ويشكل المتحف محطة جديدة ضمن المشاريع الرامية إلى تثمين الموروث التاريخي لفاس، المدينة التي ظلت على مدى قرون فضاءً لتقاطع روافد ثقافية ودينية متعددة. كما يندرج المشروع في إطار الرؤية الملكية الهادفة إلى صيانة مختلف مكونات الذاكرة المغربية وإبراز التنوع الذي ميز تشكل الهوية الوطنية عبر التاريخ.
ذاكرة تمتد لقرون
داخل أروقة المتحف، لا يتعلق الأمر فقط بعرض قطع أثرية قديمة، بل ببناء سردية متكاملة حول حياة اليهود المغاربة وعلاقتهم بالمدينة والمجتمع والثقافة المحلية.
ويقدم الفضاء للزوار مجموعة من القطع الأثرية والإثنوغرافية والفنية، إلى جانب أدوات كانت تستعمل في الطقوس الدينية أو الحياة اليومية، فضلاً عن وثائق وكتب ومخطوطات نادرة توثق جوانب من الحياة الاجتماعية والثقافية والدينية لليهود المغاربة.
وتسمح هذه المقتنيات بإعادة قراءة مراحل من التاريخ المغربي من زاوية مختلفة، عبر التعرف على أشكال العيش والعادات واللغة والطقوس والأنشطة اليومية التي ميزت الجاليات اليهودية في عدد من المدن المغربية، وفي مقدمتها فاس.
كما يتيح المتحف التعرف على تنوع التعبيرات الثقافية داخل المكون اليهودي المغربي نفسه، بما في ذلك الخصوصيات المرتبطة باللغة واللباس والفنون والعادات، وهو ما يعكس تعدد التجارب التي تشكلت عبر مناطق مختلفة من المملكة.
الملاح يمنح المشروع بعداً تاريخياً إضافياً
اختيار حي الملاح لاحتضان المتحف يمنحه بعداً رمزياً واضحاً. فهذا الحي، الذي يعود تأسيسه إلى سنة 1438، يعد من أقدم الأحياء اليهودية المنظمة في المغرب، ويرتبط بشكل مباشر بتاريخ الجالية اليهودية بمدينة فاس.
ويحتضن المتحف موقعاً تبرعت به الجالية اليهودية بالمدينة، ما يجعل الفضاء نفسه جزءاً من الذاكرة التي يسعى المشروع إلى الحفاظ عليها.
ومن خلال هذا الموقع، لا يبدو المتحف معزولاً عن محيطه العمراني، بل يأتي امتداداً طبيعياً لحي احتضن على مدى قرون حياة اجتماعية ودينية واقتصادية مرتبطة باليهود المغاربة.
ويضيف هذا الارتباط بالمكان قيمة خاصة للتجربة المتحفية، إذ يجد الزائر نفسه أمام مقتنيات ووثائق معروضة داخل مجال جغرافي كان شاهداً على جزء من الأحداث والحياة التي توثقها تلك القطع.
حوار بين المتاحف داخل قلب فاس
من العناصر التي تمنح المشروع دلالة إضافية قربه من متحف الفنون العربية والإسلامية، إذ لا تفصل بين المؤسستين، وفق ما أوضحه مهدي قطبي، سوى مسافة تقارب مائة متر في خط مستقيم.
ويرى رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف أن هذا التقارب المكاني يسمح بإقامة حوار طبيعي بين فضاءين يعكسان تعدد مكونات التراث المغربي.
فالمتحفان لا يقدمان سرديتين منفصلتين، بقدر ما يعكسان مسارات ثقافية تعايشت وتداخلت داخل المجتمع المغربي عبر فترات طويلة، وهو ما يمنح الزائر إمكانية قراءة التاريخ المحلي والوطني في إطار أكثر شمولاً.
من مشروع ملكي إلى فضاء مفتوح أمام الجمهور
تعود بداية المشروع إلى أبريل 2019، عندما أعطى الملك محمد السادس انطلاقة أشغال إنجاز المتحف خلال زيارة إلى مدينة فاس، في سياق برنامج لترميم المدينة العتيقة وتثمين موروثها التاريخي.
وشملت تلك المشاريع أيضاً ترميم قصر البطحاء وتحويله إلى متحف للفنون الإسلامية، قبل أن يفتح أبوابه أمام الجمهور سنة 2025.
ويعكس هذا المسار توجهاً نحو إعادة تأهيل عدد من الفضاءات التاريخية وتحويلها إلى مؤسسات ثقافية قادرة على حفظ الذاكرة وعرضها أمام الجمهور، بدل الاكتفاء بصيانة المباني في بعدها المعماري فقط.
رسالة موجهة إلى الحاضر والمستقبل
خلال افتتاح المتحف، شدد أحمد التوفيق على أن المشروع لا يستحضر التاريخ فحسب، بل يحمل أيضاً رسالة مرتبطة بالمستقبل، تقوم على ترسيخ قيم التعايش والاحترام والتقارب بين الثقافات.
وأشار إلى أن إبراز الثقافة اليهودية المغربية بمختلف تعبيراتها، بما فيها الجانب اللغوي، يعكس إمكانية الحفاظ على الاختلافات داخل فضاء مشترك يقوم على القيم الإنسانية الجامعة.
وبهذا المعنى، يتحول المتحف من مجرد مكان لحفظ القطع والوثائق إلى فضاء للحوار حول معنى التعدد، وكيف يمكن للتراث أن يكون وسيلة لفهم الحاضر وبناء علاقات قائمة على المعرفة والاحترام المتبادل.
ويأتي افتتاح متحف الثقافة اليهودية المغربية في فاس ليضيف لبنة جديدة إلى جهود حفظ الذاكرة الوطنية، ويمنح أحد مكونات التاريخ المغربي فضاءً دائماً للتعريف به.
الرئيسية

















