فن وفكر

هل ما زال الكتاب قادراً على تغيير الإنسان في عصر الشاشة؟


في زمن تتسارع فيه الصور والإشعارات، وتنتقل المعلومة إلى شاشة الهاتف في ثوانٍ، يبدو الكتاب وكأنه يواجه اختباراً جديداً لم يعرفه من قبل. فقد أصبح القارئ محاطاً بملايين النصوص والمقاطع والصور، ولم تعد المعرفة مرتبطة بالكتاب الورقي وحده، كما لم تعد القراءة بالضرورة نشاطاً هادئاً ومنفصلاً عن بقية تفاصيل الحياة اليومية.



ومع ذلك، يظل الكتاب حاضراً، وإن تغيرت طريقة حضوره. فالسؤال اليوم لا يتعلق فقط بما إذا كان الإنسان لا يزال يقرأ، وإنما بما إذا كان قادراً على أن يمنح القراءة الوقت والتركيز اللذين تحتاجهما حتى تترك أثراً حقيقياً في طريقة تفكيره ونظرته إلى العالم.

 من سلطة الكتاب إلى وفرة المحتوى

كان الكتاب، لفترات طويلة، أحد أهم مصادر المعرفة والتكوين. وكان الوصول إلى المعلومات يتطلب البحث والقراءة والصبر، بينما أصبح الإنسان اليوم يعيش وسط وفرة غير مسبوقة من المحتوى.

الهاتف الذكي جعل المعرفة متاحة في أي مكان تقريباً، ووفرت المنصات الرقمية إمكانية الوصول إلى الكتب والمقالات والدراسات والمحاضرات خلال لحظات. لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة المعرفة.

فالإنسان قد يقرأ عشرات العناوين في يوم واحد، ويشاهد مئات المقاطع، دون أن يحتفظ إلا بجزء ضئيل مما مر أمامه. وهنا يظهر الفرق بين استهلاك المعلومة وبناء المعرفة؛ فالمعلومة قد تكون سريعة وعابرة، بينما تحتاج المعرفة إلى وقت وتأمل وربط بين الأفكار.

 القراءة تحتاج إلى البطء

من أهم ما يميز الكتاب أنه يفرض على القارئ نوعاً من البطء. فالقراءة العميقة تتطلب التركيز، والعودة إلى الفقرات، والتوقف عند فكرة، وربما إعادة قراءة صفحة كاملة قبل الانتقال إلى الصفحة التالية.

وهذا البطء ليس عيباً في عصر السرعة، بل ربما أصبح حاجة أكثر من أي وقت مضى.

فالإنسان الذي يعيش طوال اليوم بين التنبيهات والرسائل والمحتويات القصيرة يحتاج إلى مساحة ذهنية يستطيع فيها أن يبتعد مؤقتاً عن التدفق المستمر للمعلومات. وفي هذا المعنى، يمكن أن تكون القراءة نوعاً من استعادة السيطرة على الانتباه.

 الكتاب لا يقدم إجابات فقط

قوة الكتاب لا تكمن في كمية المعلومات التي يقدمها فحسب، وإنما في قدرته على تغيير طريقة طرح الأسئلة.

قد يقرأ الإنسان رواية فيكتشف من خلالها عالماً لم يكن يعرفه، أو يقرأ كتاباً في الفلسفة فيعيد النظر في فكرة كان يعتبرها بديهية، أو يتوقف أمام عمل في علم الاجتماع فيكتشف أن بعض السلوكيات اليومية التي تبدو فردية ترتبط في الواقع ببنية اجتماعية أوسع.

وهنا يظهر أحد أهم أدوار الكتاب: أنه لا يمنح القارئ معرفة جديدة فقط، بل يمنحه أحياناً عيناً جديدة يرى بها العالم.

 هل تراجع الكتاب أم تغيرت طريقة حضوره؟

ربما يكون من الأدق القول إن الكتاب لم يفقد تأثيره، وإنما تغيرت الطريقة التي يصل بها إلى القارئ.

فلم يعد الكتاب مرتبطاً بالورق وحده. هناك الكتاب الإلكتروني، والكتب الصوتية، والمنصات الرقمية، والمكتبات الإلكترونية، إضافة إلى مجتمعات القراءة التي تشكلت عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وبذلك، لم تختف القراءة من العصر الرقمي، وإنما انتقلت إلى فضاءات جديدة. وقد يكتشف القارئ كتاباً للمرة الأولى من خلال مقطع قصير على منصة اجتماعية، ثم يبحث عنه ويقرأه كاملاً.

المفارقة إذن أن الشاشة التي يُنظر إليها أحياناً باعتبارها منافساً للكتاب، يمكن أن تكون أيضاً بوابة تقود إليه.

 المشكلة ليست في الشاشة وحدها

ومع ذلك، فإن الدفاع عن الكتاب لا ينبغي أن يتحول إلى إدانة للتكنولوجيا. فالشاشة ليست عدواً للقراءة، كما أن الورق ليس ضماناً تلقائياً للمعرفة.

المسألة ترتبط أساساً بطريقة استخدام الإنسان للأدوات المتاحة أمامه. فقد يقرأ شخص كتاباً كاملاً دون أن يغير شيئاً في طريقة تفكيره، بينما قد تقوده مقالة أو دراسة رقمية إلى مراجعة أفكاره وإعادة النظر في موقفه.

التحدي الحقيقي إذن هو القدرة على الانتقال من الاستهلاك السريع للمحتوى إلى القراءة الواعية، ومن جمع المعلومات إلى فهمها وتحليلها وربطها بالتجربة الإنسانية.

 الكتاب كمساحة للحرية

لطالما ارتبط الكتاب بالقدرة على التفكير خارج المألوف. فالقراءة تمنح الإنسان فرصة للقاء أفكار مختلفة، والاختلاف معها، ومناقشتها، وربما تغيير موقفه منها.

وفي عالم تتسارع فيه الأحكام وتتضخم فيه القناعات الجاهزة، تظل القراءة العميقة وسيلة لمقاومة التبسيط. إنها تدرب الإنسان على الصبر أمام الفكرة المعقدة، وعلى قبول تعدد وجهات النظر، وعلى تأجيل الحكم إلى أن يكتمل الفهم.

وهذه الوظيفة تجعل الكتاب أكثر من مجرد وسيلة للترفيه أو اكتساب المعلومات؛ إنه أداة لبناء الشخصية النقدية.

 من يغير الإنسان: الكتاب أم القارئ؟

في النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل ما زال الكتاب قادراً على تغيير الإنسان؟ بل: هل ما زال الإنسان مستعداً لأن يسمح لكتاب بأن يغيره؟

فالكتاب لا يغير قارئاً مغلقاً على أفكاره، ولا يستطيع أن ينافس ضجيج العالم إذا لم يمنحه الإنسان وقتاً ومساحة للتأمل.

قد تتغير الوسائل، وتتبدل الشاشات، وتتطور التكنولوجيا، لكن حاجة الإنسان إلى الفهم والتأمل وإعادة اكتشاف ذاته لا تتغير. ولهذا سيظل الكتاب حاضراً، سواء جاء في صفحات ورقية أو ظهر على شاشة إلكترونية.

ففي النهاية، ليست قوة الكتاب في الورق الذي يحمله، وإنما في الفكرة التي يزرعها، والسؤال الذي يوقظه، والنافذة التي يفتحها داخل عقل القارئ. وربما لهذا السبب تحديداً، لم ينته عصر الكتاب؛ بل تغيرت فقط الطريقة التي يصل بها إلينا.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاربعاء 14 أكتوبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ





















Buy cheap website traffic