وبالنسبة إلى الحكومة، يعكس تمركز 85 في المائة من الصادرات في محور طنجة-الجديدة واقعاً اقتصادياً تشكل على مدى سنوات حول المناطق الصناعية واللوجستية الكبرى، والموانئ والبنيات التحتية القادرة على استقطاب الاستثمارات الموجهة للتصدير.
لكن استمرار هذا الوضع يعني في المقابل أن شركات موجودة في جهات أخرى لا تستفيد بالقدر نفسه من الفرص التي تتيحها التجارة الخارجية.
ومن هنا يأتي برنامج «باور إكسبورت 2025-2027»، الذي تراهن من خلاله السلطات على دفع مقاولات جديدة إلى الأسواق الدولية، مع محاولة تفادي إعادة إنتاج التركيز الجغرافي نفسه.
وبحسب حجيرة، يستهدف البرنامج استقطاب حوالي 600 مقاولة مصدرة جديدة، على أن يتم البحث عن هذه الشركات في مختلف جهات المملكة، وليس فقط داخل الأقطاب الصناعية والتجارية التي تستحوذ تقليدياً على الحصة الأكبر من النشاط التصديري.
التصدير يدخل معادلة العدالة المجالية
يربط المسؤول الحكومي بين العدالة الصناعية والعدالة في فرص الوصول إلى الأسواق الخارجية.
فالجهة التي تستقطب المصانع والاستثمارات والبنيات اللوجستية تكون بطبيعة الحال أكثر قدرة على إنتاج سلع قابلة للتصدير، في حين تجد المناطق الأقل استفادة من الاستثمار نفسها بعيدة عن جزء مهم من دينامية التجارة الخارجية.
ولهذا، فإن توسيع قاعدة المصدرين، وفق التصور الحكومي، يفترض العمل منذ البداية على تقوية القدرة الإنتاجية للجهات وليس انتظار مرحلة التصدير وحدها.
وبصيغة أخرى، لا يمكن مطالبة جهة برفع صادراتها إذا لم تتوفر داخلها مقاولات قادرة على الإنتاج بالكميات والجودة والمعايير التي تتطلبها الأسواق الدولية.
وحجيرة لخص هذه الفكرة من خلال الحديث عن «العدالة المجالية الإنتاجية»، معتبراً أن التوزيع الأكثر توازناً للاستثمار والإنتاج يجب أن ينعكس في نهاية المطاف على خريطة الصادرات.
ولهذا الغرض، سبق للوزارة أن نظمت جولة تواصلية شملت مختلف جهات المملكة، بهدف تعريف المقاولات المحلية بآليات الدعم المتوفرة والاستماع إلى حاجياتها وتشجيعها على التفكير في الأسواق الخارجية.
والواقع أن التركيز الذي يطبع الصادرات المغربية لا يقتصر على الجغرافيا فقط.
فوفق الأرقام التي عرضها حجيرة في مناسبات حديثة، تستحوذ ستة قطاعات على حوالي 92 في المائة من الصادرات، بينما تحقق 10 في المائة فقط من الشركات المصدرة نحو 90 في المائة من القيمة الإجمالية للمبيعات الخارجية. كما تتجه قرابة 70 في المائة من الصادرات نحو السوق الأوروبية، خاصة فرنسا وإسبانيا.
وهذا يعني أن الرهان لا يتعلق فقط بإدخال جهات جديدة إلى خريطة التصدير، وإنما أيضاً بتوسيع عدد الشركات والقطاعات والأسواق التي يقوم عليها النموذج التصديري المغربي.
530 طلباً ومقاولات تستعد لأول تجربة تصدير
تظهر الأرقام الأولية لبرنامج «باور إكسبورت» وجود اهتمام من جانب المقاولات المغربية بالولوج إلى الأسواق الخارجية.
فقد توصلت الوكالة المكلفة بتنفيذ البرنامج بـ530 طلباً للاستفادة منه، فيما توجد 230 مقاولة في مرحلة التشخيص الأولي، وهي شركات لم يسبق لها التصدير وتخضع حالياً لتقييم يهدف إلى تحديد مدى جاهزيتها لدخول الأسواق الدولية، والنواقص التي ينبغي تجاوزها قبل الانطلاق.
وتكمن أهمية هذه المرحلة في أن التصدير لا يبدأ بمجرد العثور على زبون في الخارج.
فالشركة قد تحتاج أولاً إلى ملاءمة منتجها مع المعايير المطلوبة في السوق المستهدفة، أو الحصول على شهادات مطابقة، أو تطوير عملية التغليف، أو بناء شبكة تجارية، أو تحديد السعر المناسب، أو تحسين قدراتها الإنتاجية واللوجستية.
ولهذا، تقوم فلسفة المواكبة على تشخيص وضعية كل مقاولة قبل تحديد نوع الدعم الذي تحتاج إليه.
وتشمل الخدمات المقترحة مساعدة الشركات على الحصول على شهادات المطابقة والمعايير الدولية، والترويج للمنتجات المغربية عبر منصات التجارة الدولية، وربط المصدرين بوكلاء تجاريين في الأسواق المستهدفة، إلى جانب تسهيل المشاركة في المعارض والتظاهرات الاقتصادية بالخارج.
كما لا يقتصر البرنامج على الشركات التي لم يسبق لها التصدير.
فالمواكبة تشمل أيضاً مقاولات دخلت فعلاً إلى الأسواق الخارجية لكنها لا تستغل كامل قدراتها، وأخرى لا تزال صادراتها في مستويات محدودة وتسعى إلى توسيع حضورها الدولي.
وهنا يتحول الهدف من مجرد «خلق مصدر جديد» إلى بناء شركة قادرة على الاستمرار في الأسواق الخارجية وعدم الاكتفاء بعملية تصدير عرضية.
وتنسجم هذه المقاربة مع خارطة طريق التجارة الخارجية 2025-2027، التي جعلت تعزيز العدالة الترابية في مجال التصدير واحداً من أوراشها الأساسية، إلى جانب مواكبة الشركات، وتأمين الصادرات، والرقمنة، وتطوير أدوات الترويج بالخارج.
من «صنع في المغرب» إلى «صُدّر من كل جهات المغرب»
ويكشف النقاش الحالي أن التحدي المقبل للسياسة التصديرية المغربية قد لا يكون فقط في رفع قيمة المبيعات الخارجية، وإنما في معرفة من يصدر ومن أي جهة وإلى أي سوق.
فإذا بقيت معظم الصادرات مرتبطة بالمحور الصناعي الممتد من طنجة إلى الجديدة، فإن النمو التصديري، حتى عندما يكون قوياً، لن ينعكس بالضرورة بالدرجة نفسها على جميع الجهات.
أما توزيع المقاولات المصدرة على نطاق أوسع، فيمكن أن يخلق أثراً اقتصادياً محلياً يتجاوز قيمة الصادرات نفسها، من خلال الاستثمار والتشغيل والخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد المحلية.
كما يمكن أن يسمح بإبراز منتجات وقطاعات مرتبطة بخصوصيات كل جهة، سواء في الصناعة أو الفلاحة أو الصناعات الغذائية أو النسيج أو مستحضرات التجميل أو الخدمات الرقمية وغيرها.
وقد عرض حجيرة بالفعل أمثلة لمقاولات تسعى إلى الاستفادة من المواكبة، من بينها شركة للمناولة في قطاع النسيج ترغب في الانتقال إلى إنتاج وتصدير منتجات تحمل علامتها الخاصة، وأخرى تعمل في مستحضرات التجميل، إلى جانب شركة رقمية تطور تطبيقات وحلولاً معلوماتية وترغب في بيع خدماتها خارج المغرب.
وهذه النماذج تعكس تحولاً آخر في مفهوم الصادرات، إذ لم تعد مرتبطة فقط بالمصانع الكبرى أو بالمنتجات التقليدية، وإنما أصبحت تشمل كذلك خدمات رقمية ومقاولات صغيرة ومتوسطة يمكنها الوصول إلى الزبناء في الخارج دون الحاجة إلى بنيات صناعية ضخمة.
غير أن نجاح هذا التحول سيظل مرتبطاً بقدرة برامج الدعم على الوصول فعلياً إلى المقاولات خارج الأقطاب الاقتصادية الكبرى.
فالرقم الذي كشفه حجيرة، والمتمثل في تمركز 85 في المائة من الصادرات بين طنجة والجديدة، لا يمثل مجرد إحصائية تجارية، بل يعكس تفاوتاً في توزيع القدرة الإنتاجية واللوجستية وفرص الوصول إلى الأسواق.
ولهذا تراهن الحكومة على أن تصبح التجارة الخارجية جزءاً من سياسة أوسع لتحقيق توازن اقتصادي بين الجهات، بحيث لا يبقى التصدير امتيازاً للمقاولات الموجودة بالقرب من الموانئ والأقطاب الصناعية الكبرى.
الرئيسية

















