فن وفكر

الشعر الصوفي.. حين يصبح الشعر بحثًا عن معنى الإنسان


منذ أن عرف الإنسان الشعر، لم يكن هذا الفن مجرد احتفاء باللغة وجمالياتها، بل ظل في جوهره محاولة متواصلة لفهم الوجود، ومساءلة الذات، والاقتراب من الأسئلة التي لا تنتهي. ولعل الشعر الصوفي يمثل إحدى أكثر التجارب الشعرية عمقًا في هذا المسار، لأنه يجعل من البحث عن المطلق طريقًا لاكتشاف الإنسان في هشاشته، وحيرته، ورغبته في تجاوز حدود الذات.



في التجربة الصوفية، لا يأتي الشعر بوصفه زخرفة لغوية، وإنما باعتباره لغةً للبحث والكشف والتأمل. فالكلمات تصبح وسيلة للتعبير عن تجربة داخلية يصعب أحيانًا إخضاعها للمنطق المباشر، ولذلك لجأ الشعراء الصوفيون إلى الرمز والإشارة والاستعارة، وجعلوا من الحب والجمال والنور والسفر والحنين مفردات مفتوحة على معانٍ تتجاوز ظاهرها.

ومن هنا، ظل الشعر الصوفي قادرًا على عبور الأزمنة، لأن أسئلته الكبرى لا ترتبط بعصر بعينه. سؤال الإنسان عن معنى وجوده، وعن علاقته بذاته وبالعالم، وعن الخوف والموت والحب والفقد والبحث عن السكينة، كلها أسئلة تعود في كل مرحلة تاريخية بصيغ جديدة.

ولعل قوة هذا الشعر تكمن تحديدًا في قدرته على تحويل التجربة الروحية إلى تجربة إنسانية مشتركة. فحين يتحدث المتصوف عن الرحلة نحو الحقيقة، فإنه لا يصف بالضرورة مسارًا دينيًا فحسب، بل يستحضر أيضًا رحلة الإنسان في البحث عن ذاته، وعن مكانه في عالم سريع التحول. وحين يتحدث عن العشق، يصبح الحب لغة تتجاوز الحدود، وتفتح أمام الإنسان إمكانية التصالح مع ذاته ومع الآخر.

كما أن الشعر الصوفي يضعنا أمام علاقة مختلفة مع اللغة. فالكلمة فيه لا تؤدي معنى واحدًا ونهائيًا، بل تظل قابلة للتأويل، وكأن الشاعر يدعو القارئ إلى أن يشارك في رحلة المعنى بدل أن يكتفي بتلقيه. ولذلك ارتبط هذا الشعر بالتأمل أكثر من ارتباطه بالإجابة، وبالسؤال أكثر من ارتباطه باليقين.

وفي زمن تتسارع فيه الحياة، وتتزايد فيه الضغوط اليومية، ويجد الإنسان نفسه محاصرًا بكم هائل من المعلومات والصور والأصوات، يبدو استحضار الشعر الصوفي أشبه باستعادة لمساحة داخلية مفقودة. إنه يذكرنا بأن الإنسان ليس مجرد كائن يستهلك ويعمل ويتواصل، وإنما هو أيضًا ذات تبحث عن المعنى، وتحتاج إلى الصمت والتأمل وإعادة ترتيب علاقتها بنفسها وبالعالم.

ولا تكمن أهمية الشعر الصوفي اليوم في استعادته بوصفه تراثًا أدبيًا فحسب، وإنما في إعادة قراءته باعتباره جزءًا من الذاكرة الإنسانية القادرة على محاورة الحاضر. فالنص الصوفي، حين يُقرأ بعيدًا عن القوالب الجامدة، يكشف عن أسئلة تتقاطع مع قضايا الإنسان المعاصر: القلق، والوحدة، والاغتراب، والحاجة إلى الحب، والرغبة في تجاوز الانقسامات.

وهكذا، يتحول الشعر الصوفي من نص ينتمي إلى الماضي إلى فضاء مفتوح للحوار مع الحاضر. فهو لا يقدم للإنسان أجوبة جاهزة بقدر ما يمنحه فرصة للتأمل في أسئلته الخاصة، ويعيد إلى الشعر وظيفته القديمة باعتباره بحثًا عن الحقيقة والجمال والمعنى.

وربما لهذا السبب تحديدًا، لا يزال الشعر الصوفي يجد طريقه إلى القارئ المعاصر؛ لأنه، في نهاية المطاف، لا يتحدث فقط عن علاقة الإنسان بالمطلق، بل عن الإنسان نفسه: عن خوفه ورغبته، عن ضعفه وتوقه إلى التجاوز، وعن ذلك السؤال الأبدي الذي يرافقه في كل الأزمنة: كيف يمكن للإنسان أن يمنح وجوده معنى؟

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاربعاء 28 أكتوبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ





ميزانية 2027.. اسأل وافهم مع مساعد «L’ODJ» الذكي

وعدٌ تحقق: «L’ODJ ميديا» تطلق مساعدها بالذكاء الاصطناعي حول مشروع قانون المالية 2027



















Buy cheap website traffic