آخر الأخبار

لتفادي الاكتضاظ.. المغرب يعيد رسم خريطته الجامعية ويحدث 83 مؤسسة جديدة


يتجه المغرب نحو إعادة هيكلة واسعة لخريطته الجامعية، في خطوة تستهدف تقريب التعليم العالي من مختلف جهات المملكة، وتخفيف الضغط عن الجامعات الكبرى، وخلق مؤسسات أكثر ارتباطًا بحاجيات الجهات وسوق الشغل. هذا التحول لا يقتصر على توسيع عدد المؤسسات، بل يقوم على إعادة توزيع العرض الجامعي بشكل أكثر توازنًا، بما يسمح بتقليص الفوارق المجالية وتحسين ظروف ولوج الطلبة إلى التعليم العالي.



وفي هذا السياق، كشف وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، أن الفترة الممتدة بين 2024 و2026 عرفت إحداث 66 مؤسسة جامعية جديدة، فيما يوجد مشروع مرسوم لإحداث 17 مؤسسة إضافية في طور المصادقة. وتشمل المؤسسات التي تم إحداثها 46 مؤسسة ناتجة عن تقسيم وإعادة تشكيل مؤسسات ذات ولوج مفتوح، إلى جانب 20 مؤسسة من الجيل الجديد، بما يعكس توجها نحو الانتقال من مؤسسات ضخمة تستقبل أعدادًا كبيرة من الطلبة إلى بنيات أكثر تخصصًا وقربًا من حاجيات المجالات الترابية.


ويحمل مشروع مراجعة الخريطة الجامعية تحولًا أكبر يتمثل في الانتقال من 12 جامعة عمومية حاليًا إلى 27 جامعة، على أساس أن تتوفر كل جهة من جهات المملكة على جامعة عمومية واحدة على الأقل. ومن شأن هذا التصور أن يوسع الحضور الجامعي في مناطق لم تكن تتوفر سابقًا على عرض جامعي بهذا الحجم، خاصة في الداخلة والعيون وكلميم والرشيدية، إلى جانب أقاليم ستستقبل مؤسسات جامعية لأول مرة، ويتعلق الأمر بتاوريرت وتارودانت وتيزنيت وتاونات.


ويراهن هذا المشروع على تقليص الضغط الذي تعرفه بعض الجامعات الكبرى، حيث يصل معدل عدد الطلبة في الجامعة الواحدة حاليًا إلى حوالي 95 ألف طالب. ومع الانتقال إلى 27 جامعة، تسعى الوزارة إلى خفض هذا المتوسط إلى أقل من 40 ألف طالب، بما يسمح بتدبير أفضل للمؤسسات، وتحسين التأطير، وتقريب الخدمات الإدارية والتربوية من الطلبة.


ويؤكد التصور الجديد أن توزيع المؤسسات لن يكون قائمًا فقط على الاعتبارات الديموغرافية، بل سيأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الجهات وإمكاناتها الاقتصادية والثروات التي تتوفر عليها، إلى جانب حاجياتها من الكفاءات. والهدف هو أن تصبح الجامعة أكثر ارتباطًا بمحيطها المحلي، من خلال تكوينات تستجيب للتحولات الاقتصادية والمهنية، بدل الاكتفاء بعرض موحد لا يراعي الفوارق بين جهة وأخرى.


وتطمح الوزارة، من خلال هذا التوجه، إلى تعزيز جاذبية المؤسسات الجامعية الجديدة ورفع قدرتها على الاستجابة للمهن الناشئة والقطاعات التي تعرف طلبًا متزايدًا على الكفاءات. كما يفترض أن يساهم هذا التحول في الحد من الاكتظاظ داخل بعض المسالك العامة، وتوجيه جزء أكبر من الطلبة نحو تخصصات أكثر ارتباطًا بسوق الشغل وفرص الإدماج المهني.


وتتجاوز كلفة المشروع مجرد إحداث المؤسسات، إذ تتطلب المرحلة الأولى وحدها، المرتبطة ببنايات رئاسات الجامعات الجديدة وتسييرها، استثمارًا يناهز 200 مليون درهم. غير أن الرهان الحقيقي سيكون في ما بعد مرتبطًا بتوفير الأطر الجامعية والإدارية، والتجهيزات، والمختبرات، والمكتبات، والخدمات الاجتماعية الضرورية حتى لا تتحول الزيادة في عدد المؤسسات إلى توسع كمي دون أثر فعلي على جودة التكوين.


ومن أبرز الأهداف التي تسعى إليها الخريطة الجديدة كذلك تخفيف الأعباء التي تتحملها الأسر، خصوصًا تكاليف السكن والنقل التي يواجهها الطلبة المضطرون إلى مغادرة مدنهم وقراهم لمتابعة دراستهم. ويكتسي هذا البعد أهمية خاصة بالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل، كما يمكن أن يسهم في تحسين ولوج الفتيات إلى التعليم العالي، خصوصًا في المناطق القروية أو البعيدة التي قد يشكل الانتقال منها إلى مدينة جامعية عائقًا أمام مواصلة الدراسة.


ولا تقف آثار إعادة توزيع المؤسسات عند الجانب التعليمي فقط، بل يمكن أن تمتد إلى التنمية المحلية نفسها. فوجود جامعة داخل جهة أو إقليم يخلق حركة اقتصادية واجتماعية جديدة، ويستقطب الطلبة والأساتذة والباحثين، ويرفع الطلب على السكن والخدمات والنقل، كما يمكن أن يشجع المقاولات على الاستثمار في المناطق التي تتوفر على موارد بشرية مؤهلة.


وتراهن الوزارة كذلك على أن تصبح الجامعات الجديدة جزءًا من المنظومة الاقتصادية للجهات، من خلال تطوير تكوينات تنسجم مع النسيج الإنتاجي المحلي. فالمناطق التي تعرف نشاطًا صناعيًا يمكن أن تستفيد من مؤسسات مرتبطة بالهندسة والتكنولوجيا، بينما تحتاج جهات أخرى إلى تخصصات مرتبطة بالفلاحة أو السياحة أو الاقتصاد البحري أو الطاقات المتجددة، وهو ما يمنح للخريطة الجامعية بعدًا تنمويًا يتجاوز الوظيفة الأكاديمية التقليدية.


غير أن هذا التوسع يطرح في المقابل تحديات مرتبطة بجودة التعليم والبحث العلمي. فإحداث جامعات ومؤسسات جديدة لا يضمن وحده تحسين أداء المنظومة إذا لم يترافق مع تأطير كاف، وبرامج دراسية ملائمة، وتجهيزات حديثة، وقدرة حقيقية على جذب الكفاءات الأكاديمية والاحتفاظ بها. كما أن نجاح الإصلاح سيظل مرتبطًا بقدرة كل مؤسسة على خلق علاقة فعلية مع سوق الشغل، وتطوير مسارات تكوين تساعد الخريجين على الاندماج المهني.


في المحصلة، تعكس الأرقام المعلنة تحولًا كبيرًا في بنية التعليم العالي بالمغرب، مع إحداث 66 مؤسسة جديدة بين 2024 و2026، وبرمجة 17 مؤسسة إضافية، إلى جانب مشروع الانتقال من 12 إلى 27 جامعة عمومية. لكن نجاح هذا الورش لن يقاس فقط بعدد المؤسسات التي سيتم افتتاحها، بل بقدرتها على تحقيق عدالة مجالية فعلية، وتحسين جودة التكوين، وتخفيف أعباء الدراسة على الأسر، وربط الجامعة بشكل أوثق بالاقتصاد والمجتمع.


Aicha Bouskine
عائشة بوسكين صحافية خريجة المعهد العالي للإعلام والاتصال، باحثة في العلوم السياسية وصانعة محتوى في إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 27 أكتوبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ





ميزانية 2027.. اسأل وافهم مع مساعد «L’ODJ» الذكي

وعدٌ تحقق: «L’ODJ ميديا» تطلق مساعدها بالذكاء الاصطناعي حول مشروع قانون المالية 2027



















Buy cheap website traffic