بقلم : عدنان بنشقرون
حين يطرق شاب عاطل باب جماعته أو مجلس جهته، فإنه لا يحمل معه خريطة الاختصاصات القانونية بين الدولة والجماعات الترابية. يحمل شهادة، وانتظاراً طويلاً، وسؤالاً مباشراً: ماذا فعل المنتخبون لتوفير فرص العمل؟ سؤال مشروع سياسياً واجتماعياً، لكنه يحتاج إلى جواب يميز بين مسؤولية المجالس عن التنمية، وقدرتها الفعلية على التأثير في سوق شغل تتحكم فيه أيضاً السياسات الوطنية والاستثمارات الخاصة والتحولات الاقتصادية.
في المغرب، تضع الجهوية المتقدمة القرار التنموي أقرب إلى المجالات الترابية وحاجيات سكانها. غير أن هذا القرب يفقد جزءاً من معناه عندما يظل التشغيل وعداً انتخابياً عاماً، دون برامج ممولة، ومسؤوليات محددة، ومؤشرات تسمح بتقييم النتائج.
صلاحيات اقتصادية لا تعني ضمان الوظيفة
يمنح القانون التنظيمي المتعلق بالجهات أساساً للتدخل الاقتصادي، من خلال تشجيع المقاولة وتيسير توطين الأنشطة المنتجة للثروة والشغل. وتشمل أدوات الجهة دعم الاستثمار المنتج، وتهيئة مناطق الأنشطة الاقتصادية والحرفية، وإنعاش الاقتصاد الاجتماعي والمنتجات الجهوية. كما يشكل برنامج التنمية الجهوية إطاراً لبرمجة المشاريع وتنسيق التدخلات داخل المجال الترابي.
لكن امتلاك هذه الأدوات لا يجعل المجلس الجهوي وكالة لتوزيع الوظائف. فالتشغيل الإداري داخل مصالحه محدود، بينما يكمن أثره الأوسع في تحسين البيئة التي تسمح للمقاولات بالاستثمار والتوسع والتوظيف. وهنا يصبح السؤال: هل توجه المشاريع نحو أنشطة ذات طلب اقتصادي حقيقي، أم تكتفي بإنجاز تجهيزات يصعب تحويلها إلى إنتاج ومداخيل؟
أما الجماعات المحلية، فتبرز مساهمتها التنموية في معالجة عوائق القرب. ففرصة العمل لا ترتبط بوجود المصنع أو المتجر وحده، بل بإمكانية الوصول إليه، وتوافر الخدمات، وملاءمة فضاءات النشاط. وقد يكون تحسين النقل نحو منطقة اقتصادية أكثر أثراً من تنظيم ملتقى حول التشغيل لا تترتب عليه التزامات.
الموارد موجودة، والكفاية تحتاج إلى إثبات
تتوفر الجهات قانوناً على موارد ذاتية وتحويلات من الدولة وإمكانية الاقتراض وفق الضوابط المعمول بها. ويقر الإطار القانوني كذلك بضرورة مواكبة نقل الاختصاصات بتحويل الموارد اللازمة. غير أن هذه القواعد لا تكفي للحكم على قدرة كل مجلس على مواجهة احتياجاته التنموية.
فالجهات تختلف في قاعدتها الاقتصادية وجاذبيتها الاستثمارية وكلفة تجهيز مجالاتها. كما أن الاعتماد المرصود في الميزانية لا يتحول تلقائياً إلى مشروع منجز. لذلك، ينبغي فحص نسب التنفيذ، وآجال الإنجاز، والالتزامات المالية، قبل إعلان نقص الموارد سبباً وحيداً للتعثر.
وتبقى الكفاءات الإدارية والتقنية عاملاً حاسماً. فإعداد مشروع قابل للحياة، وتعبئة العقار، وبناء اتفاقية تمويل، وتقييم المخاطر، مهام تحتاج إلى خبرات متخصصة. وقد تتوافر الأموال فيما تتعطل المشاريع بسبب ضعف الإعداد أو غياب المتابعة.
التنسيق يبدأ بعد توقيع الاتفاقية
تتطلب معالجة البطالة تعاون المجالس المنتخبة والسلطات الترابية والمصالح الحكومية ومؤسسات التكوين والوساطة والمقاولات والمجتمع المدني. لكن كثرة المتدخلين قد تتحول إلى مشكلة حين تتوزع المسؤولية بينهم دون قيادة تنفيذية واضحة.
المطلوب تعاقد ترابي للتشغيل، ضمن اختصاصات كل طرف، يحدد من يمول، ومن ينفذ، ومن يواكب، ومتى تظهر النتائج. فالاتفاقية الناجحة ليست التي تجمع أكبر عدد من التوقيعات، بل التي تجعل الالتزامات قابلة للتتبع، وتوفر آلية لمعالجة التأخر والإخلال.
ويفترض هذا التنسيق البدء بتشخيص اقتصادي دقيق: ما القطاعات القادرة على النمو؟ ما المهارات المطلوبة؟ أين توجد فرص غير مستغلة؟ وما العوائق التي تمنع المقاولات القائمة من توسيع نشاطها؟ دون ذلك، قد تمول الجهة تكوينات لا يحتاجها السوق، أو مشاريع تتنافس على طلب محلي محدود.
المقاولة شريك وليست وصفة جاهزة
لا يمكن بناء سياسة ترابية للتشغيل دون المقاولات، لأنها فاعل مباشر في خلق الوظائف. غير أن الشراكة معها ينبغي أن تتجاوز طلب الدعم العمومي، إلى تحديد احتياجاتها ومساهمتها في التأهيل والتدريب والتوظيف.
وفي المقابل، يحتاج دعم المبادرة الفردية إلى قدر من الواقعية. فليس كل عاطل مستعداً ليصبح مقاولاً، وليس كل مشروع صغير قابلاً للاستمرار. إن تمويل الانطلاقة دون مواكبة وتسويق قد يؤجل التعثر بدل معالجته. لذلك، يجب الجمع بين تشجيع المشاريع الجديدة ومساعدة المقاولات القائمة على النمو والمحافظة على وظائفها.
أما المجتمع المدني، فيستطيع الوصول إلى فئات يصعب على المؤسسات استقطابها، خصوصاً الشباب المنقطع عن التكوين والنساء في وضعيات هشة. وتزداد قيمة تدخله حين يرتبط بخدمات واضحة، واختيار شفاف للشركاء، وتقييم مستقل للنتائج.
المحاسبة على الأثر لا على النشاط
الاختبار الحقيقي ليس عدد المستفيدين من ورشة، بل عدد من التحقوا بعمل واستمروا فيه. وليس عدد المشاريع الممولة، بل نسبة بقائها وقدرتها على توفير دخل مستقر. وينبغي أن تشمل المحاسبة جودة الوظائف وكلفة الإدماج وتوزيع الاستفادة بين المدن والقرى والنساء والرجال.
كما يلزم الحذر عند تفسير تطور البطالة؛ فقد يتأثر بالموسم الفلاحي أو باستثمارات وطنية. وقد نبهت المندوبية السامية للتخطيط إلى أن منهجية مسح سوق العمل المعتمدة في 2026 لا تسمح بمقارنة مباشرة مع السلاسل السابقة.
لا تعفي محدودية الصلاحيات المجالس من مسؤوليتها، ولا تبرر الوعود تحميلها ما يفوق قدرتها. وبين الإعفاء والمبالغة، توجد مساحة للعمل والمحاسبة. فيها تقاس الجهوية بقدرتها على جعل المجال الترابي مكاناً يمكن للناس أن يعملوا وينتجوا ويبنوا مستقبلهم داخله
في المغرب، تضع الجهوية المتقدمة القرار التنموي أقرب إلى المجالات الترابية وحاجيات سكانها. غير أن هذا القرب يفقد جزءاً من معناه عندما يظل التشغيل وعداً انتخابياً عاماً، دون برامج ممولة، ومسؤوليات محددة، ومؤشرات تسمح بتقييم النتائج.
صلاحيات اقتصادية لا تعني ضمان الوظيفة
يمنح القانون التنظيمي المتعلق بالجهات أساساً للتدخل الاقتصادي، من خلال تشجيع المقاولة وتيسير توطين الأنشطة المنتجة للثروة والشغل. وتشمل أدوات الجهة دعم الاستثمار المنتج، وتهيئة مناطق الأنشطة الاقتصادية والحرفية، وإنعاش الاقتصاد الاجتماعي والمنتجات الجهوية. كما يشكل برنامج التنمية الجهوية إطاراً لبرمجة المشاريع وتنسيق التدخلات داخل المجال الترابي.
لكن امتلاك هذه الأدوات لا يجعل المجلس الجهوي وكالة لتوزيع الوظائف. فالتشغيل الإداري داخل مصالحه محدود، بينما يكمن أثره الأوسع في تحسين البيئة التي تسمح للمقاولات بالاستثمار والتوسع والتوظيف. وهنا يصبح السؤال: هل توجه المشاريع نحو أنشطة ذات طلب اقتصادي حقيقي، أم تكتفي بإنجاز تجهيزات يصعب تحويلها إلى إنتاج ومداخيل؟
أما الجماعات المحلية، فتبرز مساهمتها التنموية في معالجة عوائق القرب. ففرصة العمل لا ترتبط بوجود المصنع أو المتجر وحده، بل بإمكانية الوصول إليه، وتوافر الخدمات، وملاءمة فضاءات النشاط. وقد يكون تحسين النقل نحو منطقة اقتصادية أكثر أثراً من تنظيم ملتقى حول التشغيل لا تترتب عليه التزامات.
الموارد موجودة، والكفاية تحتاج إلى إثبات
تتوفر الجهات قانوناً على موارد ذاتية وتحويلات من الدولة وإمكانية الاقتراض وفق الضوابط المعمول بها. ويقر الإطار القانوني كذلك بضرورة مواكبة نقل الاختصاصات بتحويل الموارد اللازمة. غير أن هذه القواعد لا تكفي للحكم على قدرة كل مجلس على مواجهة احتياجاته التنموية.
فالجهات تختلف في قاعدتها الاقتصادية وجاذبيتها الاستثمارية وكلفة تجهيز مجالاتها. كما أن الاعتماد المرصود في الميزانية لا يتحول تلقائياً إلى مشروع منجز. لذلك، ينبغي فحص نسب التنفيذ، وآجال الإنجاز، والالتزامات المالية، قبل إعلان نقص الموارد سبباً وحيداً للتعثر.
وتبقى الكفاءات الإدارية والتقنية عاملاً حاسماً. فإعداد مشروع قابل للحياة، وتعبئة العقار، وبناء اتفاقية تمويل، وتقييم المخاطر، مهام تحتاج إلى خبرات متخصصة. وقد تتوافر الأموال فيما تتعطل المشاريع بسبب ضعف الإعداد أو غياب المتابعة.
التنسيق يبدأ بعد توقيع الاتفاقية
تتطلب معالجة البطالة تعاون المجالس المنتخبة والسلطات الترابية والمصالح الحكومية ومؤسسات التكوين والوساطة والمقاولات والمجتمع المدني. لكن كثرة المتدخلين قد تتحول إلى مشكلة حين تتوزع المسؤولية بينهم دون قيادة تنفيذية واضحة.
المطلوب تعاقد ترابي للتشغيل، ضمن اختصاصات كل طرف، يحدد من يمول، ومن ينفذ، ومن يواكب، ومتى تظهر النتائج. فالاتفاقية الناجحة ليست التي تجمع أكبر عدد من التوقيعات، بل التي تجعل الالتزامات قابلة للتتبع، وتوفر آلية لمعالجة التأخر والإخلال.
ويفترض هذا التنسيق البدء بتشخيص اقتصادي دقيق: ما القطاعات القادرة على النمو؟ ما المهارات المطلوبة؟ أين توجد فرص غير مستغلة؟ وما العوائق التي تمنع المقاولات القائمة من توسيع نشاطها؟ دون ذلك، قد تمول الجهة تكوينات لا يحتاجها السوق، أو مشاريع تتنافس على طلب محلي محدود.
المقاولة شريك وليست وصفة جاهزة
لا يمكن بناء سياسة ترابية للتشغيل دون المقاولات، لأنها فاعل مباشر في خلق الوظائف. غير أن الشراكة معها ينبغي أن تتجاوز طلب الدعم العمومي، إلى تحديد احتياجاتها ومساهمتها في التأهيل والتدريب والتوظيف.
وفي المقابل، يحتاج دعم المبادرة الفردية إلى قدر من الواقعية. فليس كل عاطل مستعداً ليصبح مقاولاً، وليس كل مشروع صغير قابلاً للاستمرار. إن تمويل الانطلاقة دون مواكبة وتسويق قد يؤجل التعثر بدل معالجته. لذلك، يجب الجمع بين تشجيع المشاريع الجديدة ومساعدة المقاولات القائمة على النمو والمحافظة على وظائفها.
أما المجتمع المدني، فيستطيع الوصول إلى فئات يصعب على المؤسسات استقطابها، خصوصاً الشباب المنقطع عن التكوين والنساء في وضعيات هشة. وتزداد قيمة تدخله حين يرتبط بخدمات واضحة، واختيار شفاف للشركاء، وتقييم مستقل للنتائج.
المحاسبة على الأثر لا على النشاط
الاختبار الحقيقي ليس عدد المستفيدين من ورشة، بل عدد من التحقوا بعمل واستمروا فيه. وليس عدد المشاريع الممولة، بل نسبة بقائها وقدرتها على توفير دخل مستقر. وينبغي أن تشمل المحاسبة جودة الوظائف وكلفة الإدماج وتوزيع الاستفادة بين المدن والقرى والنساء والرجال.
كما يلزم الحذر عند تفسير تطور البطالة؛ فقد يتأثر بالموسم الفلاحي أو باستثمارات وطنية. وقد نبهت المندوبية السامية للتخطيط إلى أن منهجية مسح سوق العمل المعتمدة في 2026 لا تسمح بمقارنة مباشرة مع السلاسل السابقة.
لا تعفي محدودية الصلاحيات المجالس من مسؤوليتها، ولا تبرر الوعود تحميلها ما يفوق قدرتها. وبين الإعفاء والمبالغة، توجد مساحة للعمل والمحاسبة. فيها تقاس الجهوية بقدرتها على جعل المجال الترابي مكاناً يمكن للناس أن يعملوا وينتجوا ويبنوا مستقبلهم داخله
الرئيسية















