“قنطرة المتوسط”.. كابل بحري بين الناظور ومرسيليا
بحسب معطيات كشفت عنها منصة “أفريكا إنتليجنس”، تعتزم الشركة مدّ كابل بحري لنقل الكهرباء المولدة من مصادر متجددة، ينطلق من منطقة الناظور شمال شرق المغرب، ليصل إلى ميناء فرنسي يُرجح أن يكون مرسيليا.اختيار هذا المسار لم يأتِ اعتباطاً، بل يستند إلى اعتبارات تقنية وجغرافية دقيقة، من بينها القرب النسبي بين الضفتين، وإمكانية دمج الكابل ضمن الشبكات الأوروبية القائمة، فضلاً عن الإمكانات الكبيرة التي تزخر بها جهة الشرق في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.ويمثل المشروع، في حال تنفيذه، خطوة متقدمة في تحويل المغرب من بلد منتج للطاقة النظيفة إلى مصدر إقليمي للكهرباء نحو أوروبا.
تعثر “قنطرة ميد” مع بريطانيا.. دروس سياسية واقتصادية
التحول نحو فرنسا جاء عقب انتكاسة كبيرة واجهتها “إكسلينكس” في مشروعها السابق لربط المغرب بالمملكة المتحدة عبر كابل عملاق بقيمة 25 مليار جنيه إسترليني.ففي يونيو الماضي، قررت حكومة حزب العمال بقيادة كير ستارمر سحب دعمها للمشروع، مفضلة التركيز على تعزيز قدرات الإنتاج المحلي للطاقة. هذا القرار شكل قطيعة واضحة مع توجه حكومة المحافظين السابقة برئاسة ريشي سوناك، التي كانت قد منحت المشروع صفة “الأهمية الوطنية” سنة 2023 قبل أن يُطوى نهائياً.ويبدو أن الشركة البريطانية استوعبت أن المشاريع العابرة للقارات تحتاج إلى توافق سياسي طويل الأمد، وليس فقط إلى جدوى تقنية ومالية.
تموقع مؤسساتي داخل السوق الفرنسية
استعداداً للمشروع الجديد، بادرت “إكسلينكس” سنة 2024 إلى إنشاء فرع لها في فرنسا تحت اسم “Elemental Power”، مكلف بالإشراف على تطوير “قنطرة المتوسط”. وتم تعيين المدير التنفيذي الفرنسي لويس بلانلو تيرو على رأس هذه الشركة، في خطوة تعكس رغبة واضحة في ترسيخ حضور مؤسساتي داخل المنظومة الطاقية الفرنسية.هذا التموقع المبكر يهدف إلى تسهيل التواصل مع السلطات التنظيمية، ومشغلي الشبكات، والفاعلين الصناعيين، بما يضمن سلاسة المساطر الإدارية وتقليص المخاطر القانونية التي قد تعرقل المشروع.
المغرب.. منصة إقليمية للطاقة النظيفة
من خلال هذا المشروع، يكرّس المغرب موقعه كمورد محتمل وموثوق للطاقة الكهربائية النظيفة نحو أوروبا. فالمملكة استثمرت خلال العقد الأخير في مشاريع ضخمة للطاقة الشمسية والريحية، ما جعلها ضمن الدول الرائدة قارياً في هذا المجال.ويحمل اختيار الناظور كنقطة انطلاق للكابل دلالات استراتيجية، إذ يجمع الموقع بين القرب الجغرافي من أوروبا، وتوفر بنية تحتية ملائمة، وإمكانات طبيعية كبيرة لإنتاج الطاقة المتجددة. كما أن انفتاح المنطقة على البحر يسهل عمليات الربط البحري واسع النطاق.
الرهان الفرنسي.. أمن الطاقة وتسريع الحياد الكربوني
من الجانب الفرنسي، يأتي المشروع في سياق سعي باريس إلى تسريع تحولها الطاقي وتنويع مصادر الإمداد، خصوصاً بعد الأزمات التي عرفتها أسواق الطاقة الأوروبية خلال السنوات الأخيرة.ويمكن لوصول كهرباء نظيفة من المغرب أن يعزز مرونة الشبكة الفرنسية، ويسهم في تحقيق أهداف الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالحياد الكربوني وخفض الانبعاثات. كما يمنح فرنسا منفذاً إضافياً لتأمين إمدادات مستقرة من الطاقة خارج المجال الأوروبي التقليدي.
تحديات تقنية ومالية في الأفق
رغم الطموح الكبير للمشروع، إلا أن الطريق أمام “قنطرة المتوسط” لن يكون مفروشاً بالورود. فالربط الكهربائي عبر البحر الأبيض المتوسط يتطلب استثمارات ضخمة، ودراسات تقنية دقيقة، وتنسيقاً تنظيمياً معقداً بين بلدين ونظامين قانونيين مختلفين.كما أن تأمين التمويل الكافي وضمان الجدوى الاقتصادية في ظل تقلبات أسعار الطاقة يشكلان تحدياً إضافياً، إلى جانب ضرورة الحصول على دعم سياسي واضح من الجانبين.
نحو مرحلة جديدة من ممرات الطاقة المتوسطية
في المحصلة، يبدو أن “إكسلينكس” اختارت نهجاً إقليمياً أكثر انسجاماً مع التحولات السياسية والاقتصادية الراهنة في أوروبا. فبدلاً من مشروع عابر للقنال الإنجليزي، تراهن الشركة اليوم على ممر متوسطي أقرب جغرافياً وأكثر انسجاماً مع ديناميات التعاون بين الاتحاد الأوروبي وجيرانه الجنوبيين.
ويبقى السؤال المطروح: هل سينجح الربط المغربي-الفرنسي في تجاوز العقبات التي أسقطت مشروع بريطانيا؟ أم أن تحديات التمويل والسياسة ستعيد السيناريو نفسه؟ما هو مؤكد أن المغرب، بفضل استثماراته في الطاقات المتجددة، بات رقماً صعباً في معادلة أمن الطاقة الأوروبي، وأن “قنطرة المتوسط” قد تمثل بداية مرحلة جديدة من مشاريع الربط الكهربائي بين شمال إفريقيا وأوروبا.
بحسب معطيات كشفت عنها منصة “أفريكا إنتليجنس”، تعتزم الشركة مدّ كابل بحري لنقل الكهرباء المولدة من مصادر متجددة، ينطلق من منطقة الناظور شمال شرق المغرب، ليصل إلى ميناء فرنسي يُرجح أن يكون مرسيليا.اختيار هذا المسار لم يأتِ اعتباطاً، بل يستند إلى اعتبارات تقنية وجغرافية دقيقة، من بينها القرب النسبي بين الضفتين، وإمكانية دمج الكابل ضمن الشبكات الأوروبية القائمة، فضلاً عن الإمكانات الكبيرة التي تزخر بها جهة الشرق في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.ويمثل المشروع، في حال تنفيذه، خطوة متقدمة في تحويل المغرب من بلد منتج للطاقة النظيفة إلى مصدر إقليمي للكهرباء نحو أوروبا.
تعثر “قنطرة ميد” مع بريطانيا.. دروس سياسية واقتصادية
التحول نحو فرنسا جاء عقب انتكاسة كبيرة واجهتها “إكسلينكس” في مشروعها السابق لربط المغرب بالمملكة المتحدة عبر كابل عملاق بقيمة 25 مليار جنيه إسترليني.ففي يونيو الماضي، قررت حكومة حزب العمال بقيادة كير ستارمر سحب دعمها للمشروع، مفضلة التركيز على تعزيز قدرات الإنتاج المحلي للطاقة. هذا القرار شكل قطيعة واضحة مع توجه حكومة المحافظين السابقة برئاسة ريشي سوناك، التي كانت قد منحت المشروع صفة “الأهمية الوطنية” سنة 2023 قبل أن يُطوى نهائياً.ويبدو أن الشركة البريطانية استوعبت أن المشاريع العابرة للقارات تحتاج إلى توافق سياسي طويل الأمد، وليس فقط إلى جدوى تقنية ومالية.
تموقع مؤسساتي داخل السوق الفرنسية
استعداداً للمشروع الجديد، بادرت “إكسلينكس” سنة 2024 إلى إنشاء فرع لها في فرنسا تحت اسم “Elemental Power”، مكلف بالإشراف على تطوير “قنطرة المتوسط”. وتم تعيين المدير التنفيذي الفرنسي لويس بلانلو تيرو على رأس هذه الشركة، في خطوة تعكس رغبة واضحة في ترسيخ حضور مؤسساتي داخل المنظومة الطاقية الفرنسية.هذا التموقع المبكر يهدف إلى تسهيل التواصل مع السلطات التنظيمية، ومشغلي الشبكات، والفاعلين الصناعيين، بما يضمن سلاسة المساطر الإدارية وتقليص المخاطر القانونية التي قد تعرقل المشروع.
المغرب.. منصة إقليمية للطاقة النظيفة
من خلال هذا المشروع، يكرّس المغرب موقعه كمورد محتمل وموثوق للطاقة الكهربائية النظيفة نحو أوروبا. فالمملكة استثمرت خلال العقد الأخير في مشاريع ضخمة للطاقة الشمسية والريحية، ما جعلها ضمن الدول الرائدة قارياً في هذا المجال.ويحمل اختيار الناظور كنقطة انطلاق للكابل دلالات استراتيجية، إذ يجمع الموقع بين القرب الجغرافي من أوروبا، وتوفر بنية تحتية ملائمة، وإمكانات طبيعية كبيرة لإنتاج الطاقة المتجددة. كما أن انفتاح المنطقة على البحر يسهل عمليات الربط البحري واسع النطاق.
الرهان الفرنسي.. أمن الطاقة وتسريع الحياد الكربوني
من الجانب الفرنسي، يأتي المشروع في سياق سعي باريس إلى تسريع تحولها الطاقي وتنويع مصادر الإمداد، خصوصاً بعد الأزمات التي عرفتها أسواق الطاقة الأوروبية خلال السنوات الأخيرة.ويمكن لوصول كهرباء نظيفة من المغرب أن يعزز مرونة الشبكة الفرنسية، ويسهم في تحقيق أهداف الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالحياد الكربوني وخفض الانبعاثات. كما يمنح فرنسا منفذاً إضافياً لتأمين إمدادات مستقرة من الطاقة خارج المجال الأوروبي التقليدي.
تحديات تقنية ومالية في الأفق
رغم الطموح الكبير للمشروع، إلا أن الطريق أمام “قنطرة المتوسط” لن يكون مفروشاً بالورود. فالربط الكهربائي عبر البحر الأبيض المتوسط يتطلب استثمارات ضخمة، ودراسات تقنية دقيقة، وتنسيقاً تنظيمياً معقداً بين بلدين ونظامين قانونيين مختلفين.كما أن تأمين التمويل الكافي وضمان الجدوى الاقتصادية في ظل تقلبات أسعار الطاقة يشكلان تحدياً إضافياً، إلى جانب ضرورة الحصول على دعم سياسي واضح من الجانبين.
نحو مرحلة جديدة من ممرات الطاقة المتوسطية
في المحصلة، يبدو أن “إكسلينكس” اختارت نهجاً إقليمياً أكثر انسجاماً مع التحولات السياسية والاقتصادية الراهنة في أوروبا. فبدلاً من مشروع عابر للقنال الإنجليزي، تراهن الشركة اليوم على ممر متوسطي أقرب جغرافياً وأكثر انسجاماً مع ديناميات التعاون بين الاتحاد الأوروبي وجيرانه الجنوبيين.
ويبقى السؤال المطروح: هل سينجح الربط المغربي-الفرنسي في تجاوز العقبات التي أسقطت مشروع بريطانيا؟ أم أن تحديات التمويل والسياسة ستعيد السيناريو نفسه؟ما هو مؤكد أن المغرب، بفضل استثماراته في الطاقات المتجددة، بات رقماً صعباً في معادلة أمن الطاقة الأوروبي، وأن “قنطرة المتوسط” قد تمثل بداية مرحلة جديدة من مشاريع الربط الكهربائي بين شمال إفريقيا وأوروبا.
الرئيسية



















































