آخر الأخبار

​البرنامج تحت المجهر قراءة في البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال «وطني مستقبلي»




الحلقة الأولى: لماذا هذه السلسلة؟

في كل محطة انتخابية، يشتد النقاش حول المرشحين والتحالفات وموازين القوى وحظوظ الأحزاب في تصدر النتائج، وتتصاعد لغة الأرقام والتوقعات والاستطلاعات. وهي كلها عناصر مشروعة في أي تنافس ديمقراطي، لكنها قد تحجب أحياناً السؤال الذي يفترض أن يكون في صلب أي استحقاق انتخابي: ماذا تقترح الأحزاب فعلياً على المواطنين؟ وأي مشروع للمجتمع تحمله وهي تطلب ثقتهم وأصواتهم؟

فالانتخابات، في جوهرها، ليست فقط اختياراً بين أسماء أو ألوان سياسية، وإنما هي أيضاً، وربما أساساً، اختيار بين تصورات وأولويات والتزامات مختلفة لتدبير الحاضر وبناء المستقبل.

من هذا المنطلق تأتي هذه السلسلة من المقالات التي اخترت لها عنوان «البرنامج تحت المجهر»، والتي سأحاول من خلالها، على امتداد الأسابيع المقبلة، تسليط الضوء على البرنامج الانتخابي الذي قدمه حزب الاستقلال للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026 تحت شعار «وطني مستقبلي».

والغاية ليست إعادة كتابة البرنامج أو تقديم ملخص تقني لمضامينه، ولا تعداد الإجراءات والمقترحات الواردة فيه، فالوثيقة متاحة ويمكن الرجوع إليها. ما نطمح إليه هو الاقتراب أكثر من فلسفة البرنامج، وفهم اختياراته، وشرح أهدافه، وربط مقترحاته بالإشكالات التي يعيشها المواطن المغربي في حياته اليومية.

بمعنى آخر، سنحاول الانتقال من سؤال: ماذا يقترح حزب الاستقلال؟ إلى أسئلة أعمق: لماذا يقترحه؟ ما المشكلة التي يريد معالجتها؟ وما الذي يمكن أن يتغير في حياة المواطن إذا تحولت هذه الالتزامات إلى سياسات عمومية؟

برنامج أم تصور للمجتمع؟

أول ما يلفت الانتباه في وثيقة «وطني مستقبلي» أن حزب الاستقلال يضع برنامجه منذ البداية داخل إطار فكري وسياسي واضح، يستمد مرجعيته من مفهومين مركزيين في تاريخه: الاستقلالية والتعادلية.

فالاستقلالية تُقدَّم باعتبارها أبعد من الاستقلال بمفهومه التاريخي، لتصبح استقلالية الدولة في قرارها السيادي، واستقلالية المواطن عن الهشاشة والفقر والتبعية، واستقلالية الاقتصاد الوطني عن الاختلالات التي تسمح بتركز الثروة في يد فئات محدودة. أما التعادلية، فتقوم على البحث عن التوازن بين دينامية الاقتصاد ومتطلبات العدالة الاجتماعية، وبين خلق الثروة وضرورة توزيع ثمارها بصورة أكثر إنصافاً.

وهنا تحديداً تكمن إحدى الزوايا التي تستحق أن توضع تحت المجهر.

فالحزب لا يقدم برنامجه باعتباره تجميعاً لوعود انتخابية منفصلة، بل يعلن أنه يريد بناء تصور مترابط تكون فيه الكرامة والإنصاف الاجتماعي والمجالي واستعادة الثقة خيطاً ناظماً بين مختلف السياسات.

ولهذا أيضاً يحمل البرنامج اسم «وطني مستقبلي». فالرسالة التي يحملها العنوان تتجاوز الشعار الانتخابي إلى فكرة سياسية أوسع: أن يكون الوطن فضاء يستطيع فيه المغربي أن يتطلع إلى مستقبله، وأن يجد فيه أسباب الثقة والانتماء وفرص الارتقاء.

خمسة أسئلة كبرى أمام المغرب

وعوض بناء البرنامج وفق التقسيم القطاعي التقليدي الذي ينتقل من التعليم إلى الصحة ثم التشغيل والسكن وغيرها، اختار حزب الاستقلال تنظيم جزء أساسي من عرضه حول خمسة محاور كبرى، إلى جانب ميثاق للشباب: الحفاظ على منظومة القيم وتقوية تماسك وصمود الأسرة؛ محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح؛ تحسين القدرة الشرائية للأسر وتقوية الطبقة الوسطى؛ دعم وتقوية أدوار المرفق العمومي في إطار دولة الرعاية؛ ثم تعزيز السيادة الاستراتيجية.

وهذا الاختيار في حد ذاته يستحق النقاش.

لأن الحديث عن الأسرة ليس منفصلاً عن القدرة الشرائية، والحديث عن القدرة الشرائية لا ينفصل عن المنافسة والاحتكار، ومحاربة الفساد لا تنفصل عن جودة المرفق العمومي، كما أن الحديث عن السيادة لم يعد مقتصراً على الحدود والقرار السياسي، بل أصبح مرتبطاً بالماء والطاقة والغذاء والدواء والبيانات والقدرة الصناعية. وهذا المعنى الأخير يصرح به البرنامج بوضوح عندما يربط السيادة بقدرة المغرب على تأمين حاجياته الأساسية وحماية استقلال قراره في عالم تشتد فيه المنافسة على الموارد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
وهنا أيضاً تكمن أهمية قراءة البرنامج ككل، قبل الحكم على كل إجراء منفرداً.

لماذا «تحت المجهر»؟

اخترت هذا العنوان لأن الهدف من هذه السلسلة ليس المرور السريع على عناوين البرنامج، وإنما محاولة الاقتراب من تفاصيله ووضع اختياراته في سياقها.

سنبحث في كل محور عن الفكرة قبل الإجراء، وعن الهدف قبل الرقم، وعن الأثر المتوقع قبل الشعار.
عندما نتناول، مثلاً، محاربة الفساد وتضارب المصالح، لن نتوقف عند الموقف الأخلاقي من الفساد، بل سنسأل: ما الأدوات التي
يقترحها البرنامج للانتقال من الإدانة إلى الوقاية والمحاسبة؟ فالوثيقة نفسها تنطلق من اعتبار الفساد والريع والاحتكار ليس مجرد
اختلال أخلاقي، وإنما تكلفة يؤديها المواطن في شكل غلاء ورداءة في الخدمات وغياب لتكافؤ الفرص.

وعندما نصل إلى القدرة الشرائية، لن يكون السؤال فقط ماذا يقول الحزب عن الأسعار، وإنما كيف يتصور العلاقة بين الإنتاج والتوزيع والمنافسة والأجور والطبقة الوسطى.

وعندما نتناول المرفق العمومي، سنبحث في النموذج الذي يقترحه الحزب للصحة والتعليم ودولة الرعاية.
وعندما نصل إلى السيادة الاستراتيجية، سنناقش كيف انتقل مفهوم السيادة في البرنامج من معناه التقليدي إلى الأمن المائي والغذائي والطاقي والصحي والرقمي والصناعي.

بهذا المعنى، «البرنامج تحت المجهر» ليست سلسلة للتعريف بعناوين برنامج انتخابي بقدر ما هي محاولة لفتح نقاش حول الاختيارات التي يتضمنها.

لأن المواطن يستحق أن يعرف قبل أن يختار
هناك أيضاً غاية أخرى لهذه السلسلة.

نحن في حاجة إلى أن تستعيد البرامج مكانتها في النقاش الانتخابي المغربي. فالديمقراطية لا تكتمل فقط بحرية الاختيار، وإنما تحتاج كذلك إلى أن يكون هذا الاختيار مبنياً على المعرفة والمقارنة والمحاسبة.

ومن حق المواطن، قبل أن يمنح صوته، أن يعرف ماذا يعرض عليه كل حزب، وما الأولويات التي يرتبها، وما الالتزامات التي يتحملها أمامه.

كما أن البرنامج الانتخابي لا ينبغي أن تنتهي وظيفته بإغلاق صناديق الاقتراع. فهو، في الأصل، عقد سياسي وأخلاقي مع الناخبين، ينبغي أن يبقى مرجعاً بعد الانتخابات لقياس المسافة بين ما تم الالتزام به وما تحقق فعلياً.

لذلك لن يكون المقصود من هذه المقالات القول للقارئ ماذا يختار، وإنما إعطاؤه عناصر إضافية ليفهم ما يُعرض عليه، ويناقشه، ويكوّن موقفه منه.

وسنفعل ذلك من داخل البرنامج نفسه، بعيداً قدر الإمكان عن لغة الشعارات العامة، بالوقوف عند المقترحات والأهداف والاختيارات التي تضمنتها الوثيقة.

بدءاً من السبت المقبل، سنضع المحور الأول تحت المجهر:
لماذا اختار حزب الاستقلال أن يبدأ برنامجه من الأسرة ومنظومة القيم؟ وما العلاقة بين حماية الأسرة وبناء النموذج المجتمعي الذي يقترحه للمغرب؟

ثم سننتقل، مقالاً بعد آخر، إلى الفساد والريع وتضارب المصالح، فالقدرة الشرائية والطبقة الوسطى، فالمرفق العمومي ودولة الرعاية، وصولاً إلى السيادة الاستراتيجية.

خمسة محاور، وأسئلة متعددة، لكن السؤال الناظم لهذه السلسلة سيظل واحداً:
أي مغرب يريد برنامج «وطني مستقبلي» أن يبني؟
وهذا ما سنحاول، تباعاً، وضعه تحت المجهر.




الثلاثاء 1 سبتمبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ

















LODJ24
آخر الأخبار
جاري تحميل الأخبار...
BREAKING NEWS
📰 Chargement des actualités...




ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو
WhatsApp Image 2026-04-01 at 15.23.23 (4)
WhatsApp Image 2026-02-04 at 09.50.48
17
WhatsApp Image 2026-02-09 at 12.19.57
WhatsApp Image 2026-04-27 at 12.52.10 (5)
WhatsApp Image 2026-05-07 at 14.32.13
WhatsApp Image 2025-11-28 at 16.48.08 (2)
WhatsApp Image 2025-11-28 at 16.48.06
WhatsApp Image 2026-04-27 at 12.52.10 (1)
6
WhatsApp Image 2025-11-11 at 14.31.32 (1)
WhatsApp Image 2025-11-28 at 16.48.09
WhatsApp Image 2026-04-27 at 12.52.11
ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو LODJ ميديا
WhatsApp Image 2026-02-04 at 09.50.48 (6)
WhatsApp Image 2026-04-02 at 13.41.07 (1)
WhatsApp Image 2025-11-17 at 18.19.12
WhatsApp Image 2025-11-17 at 18.19.08 (1)
WhatsApp Image 2026-04-14 at 15.28.11
WhatsApp Image 2025-12-25 at 10.32.23 (5)
WhatsApp Image 2026-05-15 at 17.17.53 (1)
WhatsApp Image 2026-05-25 at 14.19.29 (3)
ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو LODJ ميديا
WhatsApp Image 2026-05-25 at 14.18.34
WhatsApp Image 2026-02-12 at 12.03.34 (4)
WhatsApp Image 2026-04-14 at 16.06.38
WhatsApp Image 2025-11-17 at 18.19.34
WhatsApp Image 2026-05-15 at 12.22.27 (6)
WhatsApp Image 2026-03-09 at 13.51.12 (1)
WhatsApp Image 2025-11-12 at 16.13.35
ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو LODJ ميديا
WhatsApp Image 2026-05-25 at 14.18.07
WhatsApp Image 2026-04-27 at 12.52.09 (2)
WhatsApp Image 2026-05-15 at 17.17.53 (2)
8
21




Buy cheap website traffic