صحتنا

متلازمة القلق الصحي.. عندما يتحول الخوف من المرض إلى هاجس دائم


في زمن أصبحت فيه المعلومات الطبية متاحة بضغطة زر، لم يعد البحث عن أعراض مرض ما يقتصر على زيارة الطبيب أو قراءة المراجع العلمية، بل أصبح كثيرون يلجؤون إلى محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي لتفسير أي ألم أو عرض بسيط يشعرون به. غير أن هذا السلوك، الذي يبدو طبيعياً في ظاهره، قد يتحول لدى بعض الأشخاص إلى دائرة مقلقة من الخوف والوسواس، تعرف في الطب النفسي باسم القلق الصحي أو اضطراب قلق المرض.



فالمصاب بهذه الحالة لا يعيش مع المرض بقدر ما يعيش مع الخوف المستمر من الإصابة به، حتى وإن أكدت الفحوصات الطبية مراراً أنه يتمتع بصحة جيدة.

ما هو القلق الصحي؟

القلق الصحي هو اضطراب نفسي يتمثل في انشغال مفرط ومستمر بفكرة الإصابة بمرض خطير، أو الاعتقاد بوجود مشكلة صحية كامنة رغم غياب الأدلة الطبية التي تؤكد ذلك.

ولا يعني هذا أن الشخص يتظاهر بالمرض أو يختلق الأعراض، بل إنه يشعر بقلق حقيقي، وقد يفسر أي إحساس طبيعي في جسده على أنه علامة على مرض خطير، مثل السرطان أو أمراض القلب أو الاضطرابات العصبية.

وقد يدفعه هذا الخوف إلى تكرار الفحوصات الطبية، أو على العكس، إلى تجنب زيارة الطبيب خوفاً من سماع تشخيص لا يرغب في مواجهته.

متى يتحول الاهتمام بالصحة إلى مشكلة؟

الاهتمام بالصحة وإجراء الفحوصات الدورية سلوك صحي ومطلوب، لكن الأمر يصبح مقلقاً عندما يتحول إلى هاجس يسيطر على التفكير ويؤثر في الحياة اليومية.

ومن أبرز العلامات التي قد تشير إلى الإصابة بالقلق الصحي:

الانشغال المستمر بفكرة الإصابة بمرض خطير.
تفسير الأعراض البسيطة، مثل الصداع أو التعب، على أنها مؤشر لمرض خطير.
تكرار البحث عن الأعراض عبر الإنترنت، فيما يعرف بـ"القلق الإلكتروني الصحي".
زيارة عدد كبير من الأطباء دون الاقتناع بنتائج الفحوصات.
طلب الطمأنة بشكل متكرر من أفراد الأسرة أو الأصدقاء.
الشعور بقلق شديد عند سماع أخبار عن الأمراض أو قراءة معلومات طبية.
مراقبة وظائف الجسم بصورة مبالغ فيها، مثل قياس النبض أو ضغط الدم عدة مرات يومياً.

لماذا يصاب بعض الأشخاص بالقلق الصحي؟

لا يوجد سبب واحد يفسر هذا الاضطراب، لكنه غالباً ينتج عن تداخل عدة عوامل، منها:

الاستعداد النفسي

الأشخاص الذين يعانون اضطرابات القلق أو الوسواس القهري يكونون أكثر عرضة للإصابة بالقلق الصحي.

التجارب السابقة

قد يؤدي التعرض لمرض خطير في الماضي، أو فقدان أحد أفراد الأسرة بسبب مرض معين، إلى زيادة الحساسية تجاه أي أعراض جسدية.

المعلومات الطبية المفرطة

الإفراط في متابعة الأخبار الصحية أو البحث عن الأعراض عبر الإنترنت قد يزيد من القلق، خاصة عندما تكون المعلومات غير دقيقة أو تفتقر إلى السياق العلمي.

الضغوط الحياتية

قد يظهر القلق الصحي أو يزداد خلال فترات التوتر النفسي أو الضغوط المهنية أو الأسرية، إذ ينعكس القلق النفسي أحياناً على طريقة إدراك الشخص للإشارات الصادرة من جسده.

ماذا يحدث داخل الدماغ؟

يرى المختصون أن المصاب بالقلق الصحي يصبح أكثر حساسية للإشارات الجسدية الطبيعية، فيركز انتباهه على أي تغير بسيط في جسده، مثل تسارع ضربات القلب بعد صعود الدرج أو ألم عضلي عابر، ثم يفسره على أنه دليل على مرض خطير.

ومع تكرار هذا النمط، يدخل الشخص في حلقة مفرغة: الخوف يؤدي إلى زيادة القلق، والقلق يسبب أعراضاً جسدية مثل خفقان القلب أو ضيق التنفس، فتزداد قناعته بوجود المرض، ويستمر القلق من جديد.

هل البحث في الإنترنت يزيد المشكلة؟

يصف الأطباء هذه الظاهرة بمصطلح "Cyberchondria" أو القلق الإلكتروني الصحي، وهي الميل إلى البحث المتكرر عن المعلومات الطبية عبر الإنترنت بطريقة تزيد من القلق بدلاً من طمأنة الشخص.

فغالباً ما تربط نتائج البحث بين الأعراض البسيطة وأمراض نادرة أو خطيرة، ما يدفع الشخص إلى مزيد من الخوف، ومن ثم إلى المزيد من البحث، لتستمر الحلقة دون نهاية.

كيف يمكن التعامل مع القلق الصحي؟

يعتمد العلاج على شدة الحالة، لكنه يرتكز عادة على عدة محاور:

مراجعة الطبيب عند وجود أعراض حقيقية، مع تجنب تكرار الفحوصات دون مبرر طبي.
الحد من البحث العشوائي عن المعلومات الطبية عبر الإنترنت.
تعلم تقنيات إدارة التوتر، مثل تمارين التنفس والتأمل.
ممارسة الرياضة بانتظام لتحسين الصحة النفسية.
الحفاظ على نمط نوم صحي.
اللجوء إلى العلاج النفسي، وخاصة العلاج السلوكي المعرفي، الذي يُعد من أكثر الأساليب فعالية في التعامل مع هذا الاضطراب.
وفي بعض الحالات، قد يوصي الطبيب باستخدام أدوية مضادة للقلق أو الاكتئاب إذا كانت الأعراض شديدة أو مستمرة.

متى يجب طلب المساعدة؟

إذا أصبح الخوف من المرض يسيطر على الحياة اليومية، أو تسبب في تعطيل العمل أو الدراسة أو العلاقات الاجتماعية، أو دفع الشخص إلى مراجعة الأطباء بصورة متكررة دون وجود سبب طبي واضح، فمن المهم استشارة طبيب أو أخصائي في الصحة النفسية.

فالتدخل المبكر يساعد على كسر دائرة القلق، ويمنع تحولها إلى معاناة مزمنة.

الصحة لا تعني غياب المرض فقط

تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الصحة لا تقتصر على سلامة الجسد، بل تشمل أيضاً الصحة النفسية والاجتماعية. لذلك، فإن الاطمئنان الحقيقي لا يتحقق بكثرة الفحوصات وحدها، بل ببناء علاقة متوازنة مع الجسد، تقوم على الوعي دون مبالغة، والاهتمام دون خوف.

قد يكون الحرص على الصحة سلوكاً إيجابياً، لكنه يفقد معناه عندما يتحول إلى هاجس يسرق راحة الإنسان ويجعله أسيراً للخوف من أمراض قد لا تكون موجودة أصلاً. فالقلق الصحي ليس دليلاً على ضعف الشخصية أو المبالغة، بل هو اضطراب نفسي قابل للعلاج إذا جرى التعامل معه بطريقة علمية.

وفي عالم تمتلئ فيه الشاشات بالمعلومات الطبية المتدفقة، يبقى الوعي، والاعتدال، والثقة بالمختصين أفضل وسيلة لحماية صحتنا الجسدية والنفسية معاً.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الجمعة 31 يوليو 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ

















LODJ24
آخر الأخبار
جاري تحميل الأخبار...
BREAKING NEWS
📰 Chargement des actualités...




ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو
WhatsApp Image 2026-02-24 at 20.45.24
WhatsApp Image 2026-04-27 at 12.52.11 (7)
WhatsApp Image 2025-11-28 at 16.48.08
WhatsApp Image 2025-12-25 at 10.32.24 (9)
10
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.31.00 (3)
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.58 (5)
WhatsApp Image 2026-04-27 at 12.52.11
WhatsApp Image 2026-04-27 at 12.52.09 (2)
WhatsApp Image 2025-11-17 at 18.19.38
WhatsApp Image 2026-05-15 at 12.22.27 (3)
WhatsApp Image 2026-05-20 at 14.01.28 (3)
WhatsApp Image 2025-11-19 at 14.50.33 (1)
WhatsApp Image 2026-04-02 at 13.41.06
WhatsApp Image 2026-04-06 at 19.06.40
ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو LODJ ميديا
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.58 (6)
WhatsApp Image 2026-02-24 at 20.45.23 (2)
WhatsApp Image 2025-11-19 at 14.50.34
20
WhatsApp Image 2026-06-08 at 15.44.51
WhatsApp Image 2025-11-28 at 16.48.10 (2)
WhatsApp Image 2026-02-24 at 20.45.23
WhatsApp Image 2026-04-06 at 14.37.23
WhatsApp Image 2025-11-19 at 14.50.34 (2)
WhatsApp Image 2025-12-04 at 15.31.46
13
1
WhatsApp Image 2025-11-17 at 18.19.11 (1)
ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو LODJ ميديا
WhatsApp Image 2026-04-01 at 15.23.23 (1)
WhatsApp Image 2026-06-04 at 16.22.32 (3)
9
WhatsApp Image 2025-10-29 at 10.04.12 (6)
WhatsApp Image 2026-05-15 at 12.22.26 (2)
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.59 (6)




Buy cheap website traffic