غير أن ارتفاع الكميات المستوردة لا يعني تلقائيًا أن الاستهلاك الداخلي ارتفع بالنسبة نفسها، لأن هذه المعطيات ترصد أساسًا ما يصل إلى المملكة عبر البحر، ولا تشمل وحدها المخزونات أو باقي قنوات التزود أو وتيرة الاستخدام الفعلي داخل السوق.
الولايات المتحدة في صدارة مصادر التزود
خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة، احتلت الولايات المتحدة موقع المورد الأول للمغرب من المنتجات النفطية، في مشهد يعكس التحولات التي تعرفها خريطة التزود بالمحروقات.
ويأتي هذا التحول في سياق اعتماد المملكة، منذ توقف مصفاة «سامير» سنة 2015، على استيراد كميات كبيرة من المنتجات النفطية المكررة لتلبية حاجيات السوق.
وتشمل الشحنات الوافدة بالخصوص الغازوال والفيول، وهما من المنتجات التي ترتبط بالنقل والاستخدامات الصناعية وإنتاج الكهرباء بحسب حاجيات السوق والظرفية الطاقية.
كما تظل خيارات التزود مرتبطة بعوامل دولية متعددة، مثل الأسعار، وتوفر الإمدادات، وتكاليف النقل، ومدى انتظام بعض مصادر الطاقة الأخرى.
مارس يسجل أعلى مستوى خلال السنة
سجل الربع الأول أقوى وتيرة في الواردات خلال الفترة المدروسة، بمتوسط بلغ 284 ألف برميل يوميًا، أي بارتفاع سنوي نسبته 17 في المائة.
لكن هذا المتوسط أخفى اختلافًا كبيرًا بين الأشهر الثلاثة الأولى.
ففي يناير، بلغ حجم الواردات نحو 204 آلاف برميل يوميًا، قبل أن يقفز في فبراير إلى 298 ألف برميل يوميًا.
أما مارس، فسجل ذروة السنة إلى حدود شتنبر، بعدما ارتفع المتوسط إلى 349 ألف برميل يوميًا.
ويعكس هذا الارتفاع الكبير في مارس حجم التغير الذي يمكن أن تعرفه عمليات الشحن خلال فترة قصيرة، تبعًا لحاجيات التزود وتوقيت وصول السفن ومستويات التخزين المتاحة.
الربع الثاني يعرف تراجعًا نسبيًا
بعد المستويات المرتفعة المسجلة في نهاية الربع الأول، اتجهت الواردات خلال الربع الثاني نحو مستويات أقل.
ففي أبريل، تراجع المتوسط إلى 251 ألف برميل يوميًا، قبل أن يرتفع مجددًا في ماي إلى 270 ألف برميل يوميًا.
وخلال يونيو، عادت الواردات إلى الانخفاض، لتستقر عند 235 ألف برميل يوميًا.
وتكشف هذه التطورات عن طبيعة متغيرة لعمليات الاستيراد، إذ لا تتحرك الشحنات النفطية وفق مسار تصاعدي أو تنازلي ثابت، بل تتأثر بمواعيد التعاقدات، وحجم الطلب، ومستويات المخزون، وكلفة الشحن.
انتعاش جديد خلال الربع الثالث
مع بداية الربع الثالث، عادت الواردات إلى الارتفاع نسبيًا، مسجلة متوسطًا قدره 278 ألف برميل يوميًا.
ويمثل هذا المستوى زيادة بنسبة 7 في المائة مقارنة بالربع نفسه من سنة 2025، وبنسبة 10 في المائة مقارنة بالربع الثاني من 2026.
وسجل غشت ثاني أعلى مستوى شهري خلال السنة، بعدما بلغت الواردات 309 آلاف برميل يوميًا.
لكن هذه الوتيرة تراجعت من جديد في شتنبر، حين انخفض المتوسط إلى 253 ألف برميل يوميًا.
وهذا التذبذب يؤكد أن سوق التزود بالمحروقات يظل شديد الارتباط بحركة الشحنات الدولية والظروف الخارجية.
لماذا لا تعني زيادة الواردات زيادة مماثلة في الاستهلاك؟
من الضروري التمييز بين كمية المنتجات النفطية التي تدخل عبر الموانئ وبين حجم الاستهلاك الفعلي داخل المغرب.
فقد ترتفع الواردات في فترة معينة بسبب إعادة تكوين المخزون، أو وصول شحنات كبيرة دفعة واحدة، أو تغير شروط التزود والأسعار الدولية.
كما يمكن أن يحتفظ السوق بجزء من الكميات المستوردة داخل المخازن قبل ضخها تدريجيًا، وهو ما يجعل المقارنة المباشرة بين الاستيراد والاستهلاك غير دقيقة.
ويضاف إلى ذلك أن الطلب على المحروقات يتأثر بعوامل متعددة، بينها حركة النقل، والنشاط الصناعي، وإنتاج الكهرباء، وأسعار الوقود، والظروف الاقتصادية العامة.
توقف «سامير» غيّر معادلة التزود
منذ توقف مصفاة «سامير» عن العمل سنة 2015، أصبح المغرب يعتمد بدرجة أكبر على استيراد المنتجات المكررة الجاهزة بدل تكرير النفط الخام محليًا.
هذا الواقع جعل أمن التزود أكثر ارتباطًا بحركة الأسواق الدولية ومصادر الاستيراد وتوفر الشحنات في الوقت المناسب.
ولهذا أصبحت مسألة تنويع الموردين عاملًا مهمًا لتقليص مخاطر الاعتماد على مصدر واحد، خصوصًا خلال فترات اضطراب الأسواق العالمية.
وتأتي صدارة الولايات المتحدة ضمن هذا السياق، باعتبارها واحدة من الأسواق التي باتت تلعب دورًا أكبر في توفير المنتجات النفطية للمملكة.
سوق مرتبطة بتقلبات الخارج
لا تتحكم السوق المغربية وحدها في الكلفة أو وتيرة التزود، لأن المنتجات المستوردة تبقى مرتبطة بأسعار الأسواق الدولية، وكلفة النقل، وسعر الصرف، وتوفر الإمدادات.
كما أن الاضطرابات التي تمس بعض مصادر الطاقة الأخرى قد تدفع إلى تعديل مزيج التزود والاعتماد بدرجة أكبر على بعض المنتجات النفطية.
ولهذا فإن ارتفاع الواردات خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026 يجب قراءته ضمن سياق أوسع يتعلق بأمن الطاقة، وليس فقط باعتباره ارتفاعًا في استهلاك المحروقات.
تحدي التزود والاستقرار
في المحصلة، تكشف المعطيات عن استمرار الارتباط القوي بين المغرب والأسواق الدولية لتأمين حاجياته من المنتجات النفطية المكررة.
فمتوسط 271 ألف برميل يوميًا خلال تسعة أشهر يمثل ارتفاعًا ملموسًا مقارنة بالسنة الماضية، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن حجم الحساسية تجاه تقلبات العرض والأسعار والشحن.
ويبقى التحدي خلال المرحلة المقبلة مرتبطًا بقدرة المغرب على ضمان استقرار الإمدادات، وتنويع مصادر التزود، وإدارة المخزونات بكفاءة، مع مواصلة الانتقال نحو منظومة طاقية أكثر تنوعًا وأقل تعرضًا لتقلبات السوق الدولية.
الرئيسية

















