وبعد 51 سنة، تأتي المناسبة بينما تستعد المنطقة لطي صفحة حضور ميداني أممي بدأ سنة 1991، مع دخول المينورسو مرحلة التصفية والانسحاب عقب انتهاء ولايتها في 31 أكتوبر 2026.
وأكدت الأمم المتحدة أن البعثة أوقفت عملياتها بعد عدم تجديد ولايتها من مجلس الأمن، وأن فاتح نونبر شكل بداية مرحلة تصفية وجودها الميداني، عبر فريق مصغر مكلف بسحب معدات الدول المساهمة والتصرف في تجهيزات المنظمة وإتمام العملية في أقرب وقت ممكن وبطريقة منظمة.
من المسيرة الخضراء إلى مرحلة جديدة في ملف الصحراء
تمنح هذه التطورات الذكرى 51 للمسيرة الخضراء بعداً مختلفاً، فالمناسبة التي ظلت لعقود مرتبطة باستحضار أحداث 1975 تأتي هذه السنة في لحظة تنتقل فيها القضية من مرحلة ميزها وجود بعثة أممية دائمة على الأرض إلى وضع جديد لم تتضح بعد جميع تفاصيله الميدانية والسياسية.
ومن الجانب المغربي، جاء التعامل مع هذه المرحلة سريعاً على أعلى مستوى.
ففي 4 نونبر 2026، أي قبل يومين من ذكرى المسيرة الخضراء، ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بالقصر الملكي بالرباط جلسة عمل خُصصت لمتابعة مرحلة ما بعد انتهاء مهام البعثة الأممية، عقب اجتماع مجلس الأمن المنعقد يوم 30 أكتوبر وعدم تجديد ولاية المينورسو.
وحضر الاجتماع رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، ومستشار صاحب الجلالة فؤاد عالي الهمة، ووزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، والفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية.
وحدد بلاغ الديوان الملكي ثلاث أولويات أساسية للمرحلة المقبلة: الاحترام التام للوحدة الترابية للمملكة، والحفاظ على أمنها الوطني، وضمان طمأنينة المواطنين، ولا سيما سكان الأقاليم الجنوبية.
وأعطى صاحب الجلالة تعليماته بالتفعيل الحازم واليقظ لهذه الأولويات، كل في نطاق اختصاصه، مع مواصلة المشاريع التنموية والمهيكلة في الأقاليم الجنوبية ومتابعة التطورات التي يعرفها الملف على مختلف المستويات.
انسحاب المينورسو.. وماذا بعد؟
تشكل نهاية المينورسو أحد أكبر التحولات الميدانية في الملف منذ إنشاء البعثة سنة 1991.
فلم تعد المسألة مرتبطة بتقليص عدد أفرادها أو تعديل مهمتها، وإنما بإنهاء عمليات حفظ السلام وسحب الأفراد والمعدات وإغلاق الوجود الميداني للبعثة تدريجياً. وفي المقابل، أكدت الأمم المتحدة أن انتهاء عمليات المينورسو لا يعني انتهاء دورها السياسي، وأنها ستواصل دعم المسار الرامي إلى التوصل إلى حل سياسي عبر المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا.
أما المملكة، فقد اختارت أن تواكب عملية التصفية والانسحاب مؤسساتياً.
فقد كلف صاحب الجلالة «مكتب التنسيق مع المينورسو» التابع لوزارة الداخلية بمهمة التنسيق ومواكبة عملية انسحاب البعثة وتصفية وجودها، بهدف تسهيل مختلف الإجراءات وضمان تنفيذ العملية في ظروف سلسة ومنظمة، وبروح من التعاون مع الأمم المتحدة.
وتكشف هذه الخطوة أن مرحلة ما بعد المينورسو لن تكون مجرد عملية لوجستية لسحب الموظفين والتجهيزات، بل مرحلة ستتطلب متابعة أمنية وسياسية ودبلوماسية دقيقة.
وقف إطلاق النار.. التزام يستمر بعد البعثة
من أبرز القضايا التي برزت بعد انتهاء مهمة المينورسو مسألة وقف إطلاق النار، وأكد بلاغ الديوان الملكي أن المغرب سيظل ملتزماً به، وأن هذا الالتزام «إرادي» ولن يتغير بسبب انتهاء ولاية البعثة الأممية.
في الوقت نفسه، تضمن البلاغ موقفاً مغربياً ينتقد أداء المينورسو، معتبراً أنها عجزت في مناسبات عدة عن مراقبة احترام وقف إطلاق النار وترتيب الآثار على خروقاته، وأن السياق الذي أنشئت فيه البعثة والوظائف الأصلية التي أوكلت إليها أصبحت، وفق التقييم المغربي الرسمي، متجاوزة.
من جهتها، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها من الوضع الأمني ومخاطر التصعيد، ودعت جميع الأطراف إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس والامتناع عن أي خطوات من شأنها زيادة التوتر.
ويبرز هنا أحد أهم تحديات المرحلة المقبلة: كيف سيتم الحفاظ على الاستقرار الميداني بعد مغادرة البعثة التي لعبت طوال عقود دوراً في مراقبة الوضع والتواصل بين الأطراف، في ظل عدم الإعلان حتى الآن عن آلية أممية ميدانية بديلة؟
التنمية في قلب المرحلة الجديدة
لا يحصر التصور المغربي لمرحلة ما بعد المينورسو الملف في الجانب الأمني أو الدبلوماسي.
فبلاغ الديوان الملكي شدد بصورة واضحة على مواصلة المشروع التنموي في الأقاليم الجنوبية والمشاريع المهيكلة المرتبطة به، بما يربط مرحلة ما بعد البعثة باستمرار الاستثمار في البنيات التحتية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وهنا يعود معنى المسيرة الخضراء إلى الواجهة.
فقد سبق لصاحب الجلالة الملك محمد السادس أن وصفها بأنها «مسيرة دائمة»، رابطاً بين روح التعبئة التي ميزت سنة 1975 وبين ورش تنمية مختلف جهات المملكة، وفي مقدمتها الأقاليم الجنوبية التي اعتبرها صلة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي.
وعلى امتداد العقود الماضية، أصبحت الطرق والموانئ والمطارات والمدارس والمستشفيات والاستثمارات المختلفة جزءاً من الخطاب المغربي حول استكمال مسيرة التنمية بالأقاليم الجنوبية.
ومن هنا يمكن قراءة الذكرى 51 باعتبارها نقطة التقاء بين مسارين: مسار تاريخي بدأ في نونبر 1975، ومسار جديد ينطلق في نهاية 2026 بعد انتهاء مهمة المينورسو.
من 1975 إلى 2026.. تغيرت الأدوات وبقي الملف في الواجهة
بين 6 نونبر 1975 و6 نونبر 2026، تغيرت طبيعة التحديات وأدوات التعامل معها.
كانت صورة المسيرة الخضراء قبل 51 عاماً مرتبطة بمئات الآلاف من المواطنين المتوجهين جنوباً في تعبئة سلمية أصبحت رمزاً وطنياً. أما اليوم، فالمشهد تحكمه الدبلوماسية، والمؤسسات الدولية، والتنمية، والاستثمار، والأمن، وترتيبات مرحلة ما بعد وجود أممي استمر 35 عاماً.
ويؤكد الموقف المغربي الرسمي في المرحلة الراهنة على السيادة والوحدة الترابية، وعلى مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل السياسي الذي تدافع عنه المملكة، في وقت تواصل الأمم المتحدة التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، وتقول إن عملها السياسي سيستمر رغم انتهاء مهمة المينورسو.
وهكذا تأتي الذكرى الحادية والخمسون للمسيرة الخضراء في لحظة مفصلية.
فهي ليست هذه السنة مجرد استعادة لصور سنة 1975، بل مناسبة تتزامن مع نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الملف وبداية مرحلة لم تتضح بعد جميع معالمها.
وبين ذكرى المسيرة الخضراء، وانتهاء المينورسو، والتعليمات التي أصدرها صاحب الجلالة في اجتماع 4 نونبر، تتجه المملكة إلى مرحلة تضع في واجهتها حماية الوحدة الترابية والأمن والاستقرار، ومواصلة التنمية بالأقاليم الجنوبية، بالتوازي مع متابعة المسار الدبلوماسي والسياسي للملف.
وبعد 51 عاماً من المسيرة الخضراء، تبدو الرسالة المغربية الرسمية واضحة: تغيرت الظروف والأدوات، لكن ملف الصحراء يظل في صلب الأولويات الوطنية، بينما يدخل اليوم فصلاً جديداً ستتحدد معالمه خلال الأسابيع والأشهر التي ستعقب انسحاب المينورسو.
الرئيسية

















