بقلم : بوشعيب حمراوي
لم تكن جريمة العثور على جثتي شابين بغابة وادي النفيفيخ، المعروفة محلياً باسم «غابة 33»، التابعة لجماعة المنصورية بإقليم بنسليمان، يوم الاثنين 2 نونبر 2026، مجرد واقعة مأساوية عابرة تستنفر أجهزة الدرك الملكي والسلطات المحلية، وتثير الرعب في نفوس الساكنة. إنها بالنسبة إليّ جرس إنذار جديد، يعيد إلى الواجهة ملفاً قديماً لم أتوقف عن الكتابة بشأنه والتحذير من عواقبه.
ملف مشروع كبير كان من المفترض أن يغير وجه المنطقة، وينتشلها من العزلة والتهميش، ويحول غابتها إلى فضاء بيئي وسياحي وترفيهي ورياضي منظم وآمن. لكنه أُجهض في ظروف ظلت تثير أكثر من علامة استفهام.
واليوم، ونحن أمام جثتين لشابين في مقتبل العمر، وسط معطيات صحفية تتحدث عن آثار تعذيب وعنف بالغ، لا يسعني إلا أن أستحضر تحذيرات الأمس، وأطرح السؤال الذي ظل يلاحقني لسنوات: ماذا لو أن مشروع تهيئة غابة النفيفيخ رأى النور كما كان مقرراً؟
هل كنا سنترك هذا الفضاء الطبيعي الكبير يتحول إلى منطقة يرتبط اسمها بالخوف والمخدرات والعنف والجرائم؟
وهل كان سيصبح مسرحاً لهذه المأساة لو توفرت فيه التجهيزات والحراسة والمراقبة والحضور المنتظم للمواطنين؟
لا أحد يستطيع الجزم بأن التهيئة كانت ستمنع وقوع كل الجرائم. لكن المؤكد أن تنظيم الفضاءات العمومية وإنارتها وتأمينها ومراقبتها يحد من فرص استغلالها في الأنشطة غير المشروعة.
مشروع بـ48 مليون درهم.. أين اختفى الحلم؟
تعود الحكاية إلى يناير 2011، عندما جرى رصد غلاف مالي إجمالي قدره 48 مليون درهم، أي أربعة ملايير و800 مليون سنتيم، لإنجاز مشروع تهيئة الفضاء الغابوي والترفيهي لوادي النفيفيخ.
لم يكن الأمر مجرد فكرة عابرة أو وعد انتخابي شفهي. لقد انتقل المشروع إلى مرحلة التعاقد المؤسساتي، بتوقيع اتفاقية شراكة وتعاون بتاريخ 14 يونيو 2014، جمعت ثمانية أطراف عمومية.
وكانت الغاية واضحة: إعادة الاعتبار لهذا الفضاء الطبيعي الاستراتيجي، الواقع عند ملتقى ترابي بين إقليم بنسليمان والمجال المحمدي، وبالقرب من الطريق الإقليمية رقم 3308 والطريق الوطنية رقم 1، ومدخل الطريق السيار عند النقطة الكيلومترية 33.
موقع كان يؤهله ليصبح منتزهاً غابوياً يستقبل العائلات والأطفال والرياضيين والزوار من المنصورية والمحمدية وبنسليمان والدار البيضاء وباقي المناطق المجاورة.
وقد انطلقت بالفعل بعض الأشغال، لكنها لم تستمر سوى أسابيع قليلة، واقتصرت على تهيئة بعض المسالك، قبل أن يتوقف كل شيء.
وبقيت اللوحات الإشهارية للمشروع منصوبة لسنوات، شاهدة على حلم لم يكتمل، قبل أن تختفي هي الأخرى.
والأغرب أنني ما زلت أحتفظ بصورة اللوحة الخاصة بهذا المشروع، كما أحتفظ بما كتبته عنه من مقالات وتحقيقات، لأن ذاكرة الصحفي لا ينبغي أن تتوقف عند انتهاء الأشغال، بل تبدأ مسؤوليتها الحقيقية عندما تتوقف المشاريع دون تفسير مقنع.
ثمانية شركاء.. وميزانية تبخرت من برنامج التهيئة
توزعت المساهمات المالية المقررة في الاتفاقية على أربعة أطراف رئيسية :
كتابة الدولة المكلفة بالماء والبيئة: 32 مليون درهم.
المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر: 7 ملايين درهم.
المجلس الإقليمي لبنسليمان: 6 ملايين درهم.
مجلس جهة الشاوية ورديغة آنذاك: 3 ملايين درهم.
أما باقي الأطراف الموقعة، فتشمل ولاية جهة الشاوية ورديغة، وعمالة إقليم بنسليمان، والمجلس الجماعي للمنصورية، والمكتب الوطني للماء الصالح للشرب، وفق الالتزامات الواردة في الاتفاقية.
وبعد توقف المشروع، باشرت آنذاك بحثاً صحفياً بشأن مصير الأموال المرصودة، وتواصلت مع خليل الدهي، الرئيس السابق للمجلس الإقليمي لبنسليمان، الذي أكد لي إلغاء المشروع، وقدم توضيحات بشأن إعادة برمجة مساهمة المجلس الإقليمي البالغة 600 مليون سنتيم.
وأوضح أن تلك الأموال وجهت إلى مشاريع أخرى، من بينها دعم شبكات الماء الصالح للشرب بالعالم القروي، والإنارة العمومية، وبناء الداخليات، وتهيئة مراكز قروية.
كما تبين أن مساهمة مجلس الجهة، البالغة 300 مليون سنتيم، جرى التوافق على إعادة برمجتها لإنارة الطريق المزدوج، ولا سيما المقطع الممتد بمحاذاة غابة النفيفيخ.
إذن، نحن أمام 900 مليون سنتيم أُعلن عن إعادة برمجتها.
لكن ماذا عن المبلغ المتبقي، البالغ 39 مليون درهم، أي ثلاثة ملايير و900 مليون سنتيم؟
أين وصل الالتزام المالي المرتبط به؟ وهل صُرفت تلك الاعتمادات فعلاً؟ وهل أُلغيت أو أُعيدت برمجتها؟ وإلى أي مشاريع وجهت؟ ومن اتخذ القرارات المتعلقة بمصيرها؟
لا أتهم أحداً باختلاس الأموال، ولا أزعم أن المبالغ المتبقية سُحبت من الخزينة أو صُرفت خارج القانون. لكن من حق الرأي العام أن يعرف مصير كل درهم رُصد لمشروع عمومي أُعلن عنه ثم اختفى.
والأموال التي لا يتضح مصيرها في الوثائق المتاحة للصحافة ليست بالضرورة أموالاً مختلسة، لكنها تظل موضوعاً مشروعاً للمساءلة وطلب الوثائق والتدقيق.
ماذا خسرنا بإجهاض المشروع؟
لم يكن مشروع غابة النفيفيخ مجرد تهيئة شكلية، ولا عملية لغرس الأشجار أو إصلاح بعض الممرات.
لقد كان مشروعاً متكاملاً، يتضمن تهيئة مسالك التجوال والرياضة، وإعداد مواقف السيارات، وإحداث فضاءات مخصصة للأطفال والألعاب، وتوفير كراسي الاستراحة وحاويات النفايات والمرافق الصحية.
وكان يتضمن أيضاً إحداث نقاط للماء لمواجهة الحرائق، ووضع علامات للتحسيس، وإقامة أبراج للمراقبة، وحواجز للتحكم في دخول المركبات، وإنجاز ممرات وجسور تربط ضفتي وادي النفيفيخ.
والأهم أن الاتفاقية نصت على التزامات تتعلق بالإشراف والحماية الأمنية عند فتح الفضاء أمام العموم.
بمعنى آخر، كنا أمام مشروع قادر على نقل الغابة من وضعية الاستعمال العشوائي إلى فضاء منظم، له مرافقه ومراقبته وأنشطته وزواره.
وكان ممكناً أن يساهم في خلق فرص الشغل وتنشيط الاقتصاد المحلي وتشجيع الرياضة والسياحة البيئية، إلى جانب حماية الثروة الغابوية وتوفير متنفس طبيعي للساكنة.
لكن كل ذلك بقي حبراً على ورق.
حذرنا بالأمس.. واليوم تدق الجريمة ناقوس الخطر
منذ سنوات، كتبت عن خطورة ترك هذه الغابة دون تهيئة ومراقبة وحماية كافيتين. وفي 20 نونبر 2017، نشرت ضمن سلسلة تحقيقات حول المشاريع والعقار بإقليم بنسليمان مادة تناولت إلغاء مشروع تهيئة النفيفيخ وتحول الغابة إلى نقطة سوداء مرتبطة بمظاهر الانحراف وترويج المخدرات.
ثم عدت إلى الملف سنة 2019، ونشرت معطيات أكثر تفصيلاً بشأن الاتفاقية ومساهمات الشركاء وإعادة برمجة جزء من الأموال.
لم أكن أكتب من باب الإثارة، ولا رغبة في الإساءة إلى المنطقة أو ساكنتها، بل انطلاقاً من قناعة بأن الفضاءات التي تتراجع فيها التهيئة والمراقبة تصبح أكثر عرضة للاستغلال من طرف بعض المنحرفين والشبكات الإجرامية.
وها نحن اليوم، بعد خمسة عشر عاماً من الإعلان عن تمويل المشروع، وأزيد من اثني عشر عاماً على توقيع الاتفاقية، أمام واقعة العثور على جثتي شابين داخل الغابة.
وتتحدث روايات صحفية أولية عن احتمال ارتباط المأساة بمواجهة عنيفة مع أشخاص يشتبه في نشاطهم في ترويج المخدرات، وعن إصابات بليغة تعرض لها الضحيتان،
فيما يظل تحديد الملابسات والمسؤوليات من اختصاص البحث القضائي والتشريح الطبي.
وإذا تأكدت تلك الروايات، فإننا لن نكون فقط أمام جريمة قتل مفترضة، بل أمام مستوى خطير من العنف يستدعي وقفة أمنية ومؤسساتية حازمة.
لكن لا ينبغي أن تختزل المعالجة في توقيف الجناة المفترضين ومتابعتهم قضائياً.
فالجريمة، مهما كانت بشاعتها، تستوجب أيضاً التفكير في الظروف التي تسمح بوجود فضاءات بعيدة عن المراقبة، ويمكن أن تتحول إلى أماكن للمواجهات والتصفية والاعتداء.
أين المسؤولية السياسية والإدارية؟
من السهل أن نطالب الدرك الملكي بتكثيف دورياته، وأن ندعو السلطات إلى تمشيط الغابة، وأن نصفق للعمليات الأمنية بعد وقوع الجرائم.
لكن السؤال الأعمق هو: لماذا تُرك مشروع كان من شأنه المساهمة في تنظيم هذا المجال وحمايته يتعثر ثم يلغى؟
ومن المسؤول عن عدم إنقاذ الاتفاقية أو مراجعتها أو تعويضها بمشروع جديد؟
أين تقارير التقييم؟ وأين محاضر الاجتماعات التي سبقت الإلغاء؟ ومن اتخذ القرار النهائي؟ وهل جرى إخبار المواطنين بالأسباب الحقيقية للتخلي عن المشروع؟
لقد تعاقبت مجالس منتخبة ومسؤولون ومؤسسات، وتغير التقسيم الجهوي، وتبدلت أسماء بعض الإدارات واختصاصاتها، بينما بقيت الغابة شاهدة على مشروع لم يكتمل.
ولا يعقل أن تتحول الاتفاقيات العمومية إلى مجرد صور تذكارية لتوقيعات المسؤولين، ثم تختفي دون حصيلة معلنة أو تحديد واضح للمسؤوليات.
إن التنمية ليست فقط بناء الطرق والمنشآت الكبرى، بل هي أيضاً حماية الإنسان وتأمين الفضاءات العامة وصيانة البيئة والوفاء بالتزامات المؤسسات تجاه المواطنين.
لا نريد أن تتحول الغابة إلى مقبرة للمشاريع والبشر
إن جريمة غابة النفيفيخ، التي هزت المنطقة يوم 2 نونبر 2026، ينبغي أن تكون مناسبة لفتح ملفين متوازيين.
الأول أمني وقضائي، يقتضي كشف الحقيقة كاملة بشأن وفاة الشابين، وتحديد جميع المسؤوليات الجنائية المحتملة، ومواجهة أنشطة ترويج المخدرات والعنف داخل الغابة ومحيطها، في احترام للقانون وقرينة البراءة.
والثاني إداري ومالي وتنموي، يتعلق بإعادة فتح ملف مشروع 48 مليون درهم، والكشف عن مآل الاتفاقية، وتقديم الحساب بشأن جميع الاعتمادات التي خُصصت لها، وإطلاق تصور جديد لتأهيل الغابة وتأمينها.
كما أن المسؤولية لا تقتصر على المؤسسات الأمنية، بل تشمل الجماعة الترابية، والمجلس الإقليمي، ومجلس الجهة، والسلطات الإقليمية، والمصالح المكلفة بالغابات والبيئة والتجهيز، كل في حدود اختصاصاته.
وليس المطلوب الاكتفاء بتشخيص الوضع، بل إعداد مشروع قابل للإنجاز، بتمويل واضح، وآجال محددة، ومراقبة فعلية، وتدبير مستدام يراعي حماية الغطاء الغابوي وحقوق المرتفقين.
لقد كان من الممكن أن نحتفل اليوم بمرور سنوات على افتتاح منتزه غابوي نموذجي، وأن نرى الأطفال يلعبون، والأسر تتنزه، والشباب يمارسون الرياضة، والزوار يستمتعون بجمال الطبيعة.
لكننا عوض ذلك نكتب عن جثتين، وعن شبهات تعذيب، وعن خوف يتسرب إلى النفوس.
والسؤال الذي أطرحه اليوم، كما طرحته قبل سنوات: من يتحمل مسؤولية إجهاض مشروع غابة النفيفيخ؟ وأين ذهبت الاعتمادات التي رصدت له؟
ليست الغابة هي المتهمة، ولا ساكنة المنصورية وبنسليمان والمحمدية، وإنما السياسات والقرارات التي تركت هذا الفضاء دون التأهيل الموعود.
وإذا كنا قد حذرنا بالأمس من مخاطر استمرار هذا الوضع، فإننا اليوم نطالب ألا تتحول الفاجعة إلى مجرد خبر ينتهي بانتهاء التحقيق.
فالمأساة ليست فقط أن نعثر على جثتين داخل الغابة، بل أن نكتشف أننا أضعنا سنوات طويلة وفرصة حقيقية لصناعة فضاء للحياة، ثم أصبحنا نواجه فيه مشاهد الموت.
ولذلك أقولها مجدداً: افتحوا ملف غابة النفيفيخ، اكشفوا مصير أموال المشروع، حاسبوا كل من تثبت مسؤوليته عن أي إخلال، وأعيدوا إلى المنطقة حقها في الأمن والتنمية والبيئة السليمة.
فلا نريد لغابة النفيفيخ أن تصبح مقبرة للمشاريع المعطلة، ولا مسرحاً يتكرر فيه العثور على ضحايا جرائم كان من واجب الجميع العمل على الوقاية من مخاطرها.
ملف مشروع كبير كان من المفترض أن يغير وجه المنطقة، وينتشلها من العزلة والتهميش، ويحول غابتها إلى فضاء بيئي وسياحي وترفيهي ورياضي منظم وآمن. لكنه أُجهض في ظروف ظلت تثير أكثر من علامة استفهام.
واليوم، ونحن أمام جثتين لشابين في مقتبل العمر، وسط معطيات صحفية تتحدث عن آثار تعذيب وعنف بالغ، لا يسعني إلا أن أستحضر تحذيرات الأمس، وأطرح السؤال الذي ظل يلاحقني لسنوات: ماذا لو أن مشروع تهيئة غابة النفيفيخ رأى النور كما كان مقرراً؟
هل كنا سنترك هذا الفضاء الطبيعي الكبير يتحول إلى منطقة يرتبط اسمها بالخوف والمخدرات والعنف والجرائم؟
وهل كان سيصبح مسرحاً لهذه المأساة لو توفرت فيه التجهيزات والحراسة والمراقبة والحضور المنتظم للمواطنين؟
لا أحد يستطيع الجزم بأن التهيئة كانت ستمنع وقوع كل الجرائم. لكن المؤكد أن تنظيم الفضاءات العمومية وإنارتها وتأمينها ومراقبتها يحد من فرص استغلالها في الأنشطة غير المشروعة.
مشروع بـ48 مليون درهم.. أين اختفى الحلم؟
تعود الحكاية إلى يناير 2011، عندما جرى رصد غلاف مالي إجمالي قدره 48 مليون درهم، أي أربعة ملايير و800 مليون سنتيم، لإنجاز مشروع تهيئة الفضاء الغابوي والترفيهي لوادي النفيفيخ.
لم يكن الأمر مجرد فكرة عابرة أو وعد انتخابي شفهي. لقد انتقل المشروع إلى مرحلة التعاقد المؤسساتي، بتوقيع اتفاقية شراكة وتعاون بتاريخ 14 يونيو 2014، جمعت ثمانية أطراف عمومية.
وكانت الغاية واضحة: إعادة الاعتبار لهذا الفضاء الطبيعي الاستراتيجي، الواقع عند ملتقى ترابي بين إقليم بنسليمان والمجال المحمدي، وبالقرب من الطريق الإقليمية رقم 3308 والطريق الوطنية رقم 1، ومدخل الطريق السيار عند النقطة الكيلومترية 33.
موقع كان يؤهله ليصبح منتزهاً غابوياً يستقبل العائلات والأطفال والرياضيين والزوار من المنصورية والمحمدية وبنسليمان والدار البيضاء وباقي المناطق المجاورة.
وقد انطلقت بالفعل بعض الأشغال، لكنها لم تستمر سوى أسابيع قليلة، واقتصرت على تهيئة بعض المسالك، قبل أن يتوقف كل شيء.
وبقيت اللوحات الإشهارية للمشروع منصوبة لسنوات، شاهدة على حلم لم يكتمل، قبل أن تختفي هي الأخرى.
والأغرب أنني ما زلت أحتفظ بصورة اللوحة الخاصة بهذا المشروع، كما أحتفظ بما كتبته عنه من مقالات وتحقيقات، لأن ذاكرة الصحفي لا ينبغي أن تتوقف عند انتهاء الأشغال، بل تبدأ مسؤوليتها الحقيقية عندما تتوقف المشاريع دون تفسير مقنع.
ثمانية شركاء.. وميزانية تبخرت من برنامج التهيئة
توزعت المساهمات المالية المقررة في الاتفاقية على أربعة أطراف رئيسية :
كتابة الدولة المكلفة بالماء والبيئة: 32 مليون درهم.
المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر: 7 ملايين درهم.
المجلس الإقليمي لبنسليمان: 6 ملايين درهم.
مجلس جهة الشاوية ورديغة آنذاك: 3 ملايين درهم.
أما باقي الأطراف الموقعة، فتشمل ولاية جهة الشاوية ورديغة، وعمالة إقليم بنسليمان، والمجلس الجماعي للمنصورية، والمكتب الوطني للماء الصالح للشرب، وفق الالتزامات الواردة في الاتفاقية.
وبعد توقف المشروع، باشرت آنذاك بحثاً صحفياً بشأن مصير الأموال المرصودة، وتواصلت مع خليل الدهي، الرئيس السابق للمجلس الإقليمي لبنسليمان، الذي أكد لي إلغاء المشروع، وقدم توضيحات بشأن إعادة برمجة مساهمة المجلس الإقليمي البالغة 600 مليون سنتيم.
وأوضح أن تلك الأموال وجهت إلى مشاريع أخرى، من بينها دعم شبكات الماء الصالح للشرب بالعالم القروي، والإنارة العمومية، وبناء الداخليات، وتهيئة مراكز قروية.
كما تبين أن مساهمة مجلس الجهة، البالغة 300 مليون سنتيم، جرى التوافق على إعادة برمجتها لإنارة الطريق المزدوج، ولا سيما المقطع الممتد بمحاذاة غابة النفيفيخ.
إذن، نحن أمام 900 مليون سنتيم أُعلن عن إعادة برمجتها.
لكن ماذا عن المبلغ المتبقي، البالغ 39 مليون درهم، أي ثلاثة ملايير و900 مليون سنتيم؟
أين وصل الالتزام المالي المرتبط به؟ وهل صُرفت تلك الاعتمادات فعلاً؟ وهل أُلغيت أو أُعيدت برمجتها؟ وإلى أي مشاريع وجهت؟ ومن اتخذ القرارات المتعلقة بمصيرها؟
لا أتهم أحداً باختلاس الأموال، ولا أزعم أن المبالغ المتبقية سُحبت من الخزينة أو صُرفت خارج القانون. لكن من حق الرأي العام أن يعرف مصير كل درهم رُصد لمشروع عمومي أُعلن عنه ثم اختفى.
والأموال التي لا يتضح مصيرها في الوثائق المتاحة للصحافة ليست بالضرورة أموالاً مختلسة، لكنها تظل موضوعاً مشروعاً للمساءلة وطلب الوثائق والتدقيق.
ماذا خسرنا بإجهاض المشروع؟
لم يكن مشروع غابة النفيفيخ مجرد تهيئة شكلية، ولا عملية لغرس الأشجار أو إصلاح بعض الممرات.
لقد كان مشروعاً متكاملاً، يتضمن تهيئة مسالك التجوال والرياضة، وإعداد مواقف السيارات، وإحداث فضاءات مخصصة للأطفال والألعاب، وتوفير كراسي الاستراحة وحاويات النفايات والمرافق الصحية.
وكان يتضمن أيضاً إحداث نقاط للماء لمواجهة الحرائق، ووضع علامات للتحسيس، وإقامة أبراج للمراقبة، وحواجز للتحكم في دخول المركبات، وإنجاز ممرات وجسور تربط ضفتي وادي النفيفيخ.
والأهم أن الاتفاقية نصت على التزامات تتعلق بالإشراف والحماية الأمنية عند فتح الفضاء أمام العموم.
بمعنى آخر، كنا أمام مشروع قادر على نقل الغابة من وضعية الاستعمال العشوائي إلى فضاء منظم، له مرافقه ومراقبته وأنشطته وزواره.
وكان ممكناً أن يساهم في خلق فرص الشغل وتنشيط الاقتصاد المحلي وتشجيع الرياضة والسياحة البيئية، إلى جانب حماية الثروة الغابوية وتوفير متنفس طبيعي للساكنة.
لكن كل ذلك بقي حبراً على ورق.
حذرنا بالأمس.. واليوم تدق الجريمة ناقوس الخطر
منذ سنوات، كتبت عن خطورة ترك هذه الغابة دون تهيئة ومراقبة وحماية كافيتين. وفي 20 نونبر 2017، نشرت ضمن سلسلة تحقيقات حول المشاريع والعقار بإقليم بنسليمان مادة تناولت إلغاء مشروع تهيئة النفيفيخ وتحول الغابة إلى نقطة سوداء مرتبطة بمظاهر الانحراف وترويج المخدرات.
ثم عدت إلى الملف سنة 2019، ونشرت معطيات أكثر تفصيلاً بشأن الاتفاقية ومساهمات الشركاء وإعادة برمجة جزء من الأموال.
لم أكن أكتب من باب الإثارة، ولا رغبة في الإساءة إلى المنطقة أو ساكنتها، بل انطلاقاً من قناعة بأن الفضاءات التي تتراجع فيها التهيئة والمراقبة تصبح أكثر عرضة للاستغلال من طرف بعض المنحرفين والشبكات الإجرامية.
وها نحن اليوم، بعد خمسة عشر عاماً من الإعلان عن تمويل المشروع، وأزيد من اثني عشر عاماً على توقيع الاتفاقية، أمام واقعة العثور على جثتي شابين داخل الغابة.
وتتحدث روايات صحفية أولية عن احتمال ارتباط المأساة بمواجهة عنيفة مع أشخاص يشتبه في نشاطهم في ترويج المخدرات، وعن إصابات بليغة تعرض لها الضحيتان،
فيما يظل تحديد الملابسات والمسؤوليات من اختصاص البحث القضائي والتشريح الطبي.
وإذا تأكدت تلك الروايات، فإننا لن نكون فقط أمام جريمة قتل مفترضة، بل أمام مستوى خطير من العنف يستدعي وقفة أمنية ومؤسساتية حازمة.
لكن لا ينبغي أن تختزل المعالجة في توقيف الجناة المفترضين ومتابعتهم قضائياً.
فالجريمة، مهما كانت بشاعتها، تستوجب أيضاً التفكير في الظروف التي تسمح بوجود فضاءات بعيدة عن المراقبة، ويمكن أن تتحول إلى أماكن للمواجهات والتصفية والاعتداء.
أين المسؤولية السياسية والإدارية؟
من السهل أن نطالب الدرك الملكي بتكثيف دورياته، وأن ندعو السلطات إلى تمشيط الغابة، وأن نصفق للعمليات الأمنية بعد وقوع الجرائم.
لكن السؤال الأعمق هو: لماذا تُرك مشروع كان من شأنه المساهمة في تنظيم هذا المجال وحمايته يتعثر ثم يلغى؟
ومن المسؤول عن عدم إنقاذ الاتفاقية أو مراجعتها أو تعويضها بمشروع جديد؟
أين تقارير التقييم؟ وأين محاضر الاجتماعات التي سبقت الإلغاء؟ ومن اتخذ القرار النهائي؟ وهل جرى إخبار المواطنين بالأسباب الحقيقية للتخلي عن المشروع؟
لقد تعاقبت مجالس منتخبة ومسؤولون ومؤسسات، وتغير التقسيم الجهوي، وتبدلت أسماء بعض الإدارات واختصاصاتها، بينما بقيت الغابة شاهدة على مشروع لم يكتمل.
ولا يعقل أن تتحول الاتفاقيات العمومية إلى مجرد صور تذكارية لتوقيعات المسؤولين، ثم تختفي دون حصيلة معلنة أو تحديد واضح للمسؤوليات.
إن التنمية ليست فقط بناء الطرق والمنشآت الكبرى، بل هي أيضاً حماية الإنسان وتأمين الفضاءات العامة وصيانة البيئة والوفاء بالتزامات المؤسسات تجاه المواطنين.
لا نريد أن تتحول الغابة إلى مقبرة للمشاريع والبشر
إن جريمة غابة النفيفيخ، التي هزت المنطقة يوم 2 نونبر 2026، ينبغي أن تكون مناسبة لفتح ملفين متوازيين.
الأول أمني وقضائي، يقتضي كشف الحقيقة كاملة بشأن وفاة الشابين، وتحديد جميع المسؤوليات الجنائية المحتملة، ومواجهة أنشطة ترويج المخدرات والعنف داخل الغابة ومحيطها، في احترام للقانون وقرينة البراءة.
والثاني إداري ومالي وتنموي، يتعلق بإعادة فتح ملف مشروع 48 مليون درهم، والكشف عن مآل الاتفاقية، وتقديم الحساب بشأن جميع الاعتمادات التي خُصصت لها، وإطلاق تصور جديد لتأهيل الغابة وتأمينها.
كما أن المسؤولية لا تقتصر على المؤسسات الأمنية، بل تشمل الجماعة الترابية، والمجلس الإقليمي، ومجلس الجهة، والسلطات الإقليمية، والمصالح المكلفة بالغابات والبيئة والتجهيز، كل في حدود اختصاصاته.
وليس المطلوب الاكتفاء بتشخيص الوضع، بل إعداد مشروع قابل للإنجاز، بتمويل واضح، وآجال محددة، ومراقبة فعلية، وتدبير مستدام يراعي حماية الغطاء الغابوي وحقوق المرتفقين.
لقد كان من الممكن أن نحتفل اليوم بمرور سنوات على افتتاح منتزه غابوي نموذجي، وأن نرى الأطفال يلعبون، والأسر تتنزه، والشباب يمارسون الرياضة، والزوار يستمتعون بجمال الطبيعة.
لكننا عوض ذلك نكتب عن جثتين، وعن شبهات تعذيب، وعن خوف يتسرب إلى النفوس.
والسؤال الذي أطرحه اليوم، كما طرحته قبل سنوات: من يتحمل مسؤولية إجهاض مشروع غابة النفيفيخ؟ وأين ذهبت الاعتمادات التي رصدت له؟
ليست الغابة هي المتهمة، ولا ساكنة المنصورية وبنسليمان والمحمدية، وإنما السياسات والقرارات التي تركت هذا الفضاء دون التأهيل الموعود.
وإذا كنا قد حذرنا بالأمس من مخاطر استمرار هذا الوضع، فإننا اليوم نطالب ألا تتحول الفاجعة إلى مجرد خبر ينتهي بانتهاء التحقيق.
فالمأساة ليست فقط أن نعثر على جثتين داخل الغابة، بل أن نكتشف أننا أضعنا سنوات طويلة وفرصة حقيقية لصناعة فضاء للحياة، ثم أصبحنا نواجه فيه مشاهد الموت.
ولذلك أقولها مجدداً: افتحوا ملف غابة النفيفيخ، اكشفوا مصير أموال المشروع، حاسبوا كل من تثبت مسؤوليته عن أي إخلال، وأعيدوا إلى المنطقة حقها في الأمن والتنمية والبيئة السليمة.
فلا نريد لغابة النفيفيخ أن تصبح مقبرة للمشاريع المعطلة، ولا مسرحاً يتكرر فيه العثور على ضحايا جرائم كان من واجب الجميع العمل على الوقاية من مخاطرها.
الرئيسية















