بين السطور

قبعة احترام، سيدتي رئيسة الحكومة.. لقد فاجأتِني إيجابيًا


بطريقتها في الرد على المعارضة، ودفاعها الصريح عن مكانة المرأة، وتمسكها بخيارات اجتماعية واضحة، منحت فاطمة الزهراء المنصوري النقاش البرلماني حيوية لافتة. كان حضورها قويًا، وخطابها مباشرًا، وقدرتها على المواجهة واضحة. بداية تستحق التنويه، لكنها ترفع في المقابل سقف الانتظارات، لأن جودة الخطاب لا تكتمل إلا عندما تتحول إلى قرارات ملموسة تمس حياة المغاربة.



بقلم : عدنان بنشقرون

من حقنا أن نقول ذلك ببساطة، من دون أن نتعامل مع الإشادة بمسؤول سياسي وكأنها خطأ مهني. فنحن نطالب دائمًا بشخصيات سياسية تتحدث بوضوح وتدافع عن مواقفها بثقة، ثم نصبح أحيانًا مترددين في الاعتراف بأن أحدًا نجح فعلًا في تقديم أداء مقنع.


أما أنا، فأفضل أن أحتفظ بهذه الحرية: أن أنوّه بما يستحق التنويه، حتى إن كان الحكم الحقيقي على التجربة لا يزال مؤجلًا إلى ما ستكشف عنه الممارسة والنتائج.


في ردودك داخل البرلمان، كان حضورك واضحًا. لم تكتفي بتلاوة أجوبة تقنية أو الاحتماء بلغة إدارية باردة، بل تحدثتِ بصفتك رئيسة للحكومة، ودافعتِ عن مواقفك بثقة، واستعملتِ أحيانًا قدرًا من السخرية الخفيفة والذكاء في الرد، بما منح النقاش طابعًا أكثر حيوية وقربًا من الجمهور.


والفكاهة، حين تكون في خدمة الفكرة ولا تتحول إلى استعراض، تستطيع أن تجعل الخطاب السياسي أكثر قابلية للفهم، وأن تقرّب لغة المؤسسات من المواطنين.


أقوى لحظة، بالنسبة إلي، كانت ردك على حزب العدالة والتنمية بخصوص مكانة المرأة في المجتمع. فقد رفضتِ الصورة التي تختزل المرأة في مجرد عنصر للزينة داخل البيت، واستحضرتِ في المقابل واقع الأرامل والمطلقات والنساء اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن.


وهذا موضوع أكبر من مجرد سجال برلماني أو تبادل للعبارات الحادة. فخلف النقاش حول عمل المرأة توجد حياة كاملة. هناك امرأة تشتغل لتؤمن دراسة أبنائها، أو تساعد والديها، أو تبني استقلالها، أو تمارس ببساطة مهنة اختارتها وتكوّنت من أجلها.


مكانة المرأة في المجتمع لا ينبغي أن تتوقف على رأي سياسي أو على تصور أخلاقي يفرضه طرف على آخر.


كما انتقدتِ ما اعتبرتِه تناقضًا لدى بعض من يشجعون بناتهم على الدراسة والعمل وبناء مسار مهني، بينما يقدمون خطابًا أكثر تحفظًا عندما يتعلق الأمر بباقي النساء المغربيات.


الانتقاد السياسي يبقى مسؤوليتك، لكن السؤال الذي أثرتِه يتجاوز الخلاف الحزبي: هل نقبل لبنات الآخرين ما نتمناه لبناتنا؟


هذا، في نظري، هو جوهر المسألة. أن تكون هناك مطابقة بين ما ندافع عنه في الخطاب العام وما نقبله داخل أسرنا ومحيطنا القريب.


وأقدّر أيضًا أن دفاعك عن النساء جاء بصوت واضح ومن موقع المسؤولية. فرئيسة الحكومة ليست مطالبة بأن تعتذر عن قوة شخصيتها، بل بأن تستخدم هذه القوة في ممارسة السلطة بجدية، وباحترام للمؤسسات، وبقدرة على الإنصات للاختلاف.


خطابك الاجتماعي يضعك الآن أمام اختبار المصداقية


موقفك من الفوارق الاجتماعية يستحق هو الآخر التوقف عنده.


ففي 21 أكتوبر، عبّرتِ عن رفض مسار اقتصادي يسمح لفئات محدودة بالاستفادة بينما تتراجع أوضاع الفئات الأكثر هشاشة، وفي الوقت نفسه دافعتِ عن دور المقاولات والاستثمار وتبسيط المساطر الإدارية.


وهذا التوازن مهم.


فالمغرب يحتاج إلى مقاولات قوية تستثمر وتخلق فرص الشغل وتبتكر، لكنه يحتاج في المقابل إلى أن ينعكس هذا النشاط الاقتصادي على حياة المواطنين بشكل ملموس.


لا معنى لنمو اقتصادي لا يفتح أبواب الترقي الاجتماعي، ولا قيمة لاستثمارات ضخمة إذا بقيت فرصها بعيدة عن الشباب الباحث عن العمل أو الأسر التي تواجه صعوبة في تغطية مصاريفها اليومية.


ومن هنا، فإن تصريحاتك تخلق انتظارًا مشروعًا. انتظار حكومة قادرة على الربط بين خلق الثروة وتوزيع الفرص، وبين الاستثمار وتحسين شروط العمل، وبين النمو الاقتصادي وجودة الخدمات العمومية.


وسيكون مشروع قانون المالية واحدًا من أول الاختبارات التي ستكشف مدى قدرة هذا الخطاب على التحول إلى اختيارات واضحة في الميزانية والأولويات.


أما بخصوص مغادرة مديحة خير، فإن سرعة اتخاذ القرار يمكن فهمها باعتبارها إشارة إلى تحمل المسؤولية السياسية. وقد قدمت الحكومة المسألة في إطار تقدير سياسي ومؤسساتي، فيما تمت الموافقة على طلب إنهاء المهام من طرف جلالة الملك.


وهذا بطبيعة الحال لا يعني إصدار أي حكم قضائي أو استباق مسار العدالة.


لكن المعيار الحقيقي في المستقبل سيكون بسيطًا: أن تُطبق القاعدة نفسها على الجميع.


فالسلطة تصبح أكثر إقناعًا عندما تحافظ على انسجامها حتى عندما يتعلق الأمر بشخصيات محسوبة عليها أو قريبة منها.


وبطبيعة الحال، ما تزال هناك أسئلة مشروعة وتحفظات كثيرة.


فالأداء الجيد داخل البرلمان لا يكفي وحده للحكم على تجربة حكومية كاملة، والقدرة على الرد والمواجهة ليست هي نفسها القدرة على تدبير الملفات المعقدة وتحقيق النتائج.


ويبقى السؤال الأساسي: هل تتحول قوة الخطاب إلى فعالية في التنفيذ؟


لكن وجود هذا السؤال لا يمنعنا من الاعتراف بأن البداية كانت لافتة.


فنحن لا نخدم النقاش العمومي حين نرفض الاعتراف بأي أداء جيد فقط لأننا اعتدنا التشكيك في كل شيء.


يمكننا أن نرحب بلحظة سياسية ناجحة، وفي الوقت نفسه نحتفظ بأسئلتنا حول الوسائل والآجال والنتائج.


لهذا أقولها بوضوح: قبعة احترام، سيدتي رئيسة الحكومة.


لقد قدمتِ حضورًا لافتًا، وأظهرتِ قدرة على الرد، ودافعتِ عن مواقفك بثقة وطاقة تستحقان التنويه.


لكن الامتحان الأصعب يبدأ الآن.


أن تنتقل هذه القوة من قاعة البرلمان إلى الحياة اليومية للمغاربة؛ إلى الشاب الذي يبحث عن أول فرصة عمل، وإلى الأم التي تنتظر موعدًا طبيًا، وإلى الأجير الذي يعيد حساب مصاريفه كل شهر، وإلى الأسرة التي تريد أن تشعر بأن السياسات العمومية تغيّر شيئًا فعليًا في حياتها.


لقد فاجأتِني إيجابيًا بخطابك.


وأتمنى أن تفاجئينا أكثر بما ستفعلينه.





الاربعاء 28 أكتوبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic