المعرض، الذي نظمته Atelier Qantara، يقدم حصيلة سبع سنوات من البحث والتجوال داخل صهاريج وخزانات الري في شمال إفريقيا، حيث انشغل الفنان بالهندسة الصارمة لهذه المنشآت، وبالتناقض اللافت بين صلابة الخرسانة وانسيابية الماء الذي صممت تلك الفضاءات لاحتضانه وحفظه.
غير أن ما يلفت في تجربة غيرا هو أنه لا يصور الماء بوصفه مجرد مورد طبيعي، ولا يتعامل مع الصهاريج باعتبارها منشآت تقنية فحسب. فالصورة عنده تتحول إلى وسيلة للتأمل في العلاقة القديمة بين الإنسان والماء، وفي الطرق التي ابتكرتها المجتمعات للحفاظ على مورد كان دائمًا أساسًا للاستقرار والحياة.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في شمال إفريقيا، حيث ارتبط تاريخ المجتمعات ارتباطًا وثيقًا بتدبير المياه وتخزينها وتوزيعها. فالصهريج ليس مجرد بناء من الإسمنت، بل شاهد على معرفة محلية تشكلت عبر أجيال، وعلى قدرة الإنسان على التكيف مع الطبيعة وتدبير مواردها المحدودة.
ومن خلال عدسة كاميرا Rolleiflex تقليدية، يركز الفنان على الخطوط والأحجام والملمس الهندسي للصهاريج، فيمنح الخرسانة لغة بصرية جديدة. تتحول الجدران والأقواس والظلال إلى عناصر جمالية مستقلة، بينما يظل الماء حاضرًا، أحيانًا بشكل مباشر وأحيانًا بوصفه غائبًا يُستدل عليه من خلال المكان الذي أُعد لاستقباله.
وهنا تحديدًا تتولد المفارقة الجمالية التي يقوم عليها المشروع: الماء، أكثر العناصر انسيابًا، يظهر من خلال بنى شديدة الصلابة. وبين السيولة والجمود، وبين الطبيعة والهندسة، يبني غيرا تجربة تدفع المتلقي إلى التفكير في الطريقة التي يحاول بها الإنسان احتواء الطبيعة، وفي الحدود التي يمكن أن يبلغها هذا الاحتواء.
ولا تكتفي «The Distance Between» بالصورة، إذ ترافق الأعمال الفوتوغرافيةَ تجربةٌ صوتية تحمل عنوان «Water Memories»، بما يجعل الماء حاضرًا ليس فقط بوصفه منظرًا، وإنما بوصفه ذاكرة وإحساسًا وصوتًا. ويصبح الجمع بين الصورة والصوت دعوة إلى إبطاء إيقاع التلقي، وإلى الإصغاء إلى ما قد لا تقوله الصورة وحدها.
ولعل العنوان نفسه، «المسافة بين»، يلخص جوهر التجربة. إنها المسافة بين الماء والخزان، بين الجبل والمحيط، بين المادة والطبيعة، وبين العمل الفني والمتلقي. وقد تحدث الفنان عن تتبع مسار الماء من جبال الأطلس إلى المحيط الأطلسي، محولًا سنوات البحث الفوتوغرافي إلى نوع من التأمل في رحلة الماء وفي مكانته داخل التجربة الإنسانية.
لكن خلف هذا الجمال البصري يطل سؤال أكثر إلحاحًا: ماذا يعني الماء بالنسبة إلى الإنسان في زمن تتزايد فيه ندرة الموارد المائية؟
هنا يتجاوز الفن وظيفته الجمالية ليصبح مساحة للتفكير في واحدة من أكثر القضايا البيئية إلحاحًا. فحين ننظر إلى خزانات شُيدت لحفظ الماء، لا نرى فقط هندسة قديمة أو أشكالًا معمارية جميلة، وإنما نرى أيضًا ذاكرة مجتمعات أدركت منذ زمن بعيد أن الماء مورد يحتاج إلى التدبير والحماية.
ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة غيرا معاصرة بقدر ما هي مرتبطة بالماضي. فهي تستعيد بنى مائية من الذاكرة، لكنها تضعها أمام سؤال المستقبل: كيف سنحافظ على مواردنا الطبيعية في عالم تتزايد فيه الضغوط المناخية وتتغير فيه علاقة الإنسان بالماء؟
إن الفن هنا لا يقدم تقريرًا بيئيًا ولا يرفع شعارًا مباشرًا، بل يفعل شيئًا أكثر هدوءًا وربما أكثر تأثيرًا: يجعلنا نتوقف. نتأمل جدارًا، ظلًا، سطحًا مائيًا، أو فراغًا كان يومًا مملوءًا بالماء، ثم نكتشف أن ما نراه ليس مجرد صورة، وإنما أثر لعلاقة طويلة بين الإنسان والطبيعة.
كما تفتح التجربة بابًا للتفكير في قيمة المعارف التقليدية. فالصهاريج وأنظمة الري التي استلهم منها الفنان أعماله تذكر بأن تدبير الموارد الطبيعية لم يبدأ مع النقاش البيئي الحديث، بل كان جزءًا من ذكاء المجتمعات وتكيفها مع محيطها. واستعادة هذه المنشآت فنيًا قد تكون، في حد ذاتها، شكلًا من أشكال إعادة الاعتبار لذاكرة تقنية وثقافية تستحق أن تُقرأ من جديد.
وهكذا، ينجح ماركو غيرا في نقل الماء من موقعه باعتباره مادة ضرورية للحياة إلى موقع آخر أكثر رمزية: الماء بوصفه ذاكرة، والماء بوصفه أثرًا، والماء بوصفه سؤالًا عن المستقبل.
وبين صور الخرسانة الصامتة وأصوات الماء، تقترح «The Distance Between» تجربة لا تكتفي بإمتاع العين، بل تدعو إلى إعادة النظر في علاقتنا بأبسط عناصر الحياة وأكثرها أهمية. فربما لا نكتشف قيمة الماء عندما يكون حاضرًا فقط، وإنما عندما نتأمل المسافة التي تفصلنا عن لحظة يصبح فيها حضوره أقل يقينًا.
وفي النهاية، يتحول الفن إلى وسيلة لاستعادة ما نميل إلى اعتباره بديهيًا: أن الماء ليس مجرد مورد نستهلكه، بل ذاكرة للحضارات، وأساس للحياة، ومسؤولية مشتركة تجاه المستقبل.
غير أن ما يلفت في تجربة غيرا هو أنه لا يصور الماء بوصفه مجرد مورد طبيعي، ولا يتعامل مع الصهاريج باعتبارها منشآت تقنية فحسب. فالصورة عنده تتحول إلى وسيلة للتأمل في العلاقة القديمة بين الإنسان والماء، وفي الطرق التي ابتكرتها المجتمعات للحفاظ على مورد كان دائمًا أساسًا للاستقرار والحياة.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في شمال إفريقيا، حيث ارتبط تاريخ المجتمعات ارتباطًا وثيقًا بتدبير المياه وتخزينها وتوزيعها. فالصهريج ليس مجرد بناء من الإسمنت، بل شاهد على معرفة محلية تشكلت عبر أجيال، وعلى قدرة الإنسان على التكيف مع الطبيعة وتدبير مواردها المحدودة.
ومن خلال عدسة كاميرا Rolleiflex تقليدية، يركز الفنان على الخطوط والأحجام والملمس الهندسي للصهاريج، فيمنح الخرسانة لغة بصرية جديدة. تتحول الجدران والأقواس والظلال إلى عناصر جمالية مستقلة، بينما يظل الماء حاضرًا، أحيانًا بشكل مباشر وأحيانًا بوصفه غائبًا يُستدل عليه من خلال المكان الذي أُعد لاستقباله.
وهنا تحديدًا تتولد المفارقة الجمالية التي يقوم عليها المشروع: الماء، أكثر العناصر انسيابًا، يظهر من خلال بنى شديدة الصلابة. وبين السيولة والجمود، وبين الطبيعة والهندسة، يبني غيرا تجربة تدفع المتلقي إلى التفكير في الطريقة التي يحاول بها الإنسان احتواء الطبيعة، وفي الحدود التي يمكن أن يبلغها هذا الاحتواء.
ولا تكتفي «The Distance Between» بالصورة، إذ ترافق الأعمال الفوتوغرافيةَ تجربةٌ صوتية تحمل عنوان «Water Memories»، بما يجعل الماء حاضرًا ليس فقط بوصفه منظرًا، وإنما بوصفه ذاكرة وإحساسًا وصوتًا. ويصبح الجمع بين الصورة والصوت دعوة إلى إبطاء إيقاع التلقي، وإلى الإصغاء إلى ما قد لا تقوله الصورة وحدها.
ولعل العنوان نفسه، «المسافة بين»، يلخص جوهر التجربة. إنها المسافة بين الماء والخزان، بين الجبل والمحيط، بين المادة والطبيعة، وبين العمل الفني والمتلقي. وقد تحدث الفنان عن تتبع مسار الماء من جبال الأطلس إلى المحيط الأطلسي، محولًا سنوات البحث الفوتوغرافي إلى نوع من التأمل في رحلة الماء وفي مكانته داخل التجربة الإنسانية.
لكن خلف هذا الجمال البصري يطل سؤال أكثر إلحاحًا: ماذا يعني الماء بالنسبة إلى الإنسان في زمن تتزايد فيه ندرة الموارد المائية؟
هنا يتجاوز الفن وظيفته الجمالية ليصبح مساحة للتفكير في واحدة من أكثر القضايا البيئية إلحاحًا. فحين ننظر إلى خزانات شُيدت لحفظ الماء، لا نرى فقط هندسة قديمة أو أشكالًا معمارية جميلة، وإنما نرى أيضًا ذاكرة مجتمعات أدركت منذ زمن بعيد أن الماء مورد يحتاج إلى التدبير والحماية.
ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة غيرا معاصرة بقدر ما هي مرتبطة بالماضي. فهي تستعيد بنى مائية من الذاكرة، لكنها تضعها أمام سؤال المستقبل: كيف سنحافظ على مواردنا الطبيعية في عالم تتزايد فيه الضغوط المناخية وتتغير فيه علاقة الإنسان بالماء؟
إن الفن هنا لا يقدم تقريرًا بيئيًا ولا يرفع شعارًا مباشرًا، بل يفعل شيئًا أكثر هدوءًا وربما أكثر تأثيرًا: يجعلنا نتوقف. نتأمل جدارًا، ظلًا، سطحًا مائيًا، أو فراغًا كان يومًا مملوءًا بالماء، ثم نكتشف أن ما نراه ليس مجرد صورة، وإنما أثر لعلاقة طويلة بين الإنسان والطبيعة.
كما تفتح التجربة بابًا للتفكير في قيمة المعارف التقليدية. فالصهاريج وأنظمة الري التي استلهم منها الفنان أعماله تذكر بأن تدبير الموارد الطبيعية لم يبدأ مع النقاش البيئي الحديث، بل كان جزءًا من ذكاء المجتمعات وتكيفها مع محيطها. واستعادة هذه المنشآت فنيًا قد تكون، في حد ذاتها، شكلًا من أشكال إعادة الاعتبار لذاكرة تقنية وثقافية تستحق أن تُقرأ من جديد.
وهكذا، ينجح ماركو غيرا في نقل الماء من موقعه باعتباره مادة ضرورية للحياة إلى موقع آخر أكثر رمزية: الماء بوصفه ذاكرة، والماء بوصفه أثرًا، والماء بوصفه سؤالًا عن المستقبل.
وبين صور الخرسانة الصامتة وأصوات الماء، تقترح «The Distance Between» تجربة لا تكتفي بإمتاع العين، بل تدعو إلى إعادة النظر في علاقتنا بأبسط عناصر الحياة وأكثرها أهمية. فربما لا نكتشف قيمة الماء عندما يكون حاضرًا فقط، وإنما عندما نتأمل المسافة التي تفصلنا عن لحظة يصبح فيها حضوره أقل يقينًا.
وفي النهاية، يتحول الفن إلى وسيلة لاستعادة ما نميل إلى اعتباره بديهيًا: أن الماء ليس مجرد مورد نستهلكه، بل ذاكرة للحضارات، وأساس للحياة، ومسؤولية مشتركة تجاه المستقبل.
الرئيسية



















