بقلم : الحسين خاوتي
ذاكرة طويلة تربط المغاربة بفلسطين؛ سكنت الوجدان الشعبي منذ عقود، ويرأس الملك لجنة القدس، وللقضية دعم رسمي وشعبي. لذلك يفرض النقاش اليوم تمييزا بين ثلاثة أمور : عدالة المطالب الفلسطينية، وتقدير خيارات القوى السياسية والعسكرية، والوسائل التي يملكها المجتمع المغربي للتعبير عن موقفه.
عدالة القضية ثابتة بالوقائع : احتلال قائم، وحقوق وطنية محرومة، ومعاناة يومية. وأمام صور القتل والنزوح والدمار، رفضت شرائح واسعة من المغاربة الحرب، وطالبت بحماية المدنيين. في هذا الموقف يلتقي التضامن مع شعب يناضل من أجل حريته بنقد قياداته؛ فمن يحب شعبا يسائل قادته عن الطريق الذي يسلكونه به.
أما معنى الانتصار منذ السابع من أكتوبر فقد تباينت فيه الآراء. رأى متحمسون في المفاجأة العسكرية والخلل الأمني الذي أصاب الخصم دليلا على صواب المسار برمته. غير أن نجاحا ميدانيا في لحظة واحدة يقصر عن الحكم على استراتيجية بعيدة المدى، فالحكم السليم يفحص الأهداف المعلنة، والنتائج السياسية، ومصير السكان، وموقع القضية في أي تفاوض لاحق. وأرى أن الميزان يرجح الخسائر على المكاسب. هذا حكمي الشخصي، وسنده ثلاث وقائع: حصيلة الضحايا المدنيين كما توثقها الأمم المتحدة ووزارة الصحة في غزة، وتضرر المستشفيات والمدارس وشبكات الماء، وغياب مكسب سياسي ملموس على طاولة التفاوض.
وراء هذه الحصيلة مسؤوليات تنتظر تحديدا أمينا. على الفصائل تبعة تقديراتها وقراراتها، وعلى إسرائيل تبعة عملياتها العسكرية وما رافقها من انتهاكات وأضرار جسيمة بالمدنيين. أما رفض الاحتلال فثابت مهما اشتد نقد الخيارات الفلسطينية، وواجب حماية المدنيين واحترام القانون الدولي قائم.
في الشارع المغربي ترتهن جدوى الحراك التضامني بأهدافه وأدواته وأثره. الاحتجاج السلمي وسيلة مدنية للتعبير عن الرأي وحشد الاهتمام والتأثير في صناع القرار، وتتضاعف فائدته إذا استند إلى مطالب واضحة ومعلومات صحيحة وخطوات عملية لمساندة المتضررين. فإن اكتفت التعبئة بترديد الشعارات، أو جعلت الولاء السياسي ميزانا للناس، ضاقت مساحة الحوار. ودوافع المشاركين في الوقفات متنوعة، بين تضامن إنساني وانتماء حزبي واعتراض على السياسات الدولية؛ فهم جديرون بنظرة منصفة تراعي هذا التنوع.
على أن بعض الوقفات تتعرض لمحاولات استغلال ترفع سقف الخطاب. فإن علت فيها شعارات تمس الوطن ورموزه ومؤسساته، انصرفت الوقفة عن غايتها، وحصل المشككون في صدق التضامن على ذريعة جاهزة. والمغرب سند القضية الطبيعي، وصفاء التضامن مرهون بصون مكانة البلد وثوابته ومؤسساته. فعلى المنظمين والمشاركين ضبط الهتاف وتحصين الوقفة من التوجيه، ليبقى الصوت مغربيا في نصرته، فلسطينيا في قضيته.
بين الاحتجاج والاستقرار قوانين معلنة تضبط العلاقة. للسلطات حماية النظام العام وسلامة المواطنين، وللمواطنين حق التعبير والتجمع السلمي وفق القانون. وللإدارة تقدير المخاطر، وللمواطن في المقابل ثلاث ضمانات: أساس قانوني واضح للقرار، وتناسب بين التدبير والخطر الفعلي، وطريق مفتوح للطعن أمام القضاء. فبهذه المعايير نزن قرار المنع، تأييدا كان أو اعتراضا.
رغم انشغال المغاربة بالاقتصاد والتعليم والصحة وفرص العمل، يتسع قلبهم لقضايا الإنسان خارج الحدود. وللتضامن طرق تدوم: إغاثة طبية، ومساعدات تجمعها قنوات مرخصة، ودعم للمبادرات المدنية، ونشر للمعرفة الصحيحة، ومطالبة بالمساءلة القانونية عن الانتهاكات. ومن أراد العمل غدا، فأمامه قنوات معروفة، منها وكالة بيت مال القدس الشريف والهلال الأحمر المغربي؛ وليتحقق قبل التبرع من ترخيص الجهة وقناة وصولها.
ويحتاج الخطاب عن فلسطين إلى استقلال عن الاستقطاب الحزبي وعن احتكار تمثيل القضية. فالفلسطينيون مجتمع متنوع الآراء، وقرارات أي جهة تخضع للنقاش في نتائجها؛ والمساءلة من صميم السياسة الرشيدة. ثم إن المنصات الرقمية تعقد المشهد: تنتقي الصور، وتكرر الرسائل المشحونة، وتمنح الرواية السريعة انتشارا واسعا.فلنتثبت من مصدر الخبر وتاريخه وسياقه، ولنفرق بين الخبر والتعليق، وبين التضامن مع الضحايا واستعمال صورهم في الدعاية.
بعد انفضاض الوقفة وانصراف الجمع، يبقى طفل غزة ينتظر ما نفعله. فليكن جوابنا دواء يصل، وخبرا صادقا ينتشر، وحقا نطالب به أمام القانون.
عدالة القضية ثابتة بالوقائع : احتلال قائم، وحقوق وطنية محرومة، ومعاناة يومية. وأمام صور القتل والنزوح والدمار، رفضت شرائح واسعة من المغاربة الحرب، وطالبت بحماية المدنيين. في هذا الموقف يلتقي التضامن مع شعب يناضل من أجل حريته بنقد قياداته؛ فمن يحب شعبا يسائل قادته عن الطريق الذي يسلكونه به.
أما معنى الانتصار منذ السابع من أكتوبر فقد تباينت فيه الآراء. رأى متحمسون في المفاجأة العسكرية والخلل الأمني الذي أصاب الخصم دليلا على صواب المسار برمته. غير أن نجاحا ميدانيا في لحظة واحدة يقصر عن الحكم على استراتيجية بعيدة المدى، فالحكم السليم يفحص الأهداف المعلنة، والنتائج السياسية، ومصير السكان، وموقع القضية في أي تفاوض لاحق. وأرى أن الميزان يرجح الخسائر على المكاسب. هذا حكمي الشخصي، وسنده ثلاث وقائع: حصيلة الضحايا المدنيين كما توثقها الأمم المتحدة ووزارة الصحة في غزة، وتضرر المستشفيات والمدارس وشبكات الماء، وغياب مكسب سياسي ملموس على طاولة التفاوض.
وراء هذه الحصيلة مسؤوليات تنتظر تحديدا أمينا. على الفصائل تبعة تقديراتها وقراراتها، وعلى إسرائيل تبعة عملياتها العسكرية وما رافقها من انتهاكات وأضرار جسيمة بالمدنيين. أما رفض الاحتلال فثابت مهما اشتد نقد الخيارات الفلسطينية، وواجب حماية المدنيين واحترام القانون الدولي قائم.
في الشارع المغربي ترتهن جدوى الحراك التضامني بأهدافه وأدواته وأثره. الاحتجاج السلمي وسيلة مدنية للتعبير عن الرأي وحشد الاهتمام والتأثير في صناع القرار، وتتضاعف فائدته إذا استند إلى مطالب واضحة ومعلومات صحيحة وخطوات عملية لمساندة المتضررين. فإن اكتفت التعبئة بترديد الشعارات، أو جعلت الولاء السياسي ميزانا للناس، ضاقت مساحة الحوار. ودوافع المشاركين في الوقفات متنوعة، بين تضامن إنساني وانتماء حزبي واعتراض على السياسات الدولية؛ فهم جديرون بنظرة منصفة تراعي هذا التنوع.
على أن بعض الوقفات تتعرض لمحاولات استغلال ترفع سقف الخطاب. فإن علت فيها شعارات تمس الوطن ورموزه ومؤسساته، انصرفت الوقفة عن غايتها، وحصل المشككون في صدق التضامن على ذريعة جاهزة. والمغرب سند القضية الطبيعي، وصفاء التضامن مرهون بصون مكانة البلد وثوابته ومؤسساته. فعلى المنظمين والمشاركين ضبط الهتاف وتحصين الوقفة من التوجيه، ليبقى الصوت مغربيا في نصرته، فلسطينيا في قضيته.
بين الاحتجاج والاستقرار قوانين معلنة تضبط العلاقة. للسلطات حماية النظام العام وسلامة المواطنين، وللمواطنين حق التعبير والتجمع السلمي وفق القانون. وللإدارة تقدير المخاطر، وللمواطن في المقابل ثلاث ضمانات: أساس قانوني واضح للقرار، وتناسب بين التدبير والخطر الفعلي، وطريق مفتوح للطعن أمام القضاء. فبهذه المعايير نزن قرار المنع، تأييدا كان أو اعتراضا.
رغم انشغال المغاربة بالاقتصاد والتعليم والصحة وفرص العمل، يتسع قلبهم لقضايا الإنسان خارج الحدود. وللتضامن طرق تدوم: إغاثة طبية، ومساعدات تجمعها قنوات مرخصة، ودعم للمبادرات المدنية، ونشر للمعرفة الصحيحة، ومطالبة بالمساءلة القانونية عن الانتهاكات. ومن أراد العمل غدا، فأمامه قنوات معروفة، منها وكالة بيت مال القدس الشريف والهلال الأحمر المغربي؛ وليتحقق قبل التبرع من ترخيص الجهة وقناة وصولها.
ويحتاج الخطاب عن فلسطين إلى استقلال عن الاستقطاب الحزبي وعن احتكار تمثيل القضية. فالفلسطينيون مجتمع متنوع الآراء، وقرارات أي جهة تخضع للنقاش في نتائجها؛ والمساءلة من صميم السياسة الرشيدة. ثم إن المنصات الرقمية تعقد المشهد: تنتقي الصور، وتكرر الرسائل المشحونة، وتمنح الرواية السريعة انتشارا واسعا.فلنتثبت من مصدر الخبر وتاريخه وسياقه، ولنفرق بين الخبر والتعليق، وبين التضامن مع الضحايا واستعمال صورهم في الدعاية.
بعد انفضاض الوقفة وانصراف الجمع، يبقى طفل غزة ينتظر ما نفعله. فليكن جوابنا دواء يصل، وخبرا صادقا ينتشر، وحقا نطالب به أمام القانون.
الرئيسية















