وجاء فوز الصافي عن دراسة بعنوان «اقتصاد الرواية الإعلامية العربية: مقاربة تحليلية في بناء القوة الناعمة وتعزيز السمعة الدولية»، ضمن منافسة شاركت فيها أعمال بحثية من المغرب والجزائر والأردن ومصر وفلسطين.
وتندرج الجائزة ضمن برنامج «مستقبل التنمية في الوطن العربي.. رؤى لعام 2030»، الذي يشرف عليه معهد البحوث والدراسات العربية التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
وتركز الدراسة على سؤال يتجاوز مسألة إنتاج المحتوى الإعلامي في حد ذاته، ليبحث في مدى قدرة الدول والمؤسسات العربية على تحويل ما تنتجه من أخبار وبرامج وأعمال ثقافية وإبداعية إلى نفوذ فعلي خارج حدودها.
ويرى البحث أن امتلاك عدد كبير من المنابر أو إنتاج كم واسع من المضامين لا يعني بالضرورة تحقيق حضور دولي مؤثر، إذا بقيت عمليات التوزيع والتمويل والوصول إلى الجمهور العالمي مرتبطة بمنصات وآليات لا يملك الفاعل العربي السيطرة عليها.
ومن هذا المنطلق، يربط الصافي بين قوة المحتوى وقوة البنية التي تنقله إلى الجمهور، معتبراً أن المنافسة الإعلامية الحديثة لم تعد تُحسم فقط بجودة الرسالة، بل كذلك بالقدرة على التحكم في أدوات انتشارها ومسارات وصولها.
وتبرز الدراسة وجود فجوة بين الإنتاج الإعلامي العربي وبين قدرته على تحقيق تأثير اقتصادي واستراتيجي واسع، وهو ما يرتبط، وفق المقاربة المعتمدة، بضعف التكامل بين مختلف حلقات الصناعة الإعلامية.
وتشمل هذه الحلقات الإنتاج والتوزيع والتمويل والتسويق، إلى جانب البنية الرقمية التي أصبحت تتحكم إلى حد بعيد في انتشار المحتوى ومدى وصوله إلى الجماهير خارج المنطقة العربية.
ويشير البحث إلى أن المنصات الرقمية الكبرى تلعب اليوم دوراً مركزياً في تحديد ما يصل إلى المستخدمين، وهو ما يجعل التحكم في الخوارزميات وقنوات التوزيع جزءاً أساسياً من معادلة النفوذ الإعلامي.
وفي هذا السياق، استخدم الصافي مفهوم «دورة الرواية المبتورة» لتفسير الحالة التي يبقى فيها المحتوى العربي محصوراً في مرحلة الإنتاج، دون أن ينتقل بشكل فعال إلى التوزيع الواسع أو الاستثمار الاقتصادي أو التأثير الدولي.
كما اعتمد مفهوم «القوة الناعمة الموزعة»، الذي يقوم على فكرة أن التأثير لم يعد مرتبطاً فقط بالمؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح موزعاً بين المنصات والشبكات الرقمية والمحتوى التفاعلي والأدوات التقنية التي تتحكم في الوصول إلى الجمهور.
ومن بين أبرز المقترحات التي قدمتها الدراسة إنشاء «الوكالة العربية للمحتوى الإبداعي»، باعتبارها مؤسسة مستقلة تتولى تنسيق المبادرات الإعلامية والإبداعية العربية.
ويقترح البحث أن تضطلع هذه الوكالة بدور في توحيد المفاوضات مع المنصات الرقمية الدولية، بما يسمح بتحسين شروط توزيع المحتوى العربي وتعزيز قدرته على الوصول إلى أسواق أوسع.
كما يهدف التصور المقترح إلى ضمان استفادة المنتجين والمؤسسات العربية من القيمة الاقتصادية للمحتوى، بدلاً من بقاء الجزء الأكبر من العوائد مرتبطاً بالمنصات الخارجية وقنوات التوزيع الدولية.
ويمنح البحث بعداً اقتصادياً واضحاً لصناعة المحتوى، إذ لا ينظر إلى الإعلام باعتباره قطاعاً ثقافياً أو اتصالياً فقط، بل كجزء من الاقتصاد الإبداعي الذي يمكن أن يسهم في السياحة والصناعات الثقافية والاستثمار.
ويربط الصافي بين انتشار المحتوى العربي عالمياً وبين إمكانية تحقيق مكاسب في مجالات أخرى، من بينها السياحة الثقافية، والترويج للمنتجات الإبداعية، وتحسين صورة الدول والمؤسسات في الخارج.
ولتعزيز أطروحته، استعان الباحث بتجارب دولية اعتبرها نماذج مهمة في توظيف الثقافة والإعلام لبناء النفوذ، من بينها كوريا الجنوبية والهند والصين.
وتُظهر هذه التجارب، وفق الدراسة، كيف استطاعت دول تحويل الإنتاج الثقافي والإعلامي إلى عنصر من عناصر قوتها الخارجية، سواء من خلال الموسيقى والدراما والسينما أو من خلال الصناعات الرقمية والمنصات.
ولا يدعو البحث إلى استنساخ هذه التجارب بشكل مباشر، بل إلى الاستفادة منها وفق الخصوصيات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية للعالم العربي.
كما يشدد على أهمية تطوير نموذج عربي قادر على الجمع بين جودة الإنتاج والسيطرة على قنوات التوزيع، مع خلق منظومة تمويل واستثمار تجعل المحتوى جزءاً من استراتيجية اقتصادية أشمل.
وعقب إعلان النتائج، عبّر الدكتور إبراهيم الصافي عن تقديره لمعهد البحوث والدراسات العربية ولجنة التحكيم، معتبراً أن الدراسة يمكن أن تفتح نقاشاً أوسع حول موقع الدول العربية داخل الاقتصاد الرقمي العالمي.
وأكد أن التحدي لم يعد يكمن فقط في إنتاج المحتوى، بل في امتلاك الأدوات التي تسمح بتوزيعه واستثماره وضمان استمرار عوائده الاقتصادية والاستراتيجية.
كما شدد على أن التنافس الإعلامي الدولي أصبح مرتبطاً بالقدرة على التحكم في مسارات وصول الرسائل إلى الجمهور، وليس فقط بإنتاجها داخل المؤسسات الإعلامية.
ويأتي هذا الطرح في وقت تتزايد فيه المنافسة بين الدول على استخدام الثقافة والإعلام والمنصات الرقمية في بناء صورتها وتعزيز حضورها الدولي، ما يجعل الاستثمار في المحتوى جزءاً متزايد الأهمية من استراتيجيات القوة الناعمة.
الرئيسية

















