ويحمل الحضور المغربي في هذا الموعد بعداً يتجاوز المشاركة البروتوكولية، بالنظر إلى الأهمية التي أصبحت تكتسيها القمم التي تجمع إفريقيا بالقوى الدولية الكبرى. فالقارة تحولت إلى مجال رئيسي للتنافس حول الأسواق والطاقة والمعادن والبنيات التحتية والتكنولوجيا، إلى جانب النفوذ السياسي والأمني.
ويتحرك المغرب داخل هذا المشهد بسياسة تقوم على تنويع الشراكات، دون حصر علاقاته الخارجية في محور واحد. فالرباط تحافظ على روابط استراتيجية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه تواصل تطوير قنوات الحوار مع روسيا والصين ودول الخليج وعدد كبير من الشركاء الأفارقة.
وتعطي هذه المقاربة للمشاركة المغربية في موسكو أهمية خاصة، لأنها تسمح للرباط بالحفاظ على حضورها داخل مختلف دوائر النقاش المتعلقة بمستقبل إفريقيا، مع الدفاع عن مصالحها الوطنية وتعزيز موقعها داخل القارة.
وعلى هامش الاجتماع الوزاري، أجرى بوريطة مباحثات ثنائية مع سيرغي لافروف، في استمرار لقنوات التواصل بين البلدين حول العلاقات الثنائية وعدد من القضايا الإقليمية والدولية.
وتأتي هذه المباحثات في سياق تتزايد فيه أهمية الحوار بين الرباط وموسكو، سواء على مستوى التعاون السياسي أو الاقتصادي، خصوصاً أن العلاقات المغربية الروسية تشمل مجالات متعددة من بينها التجارة والفلاحة والطاقة والتنسيق الدبلوماسي.
في المقابل، تحاول روسيا من خلال القمة الحالية تعزيز حضورها داخل إفريقيا وتقديم نفسها كشريك قادر على توفير بدائل في مجالات الاستثمار والطاقة والأمن والتكنولوجيا والتعليم.
وتشارك عشرات الوفود الإفريقية في هذا الموعد، من بينها وفود يقودها رؤساء دول وحكومات، في مؤشر على استمرار اهتمام موسكو بالقارة ورغبتها في توسيع دائرة شركائها خارج المجال الغربي.
وترى روسيا في إفريقيا شريكاً مهماً في بناء نظام دولي متعدد الأقطاب، وهو خطاب يتكرر في تصريحات مسؤوليها الذين يعتبرون أن المرحلة الدولية الحالية تتجه نحو توزيع أكبر للقوة والنفوذ بين عدة مراكز بدل احتكارها من طرف القوى الغربية التقليدية.
ولا ينفصل هذا التوجه عن التحولات التي أعقبت الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية المفروضة على موسكو، إذ دفعت هذه التطورات روسيا إلى تعزيز علاقاتها مع دول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وتحاول موسكو في الوقت نفسه توسيع علاقتها بالقارة إلى ما هو أبعد من المجال العسكري، من خلال ملفات الزراعة والحبوب والأسمدة والطاقة والمعادن والتكوين الجامعي والتكنولوجيا.
ومن المنتظر أن تشهد القمة توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم المرتبطة بالتعاون الاقتصادي والاستثماري، إلى جانب مناقشة ملفات مستقبلية تشمل الرقمنة والذكاء الاصطناعي والطاقة والبنيات التحتية.
كما يمثل التعليم أحد مجالات الحضور الروسي في إفريقيا، حيث يدرس آلاف الطلبة الأفارقة في الجامعات الروسية، في وقت تعمل موسكو على توسيع شبكتها الدبلوماسية داخل القارة.
غير أن هذا التوسع الروسي يجري في بيئة تنافسية قوية. فالصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا ودول الخليج بدورها تعمل على تعزيز مواقعها الاقتصادية والسياسية في إفريقيا، ما يمنح دول القارة هامشاً أوسع للاختيار بين عروض وشراكات متعددة.
ومن هذه الزاوية، يبدو المغرب في موقع مختلف نسبياً عن كثير من القوى الخارجية المتنافسة على القارة، لأنه يتحرك من داخل الفضاء الإفريقي نفسه، ويملك شبكة من الاستثمارات والشراكات في المصارف والاتصالات والفلاحة والأسمدة والطاقة والبنيات التحتية.
وقد جعلت الرباط من العمق الإفريقي أحد الثوابت الأساسية في سياستها الخارجية، عبر توسيع الاستثمارات المغربية داخل عدد من الدول، وتشجيع التعاون جنوب–جنوب، وربط العلاقات السياسية بمشاريع اقتصادية وتنموية.
ولهذا، فإن مشاركة المغرب في قمة روسيا–إفريقيا تمنحه فرصة للحضور داخل نقاش دولي أوسع حول القارة، ليس فقط باعتباره شريكاً لروسيا، بل أيضاً كدولة إفريقية لها مصالحها ورؤيتها الخاصة تجاه التعاون الدولي.
كما تسمح القمة للرباط بالحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف القوى، في وقت يصبح فيه الاصطفاف الكامل خلف محور واحد أكثر صعوبة في نظام دولي تتعدد فيه مراكز النفوذ.
ويظهر هذا التوازن في قدرة المغرب على تطوير شراكاته الغربية، وفي الوقت نفسه إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع موسكو وبكين وشركاء آخرين، بما يتيح له هامشاً أوسع في إدارة مصالحه السياسية والاقتصادية.
وتكتسي هذه المرونة أهمية إضافية في ظل التوترات التي تعرفها عدة مناطق في إفريقيا، خصوصاً في الساحل وشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى جانب التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي والطاقة والتغيرات المناخية.
وتسعى روسيا إلى توظيف القمة لتأكيد حضورها في هذه الملفات، بينما تبحث الدول الإفريقية عن شراكات توفر استثمارات فعلية وفرصاً اقتصادية ونقلاً للتكنولوجيا، بدل الاكتفاء بالخطابات السياسية.
وفي هذا الإطار، يبقى التحدي الحقيقي أمام الدول الإفريقية هو تحويل التنافس الدولي المتزايد حول القارة إلى مكاسب تنموية ملموسة، سواء عبر تحسين البنيات التحتية أو دعم التصنيع أو تعزيز الأمن الغذائي والطاقة أو تطوير الكفاءات البشرية.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن مشاركته في موسكو تدخل ضمن رؤية أوسع تقوم على الحفاظ على تعدد الشركاء، مع تثبيت الحضور الإفريقي للرباط وتعزيز موقعها داخل النقاشات الكبرى المتعلقة بمستقبل القارة.
ومن ثم، فإن لقاء بوريطة ولافروف لا يمكن قراءته فقط باعتباره اجتماعاً ثنائياً على هامش قمة دولية، بل كجزء من دبلوماسية مغربية تحاول التكيف مع عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة، وتزداد فيه أهمية إفريقيا داخل الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى.
ومع استمرار أشغال القمة واللقاءات الثنائية، سيبقى الرهان بالنسبة إلى المغرب هو تحويل هذا الحضور السياسي إلى شراكات عملية، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني وتوسيع هامش الحركة داخل نظام دولي لم يعد محكوماً بقطب واحد.
الرئيسية

















