بقلم : الحسين خاوتي
تقتضي الإجابة التمييز بين احتمال التدخل الخارجي وإثبات وقوعه، وبين النقد السياسي المشروع والتضليل المتعمد. فالاشتباه لا يثبت التبعية، وتوافق المواقف لا يبرهن على التنسيق، والاتهام يحتاج إلى أدلة موثوقة. وتبدأ حماية الوعي الوطني بالتحقق من الوقائع، وصون حرية التعبير، وإخضاع أصحاب النفوذ للمساءلة وفق القانون.
الإعلام بين نقل الحقيقة وصناعة التضليل
قد يعتمد التضليل على انتقاء الوقائع، واقتطاع التصريحات من سياقها، وإغفال المعلومات المناقضة، وتكرار اتهامات تفتقر إلى الإثبات. وقد ينطلق خطاب من قضية فساد أو اختلال اجتماعي حقيقي، ثم يعمم المسؤولية على مؤسسات بأكملها، ويصور الإصلاح أمرًا مستحيلًا، ويدفع الجمهور إلى تبني أحكام لا تسندها الوقائع.
وتفاقم المنصات الرقمية هذه المخاطر مع سرعة تداول المحتوى المثير والغاضب. وقد تدفع المنافسة على المشاهدات بعض صناع المحتوى إلى تقديم الإثارة على الدقة، كما قد يتيح التمويل الخفي أو التنسيق غير المعلن لجهات معينة توجيه الموضوعات المطروحة وطريقة تناولها.
ومع ذلك، يظل نقد المؤسسات، وفضح الفساد، والمطالبة بإصلاح السياسات العمومية حقوقًا مشروعة. ولا يجوز ربط هذه الممارسات بالعمالة أو التدخل الخارجي دون أدلة محددة. فالحكم على الخطاب يتطلب فحص مصادره، وسلامة استنتاجاته، واحترامه للسياق، واستعداد صاحبه لتصحيح الأخطاء.
التمويل والنفوذ : من يدعم الخطاب، ولأي غرض؟
يحتاج الإعلام وصناعة المحتوى والعمل السياسي إلى موارد مالية، وقد يأتي الدعم الأجنبي ضمن تعاون مهني أو بحثي مشروع. غير أن الإشكال يبدأ مع إخفاء مصدر التمويل، أو تمويه هوية المستفيد الحقيقي، أو ربط الدعم بتوجيه التغطية الإعلامية بما يخدم مصالح الممول.
وتقتضي الشفافية الإفصاح عن العلاقات المالية والتنظيمية ذات الصلة بالمحتوى، خصوصًا إذا أثرت في استقلالية صاحبه أو طريقة تناوله للقضايا العامة. وينطبق المبدأ نفسه على الفاعلين السياسيين، الذين يحق لهم إقامة علاقات خارجية مشروعة، مع خضوع المصالح المرتبطة بوظائفهم العامة للمساءلة القانونية.
لكن العلاقة الخارجية لا تثبت التبعية، وتوافق المواقف لا يبرهن على التنسيق. فالحديث عن تمويل مشبوه أو توجيه سري يستلزم وثائق موثوقة أو تحقيقات مهنية أو قرائن قابلة للفحص. أما تداول الاتهامات دون سند، فيفتح الباب أمام التشهير ويحول الشك إلى أداة للصراع السياسي.
المغرب وحماية الوعي الوطني
يتمتع المغرب بموقع استراتيجي وعلاقات دولية متعددة، وتحظى قضاياه الوطنية باهتمام أطراف إقليمية ودولية. ومع اتساع نفوذ المنصات الرقمية، تبرز الحاجة إلى حماية المجال الإعلامي من التضليل، وتعزيز قدرة المواطنين على الوصول إلى المعلومات الموثوقة وفحص الادعاءات.
وتشير المسودة الأصلية إلى تقرير الأخبار الرقمية لمعهد رويترز لعام 2026 بشأن استهلاك الأخبار في المغرب. وينبغي مراجعة التقرير الأصلي والتحقق من نتائجه قبل اعتماد الإحالة في النشر؛ فمعطيات استخدام المنصات أو الثقة بالأخبار لا تثبت وجود تمويل أجنبي أو حملات منظمة.
وتتطلب الحماية الفعلية إعلامًا مهنيًا مستقلًا، ومؤسسات تتواصل بوضوح مع المواطنين، وشفافية في التمويل، ومساءلة قانونية قائمة على الأدلة، وتربية إعلامية تعزز القدرة على التحقق من المصادر وفهم أساليب التلاعب بالمعلومات.
كما تسهم معالجة البطالة وضعف الخدمات وتفاوت الفرص والاختلالات الإدارية في تعزيز الثقة العامة. فالمعاناة الاجتماعية تستحق حلولًا ومحاسبة، ولا يجوز توظيفها لترويج تفسيرات غير موثقة أو توجيه الغضب نحو غايات لا تخدم مصالح المتضررين. ويحق للمواطن مساءلة المؤسسات ومناقشة خطاب المعارضة، ومطالبة الطرفين بالدليل.
الوطنية والحقيقة: مواجهة التضليل دون تخوين
تقتضي الوطنية التمييز بين مصالح المغرب ومواقف الحكومات والأحزاب والأشخاص الذين يتولون المسؤولية. فكشف الفساد، وحماية المال العام، والمطالبة بتحسين التعليم والصحة، وانتقاد السياسات العمومية، حقوق مشروعة تسهم في إصلاح الاختلالات. وفي المقابل، فإن تعمد نشر معلومات كاذبة، أو إخفاء مصالح مالية مؤثرة، أو المشاركة في حملات تضليل منظمة، متى ثبتت هذه الأفعال، يثير قضايا جدية تتعلق بالنزاهة والمسؤولية القانونية والمهنية.
وللتحقق من الادعاءات، ينبغي الرجوع إلى مصادرها الأصلية، ومقارنتها بمصادر مستقلة، وفحص سياقها، والتحقق من المصالح المرتبطة بها، ومراجعة الأدلة المناقضة. أما البحث عن المستفيد من انتشار رسالة معينة، فيساعد على توجيه التحقيق، لكنه لا يثبت أن المستفيد يقف وراءها.
وتتطلب حماية المجال العام ضمان حرية الصحافة والتعبير، وصون حق الرد وقرينة البراءة، وتطبيق القانون على أساس أدلة قابلة للفحص. فتهمة العمالة لا يجوز أن تصبح وسيلة لإسكات المعارضين، كما لا ينبغي أن تتحول حرية التعبير إلى غطاء للتضليل المتعمد أو إخفاء المصالح.
احذروا من يدسّ السم في العسل، واحذروا أيضًا من يبيع الشك في ثوب الوطنية. فقد يستهدف التضليل وعي المجتمع، وقد تُستغل تهمة التدخل الخارجي لتقييد النقد المشروع. وفي الحالتين، يتضرر المواطن عندما يحل الاتهام محل الدليل، والانفعال محل التفكير.
يحتاج المغرب إلى مواطنين يتحققون قبل التصديق، ويناقشون دون تخوين، ويطالبون بالمحاسبة دون انتقائية؛ وإلى إعلام يلتزم الدقة والاستقلالية، ومؤسسات تواجه الأسئلة المشروعة بالوضوح والإنصاف. فحب الوطن لا يعني الصمت عن أخطائه، والدفاع عنه لا يقتضي تعطيل العقل، وإنما يتطلب تحريره من التضليل والتعصب والتبعية، أيًّا كان مصدرها.
الإعلام بين نقل الحقيقة وصناعة التضليل
قد يعتمد التضليل على انتقاء الوقائع، واقتطاع التصريحات من سياقها، وإغفال المعلومات المناقضة، وتكرار اتهامات تفتقر إلى الإثبات. وقد ينطلق خطاب من قضية فساد أو اختلال اجتماعي حقيقي، ثم يعمم المسؤولية على مؤسسات بأكملها، ويصور الإصلاح أمرًا مستحيلًا، ويدفع الجمهور إلى تبني أحكام لا تسندها الوقائع.
وتفاقم المنصات الرقمية هذه المخاطر مع سرعة تداول المحتوى المثير والغاضب. وقد تدفع المنافسة على المشاهدات بعض صناع المحتوى إلى تقديم الإثارة على الدقة، كما قد يتيح التمويل الخفي أو التنسيق غير المعلن لجهات معينة توجيه الموضوعات المطروحة وطريقة تناولها.
ومع ذلك، يظل نقد المؤسسات، وفضح الفساد، والمطالبة بإصلاح السياسات العمومية حقوقًا مشروعة. ولا يجوز ربط هذه الممارسات بالعمالة أو التدخل الخارجي دون أدلة محددة. فالحكم على الخطاب يتطلب فحص مصادره، وسلامة استنتاجاته، واحترامه للسياق، واستعداد صاحبه لتصحيح الأخطاء.
التمويل والنفوذ : من يدعم الخطاب، ولأي غرض؟
يحتاج الإعلام وصناعة المحتوى والعمل السياسي إلى موارد مالية، وقد يأتي الدعم الأجنبي ضمن تعاون مهني أو بحثي مشروع. غير أن الإشكال يبدأ مع إخفاء مصدر التمويل، أو تمويه هوية المستفيد الحقيقي، أو ربط الدعم بتوجيه التغطية الإعلامية بما يخدم مصالح الممول.
وتقتضي الشفافية الإفصاح عن العلاقات المالية والتنظيمية ذات الصلة بالمحتوى، خصوصًا إذا أثرت في استقلالية صاحبه أو طريقة تناوله للقضايا العامة. وينطبق المبدأ نفسه على الفاعلين السياسيين، الذين يحق لهم إقامة علاقات خارجية مشروعة، مع خضوع المصالح المرتبطة بوظائفهم العامة للمساءلة القانونية.
لكن العلاقة الخارجية لا تثبت التبعية، وتوافق المواقف لا يبرهن على التنسيق. فالحديث عن تمويل مشبوه أو توجيه سري يستلزم وثائق موثوقة أو تحقيقات مهنية أو قرائن قابلة للفحص. أما تداول الاتهامات دون سند، فيفتح الباب أمام التشهير ويحول الشك إلى أداة للصراع السياسي.
المغرب وحماية الوعي الوطني
يتمتع المغرب بموقع استراتيجي وعلاقات دولية متعددة، وتحظى قضاياه الوطنية باهتمام أطراف إقليمية ودولية. ومع اتساع نفوذ المنصات الرقمية، تبرز الحاجة إلى حماية المجال الإعلامي من التضليل، وتعزيز قدرة المواطنين على الوصول إلى المعلومات الموثوقة وفحص الادعاءات.
وتشير المسودة الأصلية إلى تقرير الأخبار الرقمية لمعهد رويترز لعام 2026 بشأن استهلاك الأخبار في المغرب. وينبغي مراجعة التقرير الأصلي والتحقق من نتائجه قبل اعتماد الإحالة في النشر؛ فمعطيات استخدام المنصات أو الثقة بالأخبار لا تثبت وجود تمويل أجنبي أو حملات منظمة.
وتتطلب الحماية الفعلية إعلامًا مهنيًا مستقلًا، ومؤسسات تتواصل بوضوح مع المواطنين، وشفافية في التمويل، ومساءلة قانونية قائمة على الأدلة، وتربية إعلامية تعزز القدرة على التحقق من المصادر وفهم أساليب التلاعب بالمعلومات.
كما تسهم معالجة البطالة وضعف الخدمات وتفاوت الفرص والاختلالات الإدارية في تعزيز الثقة العامة. فالمعاناة الاجتماعية تستحق حلولًا ومحاسبة، ولا يجوز توظيفها لترويج تفسيرات غير موثقة أو توجيه الغضب نحو غايات لا تخدم مصالح المتضررين. ويحق للمواطن مساءلة المؤسسات ومناقشة خطاب المعارضة، ومطالبة الطرفين بالدليل.
الوطنية والحقيقة: مواجهة التضليل دون تخوين
تقتضي الوطنية التمييز بين مصالح المغرب ومواقف الحكومات والأحزاب والأشخاص الذين يتولون المسؤولية. فكشف الفساد، وحماية المال العام، والمطالبة بتحسين التعليم والصحة، وانتقاد السياسات العمومية، حقوق مشروعة تسهم في إصلاح الاختلالات. وفي المقابل، فإن تعمد نشر معلومات كاذبة، أو إخفاء مصالح مالية مؤثرة، أو المشاركة في حملات تضليل منظمة، متى ثبتت هذه الأفعال، يثير قضايا جدية تتعلق بالنزاهة والمسؤولية القانونية والمهنية.
وللتحقق من الادعاءات، ينبغي الرجوع إلى مصادرها الأصلية، ومقارنتها بمصادر مستقلة، وفحص سياقها، والتحقق من المصالح المرتبطة بها، ومراجعة الأدلة المناقضة. أما البحث عن المستفيد من انتشار رسالة معينة، فيساعد على توجيه التحقيق، لكنه لا يثبت أن المستفيد يقف وراءها.
وتتطلب حماية المجال العام ضمان حرية الصحافة والتعبير، وصون حق الرد وقرينة البراءة، وتطبيق القانون على أساس أدلة قابلة للفحص. فتهمة العمالة لا يجوز أن تصبح وسيلة لإسكات المعارضين، كما لا ينبغي أن تتحول حرية التعبير إلى غطاء للتضليل المتعمد أو إخفاء المصالح.
احذروا من يدسّ السم في العسل، واحذروا أيضًا من يبيع الشك في ثوب الوطنية. فقد يستهدف التضليل وعي المجتمع، وقد تُستغل تهمة التدخل الخارجي لتقييد النقد المشروع. وفي الحالتين، يتضرر المواطن عندما يحل الاتهام محل الدليل، والانفعال محل التفكير.
يحتاج المغرب إلى مواطنين يتحققون قبل التصديق، ويناقشون دون تخوين، ويطالبون بالمحاسبة دون انتقائية؛ وإلى إعلام يلتزم الدقة والاستقلالية، ومؤسسات تواجه الأسئلة المشروعة بالوضوح والإنصاف. فحب الوطن لا يعني الصمت عن أخطائه، والدفاع عنه لا يقتضي تعطيل العقل، وإنما يتطلب تحريره من التضليل والتعصب والتبعية، أيًّا كان مصدرها.
الرئيسية















