وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في معرضه الفردي «Les sentiers de l’intranquillité»، الذي تحتضنه Comptoir des Mines Galerie بمراكش ابتداءً من 23 أكتوبر 2026. ويضع المعرض الأدب والذاكرة والأشياء اليومية في قلب تجربة بصرية تنشغل بما يبقى من الأفكار والكتب والآثار الإنسانية بعد أن يتغير الزمن وتتبدل طرق انتقال المعرفة.
يحتل الكتاب داخل هذه التجربة موقعًا يتجاوز وظيفته التقليدية. فهو ليس مجرد وعاء للنص، وإنما يتحول إلى أثر مادي يحمل ذاكرة قراءات وأفكار ومواقف وتجارب. أما المكتبة، التي كانت لوقت طويل فضاءً أساسيًا لحفظ المعرفة وتداولها، فتظهر في أعمال بورقية بوصفها بنية وموضوعًا ومادة فنية في آن واحد، في سؤال مفتوح حول مصير الثقافة عندما تفقد الأشياء التي حملتها ونقلتها وظيفتها الأولى.
ومن هنا تكتسب الأشياء القديمة حضورًا جديدًا. فالآلة الكاتبة، وجهاز الراديو، وآلة التصوير، والكتب والقطع التي تراكمت عليها آثار الاستعمال، لا تظهر في العمل بوصفها مقتنيات من زمن مضى، بل بوصفها شهودًا صامتين على تحولات الإنسان والمجتمع. وعندما يجمعها الفنان داخل تركيب واحد، فإنه يمنحها إمكانية جديدة للكلام، ويضع الذاكرة الفردية في حوار مع الذاكرة الجماعية.
ولعل أكثر العناصر دلالة في هذه التجربة هي الرماد. فهو يحيل إلى احتراق الكتب وتدمير المكتبات ومحاولات طمس المعرفة، لكنه لا يعني الفناء وحده؛ فالرماد يحمل أيضًا أثر ما كان موجودًا، ويترك وراءه بقايا يمكن أن تستعيد منها الذاكرة شيئًا من ملامحها. وهنا يتحول ما يبدو أثرًا للدمار إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء المعنى.
بهذا المعنى، لا يتعامل بورقية مع الذاكرة باعتبارها أرشيفًا ثابتًا، وإنما باعتبارها عملية مستمرة من الاستعادة والتأويل. فما نتذكره ليس دائمًا مطابقًا لما حدث، وما نختار الاحتفاظ به يكشف، في جانب منه، عن الطريقة التي نريد أن نرى بها أنفسنا وتاريخنا.
وتزداد أهمية هذه الفكرة عندما يتعلق الأمر بالكتب والكتّاب الذين شكلوا جزءًا من الذاكرة الفكرية للقرن العشرين. فبعض الأصوات الأدبية التي يستحضرها الفنان ارتبطت تجارب أصحابها بالنفي أو الرقابة أو العنف أو العزلة، بما يجعل حضورها في العمل الفني بمثابة مقاومة رمزية للنسيان. وهكذا يصبح الفن وسيلة لإعادة إضاءة أصوات مهددة بأن تخفت داخل ضجيج الزمن.
أما «اللاطمأنينة» التي يحملها عنوان المعرض، فلا تبدو مجرد حالة نفسية فردية، وإنما تعبير عن وعي فني يعيش أسئلة عصره: ماذا يحدث للذاكرة؟ ماذا يبقى من الأفكار الكبرى؟ وكيف يمكن للإنسان أن يحافظ على أثر التجارب الإنسانية وسط عالم سريع التحول؟
إن تجربة حسن بورقية تضعنا أمام علاقة مختلفة بين الفن والذاكرة. فالفنان لا يستعيد الماضي من أجل الحنين إليه، وإنما يعيد ترتيب شظاياه لكي يطرح أسئلة الحاضر. والكتاب لا يعود مجرد كتاب، والمكتبة لا تعود مجرد أثاث، والآلة القديمة لا تعود مجرد قطعة من الماضي؛ كلها تتحول إلى علامات تحمل آثار الإنسان ومرور الزمن.
ومن هنا، يصبح العمل الفني فضاءً للقاء بين أزمنة متعددة: الماضي والحاضر، الذاكرة الفردية والتاريخ الجماعي، الأدب والتشكيل، الكلمة والمادة. وهي علاقة تكشف أن الفن قادر على منح الأشياء التي فقدت وظيفتها الأولى حياة جديدة، وعلى تحويل ما يبدو هامشيًا أو منسيًا إلى موضوع للتأمل.
في زمن تتغير فيه طرق القراءة والتلقي بسرعة، وتتراجع فيه بعض الأشياء المادية التي حملت المعرفة لعقود أمام هيمنة الشاشات والوسائط الرقمية، تبدو تجربة بورقية أكثر راهنية. إنها لا تسأل فقط عما إذا كانت الكتب والمكتبات ستبقى، بل تسأل أيضًا: ماذا يحدث للذاكرة حين تتغير الوسائط التي تحملها؟
وربما هنا تكمن قوة التجربة: في أنها لا تقدم إجابات جاهزة، وإنما تدعو المتلقي إلى النظر مجددًا إلى ما يحيط به، وإلى اكتشاف أن الأشياء التي تبدو صامتة قد تحمل تاريخًا كاملًا من الأفكار والوجوه والقراءات والتجارب.
هكذا، يواصل حسن بورقية بناء مساحة تلتقي فيها الكتابة بالتشكيل، ويصبح الفن شكلًا آخر من أشكال القراءة، فيما تتحول الذاكرة إلى مادة للإبداع. وبين الكتاب والرماد، وبين ما بقي وما اندثر، يقترح الفنان على المتلقي أن يتأمل سؤالًا بسيطًا وعميقًا في الوقت نفسه: ما الذي نختار أن نحفظه من الزمن، وما الذي نسمح له بأن يختفي؟
يحتل الكتاب داخل هذه التجربة موقعًا يتجاوز وظيفته التقليدية. فهو ليس مجرد وعاء للنص، وإنما يتحول إلى أثر مادي يحمل ذاكرة قراءات وأفكار ومواقف وتجارب. أما المكتبة، التي كانت لوقت طويل فضاءً أساسيًا لحفظ المعرفة وتداولها، فتظهر في أعمال بورقية بوصفها بنية وموضوعًا ومادة فنية في آن واحد، في سؤال مفتوح حول مصير الثقافة عندما تفقد الأشياء التي حملتها ونقلتها وظيفتها الأولى.
ومن هنا تكتسب الأشياء القديمة حضورًا جديدًا. فالآلة الكاتبة، وجهاز الراديو، وآلة التصوير، والكتب والقطع التي تراكمت عليها آثار الاستعمال، لا تظهر في العمل بوصفها مقتنيات من زمن مضى، بل بوصفها شهودًا صامتين على تحولات الإنسان والمجتمع. وعندما يجمعها الفنان داخل تركيب واحد، فإنه يمنحها إمكانية جديدة للكلام، ويضع الذاكرة الفردية في حوار مع الذاكرة الجماعية.
ولعل أكثر العناصر دلالة في هذه التجربة هي الرماد. فهو يحيل إلى احتراق الكتب وتدمير المكتبات ومحاولات طمس المعرفة، لكنه لا يعني الفناء وحده؛ فالرماد يحمل أيضًا أثر ما كان موجودًا، ويترك وراءه بقايا يمكن أن تستعيد منها الذاكرة شيئًا من ملامحها. وهنا يتحول ما يبدو أثرًا للدمار إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء المعنى.
بهذا المعنى، لا يتعامل بورقية مع الذاكرة باعتبارها أرشيفًا ثابتًا، وإنما باعتبارها عملية مستمرة من الاستعادة والتأويل. فما نتذكره ليس دائمًا مطابقًا لما حدث، وما نختار الاحتفاظ به يكشف، في جانب منه، عن الطريقة التي نريد أن نرى بها أنفسنا وتاريخنا.
وتزداد أهمية هذه الفكرة عندما يتعلق الأمر بالكتب والكتّاب الذين شكلوا جزءًا من الذاكرة الفكرية للقرن العشرين. فبعض الأصوات الأدبية التي يستحضرها الفنان ارتبطت تجارب أصحابها بالنفي أو الرقابة أو العنف أو العزلة، بما يجعل حضورها في العمل الفني بمثابة مقاومة رمزية للنسيان. وهكذا يصبح الفن وسيلة لإعادة إضاءة أصوات مهددة بأن تخفت داخل ضجيج الزمن.
أما «اللاطمأنينة» التي يحملها عنوان المعرض، فلا تبدو مجرد حالة نفسية فردية، وإنما تعبير عن وعي فني يعيش أسئلة عصره: ماذا يحدث للذاكرة؟ ماذا يبقى من الأفكار الكبرى؟ وكيف يمكن للإنسان أن يحافظ على أثر التجارب الإنسانية وسط عالم سريع التحول؟
إن تجربة حسن بورقية تضعنا أمام علاقة مختلفة بين الفن والذاكرة. فالفنان لا يستعيد الماضي من أجل الحنين إليه، وإنما يعيد ترتيب شظاياه لكي يطرح أسئلة الحاضر. والكتاب لا يعود مجرد كتاب، والمكتبة لا تعود مجرد أثاث، والآلة القديمة لا تعود مجرد قطعة من الماضي؛ كلها تتحول إلى علامات تحمل آثار الإنسان ومرور الزمن.
ومن هنا، يصبح العمل الفني فضاءً للقاء بين أزمنة متعددة: الماضي والحاضر، الذاكرة الفردية والتاريخ الجماعي، الأدب والتشكيل، الكلمة والمادة. وهي علاقة تكشف أن الفن قادر على منح الأشياء التي فقدت وظيفتها الأولى حياة جديدة، وعلى تحويل ما يبدو هامشيًا أو منسيًا إلى موضوع للتأمل.
في زمن تتغير فيه طرق القراءة والتلقي بسرعة، وتتراجع فيه بعض الأشياء المادية التي حملت المعرفة لعقود أمام هيمنة الشاشات والوسائط الرقمية، تبدو تجربة بورقية أكثر راهنية. إنها لا تسأل فقط عما إذا كانت الكتب والمكتبات ستبقى، بل تسأل أيضًا: ماذا يحدث للذاكرة حين تتغير الوسائط التي تحملها؟
وربما هنا تكمن قوة التجربة: في أنها لا تقدم إجابات جاهزة، وإنما تدعو المتلقي إلى النظر مجددًا إلى ما يحيط به، وإلى اكتشاف أن الأشياء التي تبدو صامتة قد تحمل تاريخًا كاملًا من الأفكار والوجوه والقراءات والتجارب.
هكذا، يواصل حسن بورقية بناء مساحة تلتقي فيها الكتابة بالتشكيل، ويصبح الفن شكلًا آخر من أشكال القراءة، فيما تتحول الذاكرة إلى مادة للإبداع. وبين الكتاب والرماد، وبين ما بقي وما اندثر، يقترح الفنان على المتلقي أن يتأمل سؤالًا بسيطًا وعميقًا في الوقت نفسه: ما الذي نختار أن نحفظه من الزمن، وما الذي نسمح له بأن يختفي؟
الرئيسية



















