|
فيديوهات
|
كلاكسون
|
سپور