وينظم المؤتمر، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، بشراكة بين منظمة مدن التراث العالمي وجماعة مراكش، بمشاركة ممثلين عن المدن الأعضاء وشخصيات مؤسساتية وخبراء ومتخصصين في قضايا التراث والتخطيط الحضري والتنمية المستدامة.
ولا تقتصر النقاشات المطروحة خلال هذه الدورة على ترميم المباني التاريخية أو حماية المعالم المعمارية، بل تمتد إلى كيفية الإبقاء على المراكز التاريخية فضاءات حية قادرة على توفير السكن والخدمات وفرص النشاط الاقتصادي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هويتها الثقافية وقيمتها التاريخية.
وفي هذا السياق، أكد والي جهة مراكش–آسفي، عامل عمالة مراكش، خطيب الهبيل، أن احتضان المدينة لهذا الموعد الدولي يعكس الاهتمام الذي يحظى به التراث المغربي، مبرزاً العناية الملكية المتواصلة بالحفاظ على الهوية الحضارية للمملكة وتثمين تراثها المادي وغير المادي.
وأشار إلى أن المغرب أطلق، بفضل الرؤية الملكية، عدداً من البرامج الهادفة إلى إعادة تأهيل المدن العتيقة، وفق مقاربة تسعى إلى الجمع بين المحافظة على الموروث التاريخي والاستجابة لمتطلبات الحياة العصرية.
وبحسب الهبيل، فإن التعامل مع المدن القديمة لا ينبغي أن ينحصر في مقاربة تحولها إلى متاحف مفتوحة، بل يجب أن تستمر في أداء وظائفها باعتبارها أحياء يعيش فيها السكان ويمارسون أنشطتهم اليومية.
وأوضح أن المدينة العتيقة مطالبة بأن تبقى فضاءً حيوياً وشاملاً ومتاحاً، يوفر ظروف عيش مناسبة لسكانه ويحافظ، في الوقت نفسه، على جاذبيته الاقتصادية والسياحية والثقافية.
ويضع هذا التصور المدن التاريخية أمام معادلة دقيقة، تقوم على حماية الطابع المعماري والأصالة التاريخية، بالتوازي مع الاستجابة لاحتياجات السكان ومواجهة التحديات البيئية والمناخية التي أصبحت تضغط بشكل متزايد على المراكز الحضرية القديمة.
وتبرز هذه الإشكالية بشكل خاص في مدن مثل مراكش، حيث تتقاطع القيمة التاريخية للمدينة العتيقة مع كثافة النشاط السياحي والتجاري ووجود آلاف السكان والحرفيين والمهنيين الذين يعتمدون على هذا الفضاء في حياتهم اليومية.
من جانبه، توقف رئيس منظمة مدن التراث العالمي وعمدة مدينة كيبيك الكندية، برونو مارشان، عند عدد من الصعوبات التي تواجه المدن التاريخية، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف صيانة المباني القديمة وترميمها وتأهيلها.
وأضاف أن التغيرات المناخية تفرض تحديات إضافية، لأنها تستدعي تكييف المباني والمراكز التاريخية مع ظروف جديدة، من دون الإضرار بقيمتها المعمارية أو تغيير هويتها الأصلية.
وشدد مارشان على ضرورة الحفاظ على ما وصفه بـ«التراث الحي»، أي ذلك التراث الذي لا يقتصر على الجدران والمعالم، وإنما يتجسد أيضاً في الأشخاص والأنشطة والعلاقات الاجتماعية والمهن التقليدية التي تمنح المدينة شخصيتها.
واستشهد في هذا السياق بمراكش، موضحاً أن جاذبية المدينة بالنسبة إلى الزوار لا ترتبط فقط بمعالمها العمرانية، وإنما كذلك بالاحتكاك بالثقافة المغربية والتعرف على سكان المدينة وتجارتها التقليدية وحرفييها ونساجيها وفنانيها ومبدعيها.
ويعيد هذا الطرح تعريف مفهوم حماية التراث، من المحافظة على البنايات وحدها إلى حماية منظومة اجتماعية وثقافية كاملة تتشكل داخل المدينة التاريخية.
وفي الاتجاه نفسه، أكد النائب الأول لرئيسة المجلس الجماعي لمراكش، محمد الإدريسي، أن تراث المدينة لا يمكن اختزاله في أسوارها أو مبانيها التاريخية أو ساحة جامع الفنا، رغم القيمة الرمزية والتاريخية الكبيرة لهذه المعالم.
وأوضح أن الهوية التراثية لمراكش تشمل أيضاً العادات والتقاليد والصناعات التقليدية والمعارف والمهارات التي انتقلت بين الأجيال، إلى جانب الممارسات الثقافية والاجتماعية التي ساهمت في تشكيل شخصية المدينة.
وأشار الإدريسي إلى أن مسؤولية المدن التاريخية اليوم لم تعد مقتصرة على حماية ما ورثته من الماضي، وإنما تشمل أيضاً إيجاد التوازن بين صون التراث والاستجابة لحاجيات الحاضر.
ويتطلب ذلك، وفق التصور الذي عرضه، تحسين ظروف عيش السكان ودعم الإدماج الاجتماعي والحفاظ على البيئة وتشجيع النشاط الاقتصادي المستدام، بحيث يصبح التراث نفسه عنصراً مساهماً في التنمية وليس عائقاً أمامها.
وتأتي هذه النقاشات في وقت تواجه فيه المدن التاريخية عبر العالم ضغوطاً متشابهة، من ارتفاع أسعار العقارات وتكاليف الترميم إلى ضغط السياحة وتغير أنماط العيش، فضلاً عن آثار التغير المناخي والحاجة إلى تحديث شبكات الخدمات والتجهيزات.
ويتيح المؤتمر لممثلي المدن الأعضاء تبادل التجارب حول كيفية التعامل مع هذه التحولات، والاستفادة من الحلول التي طورتها مدن أخرى للحفاظ على طابعها التاريخي من دون التضحية براحة سكانها أو قدرتها على التطور.
ويتضمن برنامج الدورة سلسلة من الندوات وورشات العمل واللقاءات المهنية، إلى جانب زيارات تقنية تتيح للمشاركين الاطلاع بشكل مباشر على عدد من مكونات التراث العمراني والثقافي لمراكش.
كما توفر هذه الزيارات فرصة لمناقشة التجربة المحلية في تأهيل المدينة العتيقة والحفاظ على معالمها وربطها بحاجيات السكان والأنشطة الاقتصادية والسياحية التي تحتضنها.
ويمنح احتضان المؤتمر لمراكش فرصة إضافية لتعزيز حضورها ضمن شبكة المدن التاريخية العالمية، خصوصاً أن المدينة تمثل نموذجاً لمدينة عتيقة حافظت على جزء كبير من هويتها المعمارية والثقافية، بينما تستقبل في الوقت نفسه تدفقات سياحية كبيرة وتشهد تحولات عمرانية واقتصادية متسارعة.
وفي خلفية أشغال المؤتمر، يبرز تحول واضح في طريقة النظر إلى التراث الحضري. فالسؤال لم يعد فقط كيف نحمي بناية قديمة أو نعيد ترميم سور تاريخي، وإنما كيف نحافظ على مدينة كاملة بوصفها فضاءً للعيش والعمل والتفاعل الاجتماعي.
ومن هنا، يبدو التحدي الذي تطرحه دورة مراكش أكثر اتساعاً من مجرد صيانة المعالم، إذ يتعلق بإيجاد نموذج يسمح للمدينة التاريخية بأن تحافظ على ذاكرتها، وفي الوقت نفسه تستجيب لانتظارات سكانها وتتكيف مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.
الرئيسية

















