ولا يتعلق الأمر، في المرحلة الحالية، بالشروع في بناء النفق، بقدر ما يرتبط باستكمال قاعدة الدراسات الضرورية لتحديد مدى قابلية المشروع للإنجاز من الناحيتين التقنية والاقتصادية، ومعالجة مجموعة من التحديات التي يفرضها الموقع البحري والجيولوجي لمضيق جبل طارق.
وتضع خطة العمل المرتقبة مراجعة مختلف الدراسات التي أنجزت خلال المراحل السابقة في مقدمة الأولويات، وهو ما يعني إعادة تقييم المعطيات التي راكمها المشروع على امتداد سنوات طويلة، ومقارنتها بالتطورات التي عرفتها تقنيات الحفر والهندسة والنقل والبنيات التحتية.
ويأتي هذا التحرك ضمن برنامج مشترك يجمع الشركة الوطنية لدراسات مضيق جبل طارق ونظيرتها الإسبانية، في تأكيد لاستمرار التنسيق المؤسساتي بين الرباط ومدريد بشأن مشروع ظل مطروحاً منذ عقود باعتباره أحد أكثر مشاريع الربط بين إفريقيا وأوروبا طموحاً وتعقيداً.
وتتوزع الاستثمارات المرتقبة على خمسة محاور رئيسية، تبدأ بمراجعة الدراسات السابقة، ثم تطوير منظومة خاصة بالبيئة المحيطة بالمشروع، واستكشاف الهياكل الموجودة تحت الأرض وفي المسار المحتمل للنفق.
وتشمل الخطة أيضاً الدراسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والجيوستراتيجية والقانونية، فضلاً عن الجانب المتعلق بالتعريف بالمشروع والترويج له.
وتحظى الدراسات الجيولوجية بأهمية خاصة، بالنظر إلى الطبيعة المعقدة للمنطقة التي يفترض أن يعبرها النفق.
فمضيق جبل طارق ليس مجرد مسافة بحرية تفصل شمال المغرب عن جنوب إسبانيا، بل مجال جيولوجي وبحري يحتاج إلى دراسات دقيقة بشأن طبيعة الطبقات الأرضية والأعماق والمسار الأكثر ملاءمة لإنجاز منشأة بهذا الحجم.
ولهذا يشكل استكشاف البنيات الواقعة تحت الأرض أحد العناصر الحاسمة قبل الانتقال إلى أي قرار يتعلق بالتنفيذ.
فالاختيار النهائي للمسار لا يرتبط فقط بقصر المسافة بين الضفتين، بل يتطلب أيضاً تقييم الاستقرار الجيولوجي وشروط الحفر والسلامة وإمكانيات الصيانة والتدخل في الحالات الطارئة.
ويفرض المشروع كذلك دراسة تأثيراته البيئية المحتملة، بالنظر إلى الخصوصية الطبيعية والبحرية للمضيق.
ولهذا أدرج الجانب البيئي ضمن المحاور الأساسية لخطة العمل، إلى جانب الدراسات الاقتصادية والاجتماعية التي يفترض أن تحدد حجم الطلب المتوقع على المشروع وآثاره المحتملة على النقل والتجارة وحركة المسافرين.
ويراهن مشروع الربط القاري، في تصوره العام، على إنشاء اتصال ثابت بين شمال المغرب وجنوب إسبانيا، بما يمنح حركة الأشخاص والبضائع بين إفريقيا وأوروبا مساراً برياً دائماً عبر المضيق.
وفي حال انتقاله مستقبلاً من الدراسات إلى التنفيذ، سيكون المشروع قادراً على إضافة مسار جديد إلى منظومة النقل القائمة حالياً على الرحلات البحرية والجوية بين الضفتين.
كما يرتبط المشروع برهانات لوجستية وتجارية أوسع، خاصة مع تزايد حركة المبادلات بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وتنامي دور المملكة كبوابة تربط الأسواق الأوروبية بالعمق الإفريقي.
ومن هذه الزاوية، لا تقتصر دراسة الربط القاري على الجانب الهندسي وحده، بل تشمل كذلك قياس انعكاساته المحتملة على الموانئ وشبكات السكك الحديدية والطرق وحركة الشحن والمسافرين.
وتبرز الدراسات الاقتصادية ضمن هذه المرحلة باعتبارها عنصراً أساسياً لتحديد الجدوى الفعلية للمشروع.
فمنشأة بهذا الحجم ستحتاج إلى استثمارات ضخمة، ما يجعل معرفة حجم حركة النقل المتوقعة، والطلب على استعمال النفق، وطبيعة نموذج التمويل والتشغيل، من القضايا التي يتعين حسمها قبل الوصول إلى مرحلة الإنجاز.
كما يفرض المشروع دراسة الإطار القانوني والمؤسساتي الذي سينظم منشأة تقع بين دولتين وقارتين، سواء من حيث التسيير أو السلامة أو المراقبة أو العبور.
ولهذا تشمل خطة العمل المبرمجة الجوانب القانونية والجيوستراتيجية إلى جانب المسائل التقنية المباشرة.
ويأتي تخصيص 120 مليون درهم للاستثمار خلال 2027 ليؤكد أن المشروع ما يزال يتحرك على مستوى الإعداد العلمي والتقني، مع توجه واضح نحو تحيين المعطيات السابقة واستكمال العناصر التي تسمح باتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن مستقبله.
وتكتسي مراجعة الدراسات السابقة أهمية خاصة بالنظر إلى العمر الطويل للمشروع، إذ إن المعطيات التقنية والاقتصادية التي بنيت عليها بعض التصورات القديمة تحتاج إلى تحديث حتى تأخذ بعين الاعتبار التطورات التي عرفتها تقنيات البناء والأنفاق والنقل خلال السنوات الأخيرة.
كما أن التحولات التي عرفتها العلاقات الاقتصادية واللوجستية بين المغرب وإسبانيا وأوروبا وإفريقيا تجعل من الضروري إعادة تقييم التوقعات المتعلقة بحركة الأشخاص والبضائع التي يمكن أن يستوعبها الربط القاري مستقبلاً.
ومن شأن هذه المرحلة أيضاً أن تسمح بمقارنة التصورات التقنية المختلفة واختيار الحلول الأكثر واقعية من حيث السلامة والكلفة وقابلية التنفيذ.
ورغم الزخم الجديد الذي يعرفه الملف، فإن مشروع نفق مضيق جبل طارق لا يزال في مرحلة الدراسات، ولا تعني الميزانية المخصصة لسنة 2027 أن أشغال الحفر أو البناء ستنطلق خلال السنة نفسها.
فالانتقال إلى التنفيذ يظل مرتبطاً بنتائج الدراسات التقنية والجيولوجية والبيئية والاقتصادية، إلى جانب القرارات التي سيتخذها الجانبان المغربي والإسباني في ضوء هذه النتائج.
ومع ذلك، فإن تخصيص اعتمادات جديدة وإعادة مراجعة مختلف الدراسات يعطيان مؤشراً على استمرار اهتمام البلدين بالمشروع، بعد سنوات ظل خلالها الربط القاري بين إفريقيا وأوروبا واحداً من المشاريع الكبرى المطروحة دون الانتقال إلى مرحلة الإنجاز.
وسيكون عام 2027، وفق البرنامج المعلن، مرحلة جديدة لترتيب المعطيات وتحيين التصورات وتوسيع المعرفة التقنية بالمضيق، قبل تحديد الخطوات التالية.
وبذلك يبقى السؤال الأساسي مرتبطاً بما ستكشف عنه الدراسات الجديدة: هل ستسمح المعطيات التقنية والاقتصادية بتحويل المشروع من تصور استراتيجي عمره عقود إلى ورش قابل للتنفيذ، أم سيظل الربط القاري رهين المزيد من الدراسات والتحضيرات؟
الرئيسية

















