بقلم : محمد آيت بلحسن
يكفي أن ننظر إلى خريطة الأصول الجغرافية لأعضاء الحكومة حتى نكتشف حقيقة سياسية لافتة: مغرب العمق ليس غائبًا عن السلطة، بل هو حاضر فيها بقوة.
مدن متوسطة، وأقاليم قروية، ومناطق طالما اعتُبرت هامشية، قدمت للمغرب جزءًا مهمًا من نخبه ومسؤوليه السياسيين.
تاونات، تازة، بركان، بولمان، تارودانت، زاكورة، الحسيمة، ووجدة… أسماء كثيرة تذكرنا بأن النخب السياسية المغربية لا تأتي حصريًا من محور الرباط-الدار البيضاء.
لكن من الضروري التوضيح أن مدينة منشأ الوزير لا تمنحه صفة تمثيلية لتلك المدينة، ولا تعني بالضرورة أنه يحمل مصالحها أو يعبر عنها سياسيًا. فاللوائح المتداولة على مواقع التواصل قد تعكس تنوعًا جغرافيًا، لكنها لا تكفي لرسم صورة سوسيولوجية دقيقة للسلطة.
ومع ذلك، فإن المفارقة تظل قائمة.
لقد نجح مغرب العمق في إرسال أبنائه إلى الحكومة، لكن الحكومة لم تنجح بعد بالقدر نفسه في إرسال السلطة إلى مغرب العمق.
وربما تختصر هذه المفارقة وحدها جانبًا كبيرًا من قصة الجهوية المتقدمة في المغرب.
وزراء من الأقاليم… وإدارة لا تزال شديدة المركزية
من حيث المبدأ، يفترض أن يساعد صعود مسؤول سياسي من مدينة صغيرة أو منطقة بعيدة عن المركز في جعل حاجيات الجهات أكثر حضورًا في القرار الوطني.
فمن أقدر من شخص قادم من تاونات على فهم صعوبات الولوج إلى الخدمات العمومية في بعض المناطق القروية؟ ومن أقدر من مسؤول عاش في الشرق على إدراك حجم الفوارق الترابية؟
لكن التجربة الشخصية لا تنتج تلقائيًا إصلاحًا مؤسساتيًا.
فبمجرد أن يصبح المسؤول وزيرًا، يدخل في آلة إدارية منظمة إلى حد كبير حول العاصمة.
فالتحكيمات المالية، والقرارات الاستراتيجية، والتعيينات، وعدد كبير من التراخيص، ما تزال مرتبطة في جزء مهم منها بمسارات مركزية.
ولا تكمن المشكلة بالضرورة في أن الوزراء ينسون مناطقهم الأصلية.
المشكلة أعمق من ذلك: فهم يتحولون، في كثير من الأحيان، إلى مسيرين لنظام مركزي أكثر من تحولهم إلى فاعلين في إعادة صياغته.
الجهوية المتقدمة… طموح دستوري
منذ دستور 2011، لم تعد الجهوية المتقدمة مجرد شعار سياسي.
فالفصل الأول من الدستور يكرس تنظيمًا ترابيًا لا مركزيًا، بينما تنص مقتضيات دستورية أخرى، من بينها الفصلان 140 و141، على اختصاصات ذاتية ومشتركة وقابلة للنقل لفائدة الجماعات الترابية، مع ما ينبغي أن يواكبها من موارد.
المبدأ واضح : تقريب القرار العمومي من المواطن.
لكن بين ما ينص عليه الدستور وما يجري داخل الإدارة اليومية، ما تزال هناك مسافة.
الميثاق الوطني للاتمركز الإداري، المعتمد سنة 2018، جاء أصلًا لمواكبة هذا الورش، عبر نقل اختصاصات ووسائل إلى المصالح الترابية للدولة.
لكن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سبق أن شدد على ضرورة تسريع النقل الفعلي للاختصاصات، وتوضيح المسؤوليات، وتعزيز الموارد البشرية المؤهلة في الجهات.
بعبارة أخرى، الإطار المؤسساتي موجود، لكن تنزيله العملي ما يزال غير مكتمل.
لماذا ما تزال مفاتيح القرار في الرباط؟
الاختبار الحقيقي للجهوية لا يكمن في تدشين مقرات المجالس الجهوية، أو إحداث وكالات ترابية جديدة، أو تنظيم مؤتمرات حول التنمية المحلية.
الاختبار الحقيقي يمكن اختصاره في ثلاثة أسئلة: من يقرر؟ من يمول؟ ومن يتحمل نتائج القرار؟
فمديرية جهوية تضطر في كل مرة إلى انتظار موافقة وزارتها الوصية لا يمكن اعتبارها مفوضة فعليًا لاتخاذ القرار.
ومجلس جهوي يتوفر على اختصاصات من دون الموارد الكافية لممارستها لا يمكن اعتباره مستقلًا فعليًا في تدبير شؤونه.
أما إدارة ترابية لا تفعل سوى إرسال الملفات إلى الرباط ثم انتظار عودتها، فهي أقرب إلى مكتب بريد منها إلى مركز قرار.
وهذا النقد ليس جديدًا.
فالنموذج التنموي الجديد دعا بدوره إلى نقل حقيقي للسلطات والوسائل، لا إلى مجرد تفويضات شكلية في التوقيع.
المغرب، إذن، شخص جزءًا مهمًا من المشكلة. ويبقى التحدي هو تحويل هذا التشخيص إلى ممارسة إدارية ملموسة.
فخ الجهوية المرتبطة بمكان الولادة
سيكون من السهل الاعتقاد بأن وزيرًا من بركان سيدافع بالضرورة عن الشرق بشكل أفضل، أو أن وزيرًا من تارودانت سيكون تلقائيًا أكثر إيمانًا بالسياسات الترابية.
لكن الجهوية ليست مسألة شهادة ميلاد.
إنها مسألة توزيع للاختصاصات والموارد والمسؤولية السياسية.
يمكن لوزير أن يكون شديد الارتباط بمسقط رأسه، ومع ذلك يبقى مقتنعًا بأن القرار الكبير يجب أن يظل في الرباط.
وفي المقابل، يمكن لمسؤول وُلد في العاصمة أن يكون من المدافعين عن لامركزية واسعة.
لذلك فإن الانقسام الحقيقي ليس بين القادمين من الأقاليم وأبناء الرباط، بل بين ثقافتين في الحكم: ثقافة تفضل تركيز السلطة، وأخرى تقبل بتقاسمها.
مغرب العمق لا يحتاج فقط إلى وزراء
جهات المملكة لا تحتاج فقط إلى أن ترى أبناءها يصلون إلى المسؤوليات الوطنية.
إنها تحتاج أيضًا إلى أن تقترب المسؤولية الوطنية منها.
وهذا يفترض وجود مصالح عمومية ترابية قادرة فعلًا على اتخاذ القرار، وجهات ذات اختصاصات حقيقية، وموارد ملائمة، إلى جانب آليات صارمة للمراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فاللامركزية من دون رقابة قد تنقل بعض الاختلالات من المركز إلى الأطراف.
لكن الاستمرار في المركزية خوفًا من الاختلالات يعني أيضًا الحكم على الجهات بالبقاء في حالة تبعية إدارية دائمة.
ولا ينبغي أن يتحول مغرب العمق إلى مجرد خزان للكفاءات السياسية التي تتجه نحو وزارات الرباط.
بل يفترض أن يصبح هو نفسه فضاءً للقرار، والابتكار، وتحمل المسؤولية العمومية.
وهنا بالضبط يكمن التحدي السياسي الحقيقي.
لقد نجحنا في صعود الجهات نحو السلطة، وحان الوقت لكي تنزل السلطة نحو الجهات.
فالنجاح الحقيقي للجهوية المتقدمة لن يُقاس بعدد الوزراء القادمين من الأقاليم، ولا بكثرة الخطب حول القرب.
سيُقاس عندما لا يعود مواطن في تاونات أو زاكورة أو بولمان مضطرًا، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى انتظار قرار قادم من الرباط للحصول على جواب إداري يتعلق بترابه.
حين تستطيع الجهة أن تتحرك فعليًا من دون أن تطلب الإذن في كل خطوة.
وحين تستطيع الدولة المركزية أن تمنح الثقة من دون أن تتخلى عن المراقبة.
وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل المفارقة قائمة: مغرب العمق يمد الرباط بالوزراء، لكن الرباط ما تزال تجد صعوبة في إعادة السلطة إلى مغرب العمق.
الرئيسية















