ولا يقتصر البرنامج على توفير موارد مالية إضافية، بل يندرج ضمن مسار أوسع لدعم تحول بنية الاقتصاد المغربي، وتحسين مناخ الاستثمار، ورفع كفاءة العمل العمومي، مع تقوية قدرة القطاعات الحيوية على التعامل مع التقلبات الاقتصادية والطاقية والمناخية.
القطاع الخاص في قلب التحول الاقتصادي
يراهن البرنامج بشكل واضح على تعزيز دور القطاع الخاص باعتباره أحد المحركات الرئيسية للنمو والاستثمار.
ووفق البنك الإفريقي للتنمية، تهدف هذه المرحلة إلى تهيئة بيئة أكثر ملاءمة للمقاولات والاستثمارات الخاصة، مع إعادة تركيز أدوار الدولة على الوظائف الاستراتيجية والتنظيمية.
ويشمل هذا التوجه دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الابتكار، وتحسين الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، بما يتيح للاقتصاد المغربي توسيع قاعدة الإنتاج ورفع قدرته على المنافسة.
كما يستهدف التمويل تحسين مناخ الأعمال وتبسيط عدد من الآليات المرتبطة بالاستثمار، وهو ما يعتبره البنك عنصرًا أساسيًا لتشجيع المبادرة الخاصة وجذب رؤوس أموال جديدة.
إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية
يشكل تحديث أداء المؤسسات والمقاولات العمومية أحد المحاور الأساسية للبرنامج.
وسيدعم التمويل إعادة هيكلة محفظة هذه المؤسسات، إلى جانب تطوير الإطار المنظم للشراكات بين القطاعين العام والخاص.
ويراد من هذه الإصلاحات تحسين فعالية تدخل الدولة، وترشيد أدوار الفاعلين العموميين، وفتح مجالات أوسع أمام الاستثمار الخاص في عدد من القطاعات.
كما يسعى البرنامج إلى جعل العلاقة بين القطاع العام والقطاع الخاص أكثر تكاملًا، خصوصًا في المشاريع التي تحتاج إلى تمويلات كبيرة أو خبرات تقنية متخصصة.
الاقتصاد المغربي أمام صدمات متعددة
تأتي العملية التمويلية في ظرفية دولية تتسم بارتفاع مستوى عدم اليقين، نتيجة تقلبات أسعار الطاقة، واضطرابات النقل، والتوترات الجيوسياسية، إلى جانب تزايد تأثيرات التغير المناخي.
وفي هذا السياق، أوضح عبد الله كوليبالي، مدير إدارة الحكامة والإصلاحات الاقتصادية بالبنك الإفريقي للتنمية، أن الهدف يتمثل في دعم قدرة المغرب على امتصاص الصدمات الخارجية، سواء كانت اقتصادية أو طاقية أو مناخية.
وأضاف أن البرنامج يهدف أيضًا إلى ترسيخ الإصلاحات الهيكلية القادرة على تحسين مرونة الاقتصاد وتشجيع الاستثمار الخاص على المدى الطويل.
الماء والكهرباء في صلب الإصلاحات
لا تقتصر المرحلة الثالثة من البرنامج على الإصلاحات المالية والمؤسساتية، بل تشمل أيضًا قطاعات استراتيجية مرتبطة مباشرة بالأمن الطاقي والمائي.
فالمحور الثاني من التمويل يركز على تحديث حكامة قطاعي الماء والكهرباء، إلى جانب إدماج الاعتبارات المناخية بشكل أكبر في السياسات العمومية.
ويرتبط هذا التوجه بالحاجة إلى تحسين قدرة المغرب على التعامل مع الإجهاد المائي، وارتفاع الطلب على الطاقة، وتقلبات الأسواق الدولية.
كما ينتظر أن يساهم البرنامج في دعم الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون، من خلال تعزيز الإصلاحات المرتبطة بالطاقة النظيفة وتدبير الموارد بشكل أكثر استدامة.
إصلاحات رغم الظرفية الدولية
من جهته، اعتبر أشرف ترسيم، الممثل المقيم لمجموعة البنك الإفريقي للتنمية بالمغرب، أن المملكة اختارت مواصلة مسار الإصلاحات رغم الصدمات الخارجية التي عرفها الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن دور البنك يتمثل في مواكبة هذه الدينامية بهدف تسريع التحول الاقتصادي ودعم النمو وخلق مزيد من فرص الشغل.
ويعكس هذا الدعم توجهًا نحو الحفاظ على زخم الإصلاحات، بدل الاكتفاء بإجراءات ظرفية لمواجهة آثار الأزمات.
أزمة الطاقة والنقل ضمن الحسابات
تأخذ المرحلة الجديدة بعين الاعتبار أيضًا تداعيات التوترات التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط، خصوصًا ما يتعلق بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل.
ولهذا تندرج العملية ضمن الإطار العالمي للاستجابة لأزمة الطاقة والأسمدة التابع لمجموعة البنك الإفريقي للتنمية.
ويهدف هذا الإطار إلى مساعدة الدول على مواجهة التقلبات الخارجية دون الإضرار بالاستثمارات والإصلاحات الأساسية.
وفي حالة المغرب، يرتكز الدعم على موازنة الحاجة إلى حماية الهوامش المالية وضمان الإنفاق على القطاعات ذات الأولوية، مع الاستمرار في تنفيذ مشاريع الإصلاح والاستثمار.
علاقة تمويلية تمتد منذ 1978
يأتي التمويل الجديد ضمن شراكة طويلة بين المغرب ومجموعة البنك الإفريقي للتنمية.
فمنذ سنة 1978، عبأت المجموعة ما يقارب 15 مليار أورو لفائدة أكثر من 150 مشروعًا بالمملكة.
وشملت هذه التمويلات قطاعات حيوية مثل النقل والطاقة والماء والصرف الصحي والفلاحة والحماية الاجتماعية.
ويعكس حجم هذه الاستثمارات موقع المغرب ضمن محفظة البنك في القارة، خصوصًا في المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية والإصلاحات الاقتصادية.
رهان على اقتصاد أكثر مرونة
يمكن تلخيص رهانات التمويل الجديد في محورين متكاملين: تحسين كفاءة الاقتصاد من جهة، وتقوية قدرته على مقاومة الأزمات من جهة أخرى.
فالتحول الهيكلي الذي يستهدفه البرنامج لا يقوم فقط على رفع معدلات النمو، بل على جعل هذا النمو أكثر شمولًا واستدامة وأقل عرضة للصدمات الخارجية.
كما أن تقوية دور القطاع الخاص وتحديث المؤسسات العمومية وتحسين تدبير الماء والطاقة تشكل جميعها أجزاء من رؤية واحدة تهدف إلى رفع تنافسية الاقتصاد المغربي.
وبقيمة 487 مليون دولار، تشكل هذه المرحلة الجديدة من برنامج البنك الإفريقي للتنمية أداة إضافية لمواكبة الإصلاحات الجارية، في وقت يبقى فيه التحدي الأساسي مرتبطًا بسرعة ترجمة هذه التمويلات والإصلاحات إلى استثمارات وفرص شغل وتحسن ملموس في قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات.
الرئيسية

















