ويحمل اختيار عنوان «مخفي/مختبئ» دلالة تتجاوز الجانب الشكلي للمعرض، إذ يبني البحميدي مشروعه على المسافة الدقيقة بين ما هو غير ظاهر بطبيعته وما يختار أن يختبئ عن العين. ومن خلال هذا التوتر بين المفهومين، تتحول الصورة إلى مساحة للسؤال: ماذا تكشف الكاميرا؟ وما الذي يبقى خارج الإطار أو خلف التفاصيل المرئية؟
ولا تقدم أعمال البحميدي المدينة باعتبارها مجرد خلفية للصور، بل بوصفها فضاءً يحمل طبقات من المعاني والآثار والحضور الإنساني. فالظلال والزوايا والأجسام والعناصر المعمارية تصبح جزءاً من بناء بصري يترك للمشاهد حرية إعادة قراءة المشهد واكتشاف ما قد يكون مرّ أمامه سابقاً دون أن ينتبه إليه.
ويأتي المعرض ضمن المبادرات الثقافية لمؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، التي تعمل على إبراز تجارب المبدعين المغاربة المقيمين خارج المملكة وتعزيز صلتهم بالمشهد الثقافي الوطني. ومن خلال هذه التظاهرات، تسعى المؤسسة إلى التعريف بمسارات فنية تشكلت بين المغرب وبلدان الإقامة، وإبراز مساهمة مغاربة العالم في إشعاع الثقافة المغربية خارج الحدود.
ويحتضن رواق ضفاف هذه التجربة باعتباره فضاءً مخصصاً للفن والحوار الثقافي، حيث يستقبل أعمالاً لمبدعين مغاربة مقيمين بالخارج ويتيح للجمهور التعرف على تجارب فنية متنوعة ترتبط بالهجرة والذاكرة والهوية وأسئلة المجتمع المعاصر.
ويمتد المسار الشخصي لعبد الله البحميدي بين مدن وفضاءات متعددة. فقد وُلد بمدينة أزرو سنة 1946، وعاش في الرشيدية وأزرو وآيت حديدو وباريس، قبل أن يستقر في فيينا بالنمسا، حيث يقيم منذ 16 عاماً.
ولا يقتصر مساره على الفن، إذ اشتغل أخصائياً في علم النفس السريري، كما تولى إدارة مؤسسات لحماية الطفولة بين سنتي 1976 و2010. ويمنح هذا المسار المهني أعماله بعداً إنسانياً يتقاطع مع اهتمامه الطويل بالملاحظة والتفاصيل والسلوك والفضاءات التي يتحرك داخلها الإنسان.
أما علاقته بالتصوير الفوتوغرافي فتعود إلى سنة 1970، ما يجعل المعرض امتداداً لتجربة تتجاوز خمسة عقود من ممارسة الصورة ومراقبة التحولات اليومية.
كما شكل السفر جزءاً أساسياً من تجربة البحميدي. فقد خاض عدة رحلات طويلة بالدراجة الهوائية عبر أوروبا وبين أوروبا والمغرب، من بينها ثلاث رحلات من فيينا إلى طنجة، ورحلة من سالزبورغ إلى روما، وأربع رحلات من فيينا في اتجاه فرنسا، إضافة إلى رحلة نحو البحر الأسود.
وتبدو هذه العلاقة بالحركة والسفر حاضرة بشكل غير مباشر في طريقته في النظر إلى المدن والأماكن؛ فالمصور لا يبحث فقط عن المشاهد الكبرى، بل عن التفاصيل العابرة والأشياء التي قد تبدو عادية قبل أن يمنحها الإطار الفوتوغرافي معنى جديداً.
ومن خلال «مخفي/مختبئ»، يعود عبد الله البحميدي إلى المغرب بتجربة بصرية تشكلت عبر سنوات طويلة من الترحال والملاحظة، ليضع الجمهور أمام صور لا تكتفي بتوثيق الواقع، بل تدفعه إلى التوقف أمامه وإعادة النظر فيه، بحثاً عما يظهر في الصورة وما يظل، عمداً أو صدفة، خارج مجال الرؤية
الرئيسية

















