بقلم : عائشة بوسكين
السياق العام لهذه المرحلة لا يرتبط فقط بمن سيدخل الحكومة ومن سيخرج منها، بل بتغيير أوسع في توزيع الأدوار. حزب كان يقود الحكومة السابقة انتقل إلى المعارضة، وحزب كان شريكًا داخلها أصبح يقودها، وحزبان من اليسار دخلا الأغلبية، بينما استعاد العدالة والتنمية حضورًا برلمانيًا أكبر. وفي الجهة المقابلة، يوجد تحالف يساري آخر اختار المعارضة، ما يجعل الخريطة الجديدة أكثر تركيبًا من مجرد ثنائية بسيطة بين الحكومة وخصومها.
أما السياق الخاص، فيتعلق بطبيعة الأغلبية نفسها. الأحزاب الأربعة تتوفر مجتمعة على 207 مقاعد من أصل 395، أي فوق عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدًا، لكنها أغلبية بهامش محدود نسبيًا. وفي الوقت الذي تحدث فيه بيان تشكيلها عن تقارب فكري وسياسي ورؤية إصلاحية مشتركة، فإن الاختبار الحقيقي سيبدأ عندما تنتقل هذه العناوين من لغة التوافق إلى تفاصيل البرنامج والميزانيات والقرارات الحكومية.
أما السياق الخاص، فيتعلق بطبيعة الأغلبية نفسها. الأحزاب الأربعة تتوفر مجتمعة على 207 مقاعد من أصل 395، أي فوق عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدًا، لكنها أغلبية بهامش محدود نسبيًا. وفي الوقت الذي تحدث فيه بيان تشكيلها عن تقارب فكري وسياسي ورؤية إصلاحية مشتركة، فإن الاختبار الحقيقي سيبدأ عندما تنتقل هذه العناوين من لغة التوافق إلى تفاصيل البرنامج والميزانيات والقرارات الحكومية.
أغلبية بأربعة مكونات… والانسجام هو الاختبار الأول
أول ما يميز حكومة المنصوري هو أنها ليست استمرارًا مباشرًا لتركيبة حكومة أخنوش. فالأصالة والمعاصرة انتقل من موقع الشريك داخل الأغلبية إلى موقع الحزب القائد، بينما حافظ الاستقلال على وجوده في الحكومة، ودخل الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية إلى التحالف الجديد. في المقابل، بقي التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية خارج الأغلبية إلى جانب العدالة والتنمية وتحالف اليسار.
هذه التركيبة تمنح الحكومة قاعدة سياسية متعددة المرجعيات. الأصالة والمعاصرة يقدم نفسه من موقع وسطي حداثي، والاستقلال يحمل تقاليد وطنية ومحافظة اجتماعيًا في بعض الملفات، بينما يأتي الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية من خلفية يسارية. هذا التنوع قد يمنح الحكومة قدرة أكبر على بناء توافقات، لكنه يفتح في الوقت نفسه أسئلة حول كيفية تدبير الاختلافات حين تصل الحكومة إلى قضايا أكثر حساسية.
فالانسجام لا يُختبر عند تشكيل التحالف فقط. الاختبار الحقيقي سيظهر في ملفات الضرائب، والتقاعد، والحماية الاجتماعية، والقدرة الشرائية، والتعليم والصحة والحريات. عندها ستصبح المرجعيات السياسية أكثر حضورًا، وسيظهر ما إذا كانت الأغلبية قادرة على إنتاج موقف حكومي موحد، أم أن التوافق الذي سهّل تشكيلها سيحتاج إلى مفاوضات مستمرة طوال الولاية الحكومية.
207 مقاعد… أغلبية واضحة ولكن بهامش محدود
بـ207 مقاعد، تملك الحكومة الجديدة الأغلبية التي تحتاجها دستوريًا داخل مجلس النواب، لكنها تتجاوز عتبة 198 مقعدًا بتسعة مقاعد فقط. وهذا فارق مهم لأن الأغلبية الجديدة ليست مريحة بالدرجة التي تجعل أي خلاف داخلي بلا أثر على توازنها البرلماني.
هذا الوضع يمنح لكل مكون من مكونات التحالف وزنًا أكبر. فإذا ظهرت اختلافات في ملفات كبيرة أو تعثر الانضباط البرلماني، تصبح عملية تمرير القوانين أكثر حساسية. ولذلك لن تكون العلاقة بين الأحزاب الأربعة مجرد علاقة توزيع للحقائب، بل ستحتاج إلى آليات دائمة للتنسيق السياسي والبرلماني.
وفي المقابل، يمكن لهذا الهامش المحدود أن يمنح البرلمان مساحة أكبر للتفاوض. فالحكومة قد تجد نفسها أحيانًا بحاجة إلى توسيع قاعدة التوافق حول بعض المشاريع، خصوصًا في الملفات التي تحمل كلفة اجتماعية أو سياسية كبيرة. وهنا يمكن أن يصبح البرلمان أكثر حضورًا في إنتاج التوازنات، بدل أن تكون نتيجة التصويت محسومة سلفًا بفارق عددي واسع.
معارضة وازنة… لكن متعددة الأقطاب
في الجهة المقابلة، لا تواجه حكومة المنصوري معارضة صغيرة أو هامشية. فالتجمع الوطني للأحرار يمتلك 66 مقعدًا، والعدالة والتنمية 54، والحركة الشعبية 29، إضافة إلى أحزاب أخرى خارج الأغلبية. كما يوجد تحالف اليسار بثمانية مقاعد، في حين اختار الاتحاد الدستوري موقع “المساندة النقدية” بدل الانضمام المباشر إلى الحكومة.
لكن هذه المعارضة ليست جبهة سياسية موحدة. التجمع الوطني للأحرار يدخلها بعد خمس سنوات من قيادة الحكومة، بينما يأتي العدالة والتنمية من تجربة مختلفة ويحمل خطابًا سياسيًا ومرجعية مغايرة. والحركة الشعبية بدورها ستسعى إلى بناء تموقع خاص بها، فيما يتحرك تحالف اليسار من أرضية سياسية واجتماعية أخرى تمامًا.
وهنا تتضح إحدى خصائص المرحلة المقبلة: قوة المعارضة ستكون في تعددها، لكن هذا التعدد نفسه قد يصبح مصدر تشتت. فقد تتقاطع الأحزاب المعارضة في مساءلة الحكومة حول ملفات معينة، لكنها لن تتبنى بالضرورة البدائل نفسها أو المواقف نفسها في القضايا الاقتصادية والمجتمعية.
الانتخابات لم تغير ترتيب الأحزاب فقط
الخريطة البرلمانية الجديدة تكشف حجم التحول. الأصالة والمعاصرة تصدر بـ97 مقعدًا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم الاستقلال بـ65، والعدالة والتنمية بـ54، والحركة الشعبية بـ29، والاتحاد الاشتراكي بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19. كما حصل تحالف اليسار على ثمانية مقاعد.
هذه النتائج لا تعني فقط انتقال المرتبة الأولى من حزب إلى آخر، بل أعادت توزيع وظائف الأحزاب داخل النظام السياسي. الأصالة والمعاصرة أصبح حزب قيادة، والتجمع الوطني للأحرار انتقل من رئاسة الحكومة إلى المعارضة، والعدالة والتنمية استعاد حضورًا برلمانيًا مهمًا، بينما تحول جزء من اليسار من المعارضة إلى الأغلبية.
وبذلك، فإن نتيجة الانتخابات لا يمكن اختزالها في معرفة من ربح ومن خسر عددًا من المقاعد. الأهم هو كيف ستنعكس هذه التحولات على العلاقة بين الأحزاب وعلى لغة المنافسة السياسية خلال السنوات المقبلة، وهل ستنتج اختلافًا حقيقيًا في السياسات والمواقف أم ستبقى أساسًا إعادة توزيع للمواقع المؤسساتية.
الأصالة والمعاصرة… من الشراكة إلى قيادة الحكومة
خلال الولاية السابقة، كان الأصالة والمعاصرة شريكًا داخل الحكومة دون أن يكون المسؤول الأول عن قيادتها. أما اليوم، فقد أصبح الحزب في مركز السلطة التنفيذية بعد تصدره الانتخابات وتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة.
هذا الانتقال سيغير طبيعة المسؤولية السياسية الملقاة على الحزب. ففي موقع الشريك، يمكن للحزب أن يدافع عن حصيلته القطاعية وأن يميز نفسه أحيانًا عن رئيس الحكومة. أما في موقع القيادة، فسيصبح مطالبًا بتدبير التوازن بين أربعة أحزاب، وتفسير القرارات الكبرى للرأي العام، وتحمل مسؤولية التنسيق والحصيلة العامة.
ومن هنا، ستكون الولاية المقبلة أيضًا اختبارًا لتحول الأصالة والمعاصرة من حزب انتخابي وتنظيمي قوي إلى حزب قيادة حكومية. فالفارق كبير بين القدرة على تحقيق نتيجة انتخابية وبين القدرة على إدارة تحالف متعدد المرجعيات والمحافظة على تماسكه عندما تبدأ القرارات الصعبة.
الاستقلال.. حضور وازن في معادلة الحكومة الجديدة
يحتل حزب الاستقلال موقعاً خاصاً داخل التركيبة الحكومية الجديدة، بالنظر إلى وزنه الانتخابي والسياسي. فالحزب خرج من اقتراع 23 شتنبر بـ65 مقعداً، محتفظاً بموقع متقدم في الخريطة الحزبية، وهو ما يمنحه قدرة تفاوضية أكبر داخل أغلبية لا تملك هامشاً عددياً واسعاً.
ومشاركة الاستقلال لا ينبغي قراءتها فقط من زاوية توزيع الحقائب، بل من زاوية تأثيره المحتمل في صياغة البرنامج الحكومي نفسه. فالحزب شدد خلال المشاورات على ملفات ذات طابع اجتماعي واقتصادي، من بينها القدرة الشرائية، التشغيل، توسيع الطبقة الوسطى والخدمات العمومية، وهي ملفات يمكن أن تشكل أحد محاور التوازن داخل حكومة تجمع بين حزب متصدر للانتخابات وحزب وطني تاريخي ذي امتداد تنظيمي وانتخابي واسع.
كما أن وجود الاستقلال إلى جانب الأصالة والمعاصرة وحزبين من اليسار المعتدل يمنح الأغلبية تركيبة سياسية متنوعة، ويضع الحزب في موقع يمكنه من لعب دور الوسيط بين المرجعيات المختلفة داخل التحالف. لذلك، فإن قراءة الحكومة الجديدة دون منح الاستقلال مساحة مستقلة ستفقد التحليل جزءاً مهماً من تفسير موازين القوى داخل الأغلبية نفسها.
التجمع الوطني للأحرار… من قيادة الحكومة إلى المعارضة
من أبرز مفارقات الخريطة الجديدة انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة بعد أن قاد الحكومة السابقة. وحصوله على 66 مقعدًا يمنحه كتلة برلمانية كبيرة نسبيًا وقدرة على لعب دور مؤثر في الرقابة السياسية على الحكومة الجديدة.
غير أن موقعه الجديد يحمل خصوصية واضحة. فالحزب سيعارض حكومة ستجد أمامها ملفات وسياسات بدأ تنفيذ جزء منها خلال السنوات التي كان فيها هو نفسه مسؤولًا عن السلطة التنفيذية. وهذا قد يجعل المواجهة البرلمانية أكثر تعقيدًا؛ لأن بعض الملفات ستطرح نقاشًا حول الاستمرارية والمسؤولية المشتركة بين الحكومات.
في المقابل، ستكون المعارضة فرصة للحزب لإعادة بناء خطابه وهويته السياسية خارج منطق التدبير الحكومي. فالانتقال من تبرير القرارات إلى مساءلتها يحتاج إلى لغة مختلفة، وقد يكون أحد المؤشرات المهمة لفهم كيفية إعادة تموقع الحزب بعد خروجه من رئاسة الحكومة.
العدالة والتنمية يعود إلى قلب النقاش البرلماني
حصول العدالة والتنمية على 54 مقعدًا أعاده إلى موقع برلماني أكثر حضورًا مقارنة بالولاية السابقة. وهو بذلك يصبح أحد أكبر مكونات المعارضة، إلى جانب التجمع الوطني للأحرار.
لكن الحزب يعود إلى بيئة سياسية تختلف عن تلك التي عرفها في مراحل سابقة. فهو لا يحتكر اليوم موقع المعارضة الرئيسية، بل يتحرك داخل فضاء يضم أحزابًا ذات مرجعيات وتجارب متباينة، من حزب كان يقود الحكومة إلى أحزاب يسارية وحركة شعبية.
وهذا قد يجعل المعارضة أكثر تنافسًا من الداخل أيضًا. فكل طرف سيحاول بناء خطابه الخاص تجاه الحكومة، وسيكون على العدالة والتنمية أن يوازن بين استعادة دوره في النقاش السياسي وبين التعامل مع حقيقة أن المعارضة نفسها لم تعد فضاءً يمكن لحزب واحد أن يهيمن عليه بسهولة.
عودة اليسار إلى الحكومة… لكن بأي تأثير؟
وجود الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية داخل الأغلبية ليس مجرد إضافة حسابية للحصول على 207 مقاعد. فالحزبان يحملان تاريخًا سياسيًا يرتبط بقضايا الدولة الاجتماعية والخدمات العمومية والعدالة المجالية والحقوق والحريات، وهي عناوين حضرت أيضًا في بيان تشكيل الأغلبية الجديدة.
غير أن المشاركة في الحكومة تختلف عن المعارضة. فالأحزاب عندما تدخل السلطة التنفيذية تصبح مطالبة بإيجاد توازن بين مرجعيتها وبين إمكانات الميزانية والتوافق مع الشركاء. وهنا سيُقاس تأثير الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية بما يستطيعان ترجمته إلى سياسات فعلية، لا بمجرد حضورهما داخل التحالف.
وسيكون من المثير متابعة هذه العلاقة في ظل وجود يسار آخر في المعارضة. فالحزبان الحكوميان سيكونان مطالبين بإثبات أن المشاركة تسمح بتحقيق مكاسب اجتماعية فعلية، بينما يستطيع تحالف اليسار المعارض انتقاد أي تنازل يعتبره ابتعادًا عن المرجعية الاجتماعية أو الحقوقية.
برلمان قد يصبح أكثر حيوية
أغلبية من 207 مقاعد في مواجهة معارضة تضم كتلًا وازنة تخلق نظريًا شروطًا لبرلمان أكثر نشاطًا. فالفارق العددي المحدود نسبيًا قد يمنح النقاش والتفاوض والمساءلة وزنًا أكبر خلال مناقشة القوانين والميزانيات والسياسات العمومية.
لكن الأرقام وحدها لا تكفي. يمكن أن تكون المعارضة قوية عدديًا دون أن تنتج خطابًا أو بدائل مشتركة، ويمكن في المقابل أن تكون الحكومة محدودة الهامش لكنها شديدة الانضباط. لذلك سيكون المعيار الحقيقي هو الممارسة البرلمانية: نوعية الأسئلة، وقوة اللجان، وقدرة المعارضة على تقديم مقترحات، واستعداد الأغلبية للإنصات والتفاوض.
إذا تحول هذا التوازن إلى تنافس حول البرامج، فقد يستعيد البرلمان جزءًا أكبر من دوره في صناعة النقاش السياسي. أما إذا اقتصر على سجالات حزبية ومواجهات خطابية، فإن التحول سيظل شكليًا مهما بدت الخريطة الجديدة مختلفة.
الاختبار الأكبر… من هندسة الأغلبية إلى بناء الثقة
في النهاية، تواجه حكومة المنصوري تحديين في الوقت نفسه. الأول داخلي: الحفاظ على انسجام أربعة أحزاب تختلف في تاريخها ومرجعياتها وطريقة ترتيبها للأولويات. والثاني خارجي: تحويل هذا التحالف البرلماني إلى سياسات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
ملفات التشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والعدالة المجالية ستظل هي المعيار الحقيقي للحكم على المرحلة. فالمواطن لا يتعامل مع عدد مقاعد الأغلبية بقدر ما يتعامل مع أسعار السوق وفرص العمل وجودة المدرسة والمستشفى والخدمات.
وفي المقابل، ستكون المعارضة بدورها أمام اختبار المصداقية. فهي لا تحتاج فقط إلى انتقاد الحكومة، بل إلى إظهار قدرتها على تقديم بدائل قابلة للنقاش، خصوصًا أن جزءًا منها كان في السلطة إلى وقت قريب، وجزءًا آخر يحمل تجارب سياسية سابقة في الحكم.
لهذا، فإن حكومة المنصوري لا تفتح فقط صفحة تنفيذية جديدة، بل تكشف عن إعادة تركيب أوسع للمشهد السياسي: أغلبية متعددة المرجعيات، معارضة ثقيلة ولكن غير موحدة، يسار موزع بين الحكم والمعارضة، وحزب قائد جديد للحكومة في مواجهة حزب كان يقودها وانتقل إلى الضفة الأخرى.
حتى الآن، لم تُعلن التشكيلة الوزارية النهائية؛ فالبيان الصادر بعد تشكيل الأغلبية أكد أن الأحزاب الأربعة ستنتقل إلى اقتراح أسماء الوزراء وإعداد البرنامج الحكومي. لذلك تبقى هذه اللحظة لحظة قراءة في هندسة القوى السياسية، بينما سيبدأ الحكم الفعلي على اتجاه الحكومة عندما تظهر الأسماء والحقائب والبرنامج والاختيارات الأولى.
الرئيسية















