رجال يرحلون… لكنهم لا يغادرون الذاكرة
هناك رجال تنتهي حياتهم، لكن حضورهم لا ينتهي. يرحلون عن الدنيا، وتبقى أسماؤهم مرتبطة بمحطات سياسية ومؤسساتية واجتماعية يصعب فهمها دون العودة إلى أدوارهم ومواقفهم.
وعبد الحق التازي واحد من هؤلاء.
فحين نستحضر مسيرته، لا نكون أمام سيرة رجل جمع بين مسؤوليات مختلفة فحسب، بل أمام تجربة تختزل جانباً من تاريخ المغرب بعد الاستقلال؛ ذلك التاريخ الذي امتزجت فيه معركة بناء الدولة بمعركة التنمية، وتداخلت فيه المسؤولية الحكومية مع العمل الحزبي، وكانت السياسة، بالنسبة إلى جيل كامل، التزاماً يتجاوز المنافسة على المواقع.
ولعل الإنصاف الحقيقي لهذا الرجل لا يتحقق بالاكتفاء بتعداد مناصبه، أو الإشادة بخصاله، وإنما بمحاولة فهم ما مثّله من نموذج سياسي ومؤسساتي، وما يمكن للأجيال الجديدة أن تستخلصه من تجربته.
فالذاكرة الوطنية لا تُبنى فقط من الأحداث الكبرى، بل أيضاً من مسارات الرجال والنساء الذين ساهموا، كلٌّ من موقعه، في صنع تلك الأحداث.
من الأرض بدأت الحكاية
في السنوات الأولى للاستقلال، كان المغرب يواجه تحدياً أساسياً: كيف ينتقل من استرجاع السيادة إلى بناء اقتصاد قادر على تلبية حاجيات المجتمع؟
كانت الفلاحة والعالم القروي في صميم هذا الرهان، باعتبارهما مجالين يرتبط بهما عيش فئات واسعة من المغاربة.
ومن هذا الباب دخل عبد الحق التازي إلى العمل الوطني، بصفته واحداً من جيل المهندسين الفلاحيين الذين انشغلوا بتطوير الإنتاج وتجديد العالم القروي.
ولم تكن الأرض، في هذا التصور، مجرد مساحة للزراعة أو مصدراً للثروة، بل كانت جزءاً من معركة أوسع عنوانها بناء الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي.
هنا تتجلى إحدى الخصائص اللافتة في مسيرته: الانتقال من المعرفة التقنية إلى الاهتمام بالشأن العام.
ذلك أن التنمية لا تتحقق بالخبرة وحدها، كما أن السياسة التي تنفصل عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي تفقد تدريجياً قدرتها على التأثير.
ومن العمل الفلاحي، انتقل التازي إلى العمل السياسي والتنظيمي والجماعي، فبرز داخل الشبيبة الاستقلالية، وتحمّل مسؤوليات محلية بمدينة فاس، كما تولى رئاسة جمعية المستشارين الجماعيين الاستقلاليين.
وكان هذا المسار تعبيراً عن قناعة بأن العمل الوطني لا يبدأ بالضرورة من العاصمة أو من المناصب العليا، بل يمكن أن ينطلق من القرب من المواطنين والإنصات إلى احتياجاتهم اليومية.
السياسة بوصفها مدرسة للمبادئ
داخل حزب الاستقلال، انتمى عبد الحق التازي إلى مدرسة سياسية تشكلت في أحضان الحركة الوطنية، وتغذت من النقاش الفكري والتنظيمي حول مستقبل المغرب.
وقد عمل إلى جانب أسماء بارزة، من بينها علال الفاسي، وعبد الخالق الطريس، وأبو بكر القادري، ومحمد بوستة، وعبد الكريم غلاب، ومحمد الدويري.
ولم تكن تلك المرحلة مجرد تنافس حزبي تقليدي؛ فقد كان النقاش السياسي مرتبطاً بأسئلة الدولة والمؤسسات والتنمية والتوازن بين الاستمرارية والإصلاح.
وفي هذا المناخ، تبلورت شخصية التازي السياسية، التي جمعت، وفق ما تعكسه مسيرته، بين الانضباط التنظيمي والقدرة على التفاوض والتمسك بالمواقف.
وهنا تبرز مسألة تستحق التأمل اليوم: هل ما زالت الأحزاب المغربية تؤدي دور المدارس السياسية التي تكوّن الأطر وتنتج الأفكار، أم أصبحت، في حالات كثيرة، مجرد آليات لتدبير الترشيحات والمواقع؟
إن استحضار تجربة عبد الحق التازي لا ينبغي أن يتحول إلى حنين غير نقدي للماضي، بل إلى مناسبة لطرح هذا السؤال على حاضرنا السياسي.
فالأحزاب لا تقاس فقط بعدد مقاعدها، وإنما أيضاً بقدرتها على تكوين أجيال جديدة من المسؤولين القادرين على التفكير والاقتراح وتحمل المسؤولية.
رجل الدولة… ورجل المعارضة
من المحطات المهمة في مسيرة عبد الحق التازي أنه عرف العمل الحكومي كما عرف العمل البرلماني المعارض.
فقد تحمل مسؤوليات وزارية في مجالات تكوين الأطر والتخطيط والشؤون الخارجية، كما تولى الأمانة العامة للمجلس الأعلى للماء، الذي أُحدث في أبريل 1981 في عهد الملك الحسن الثاني، وأسهم في إعداد تشريعات مرتبطة بهذا القطاع الحيوي.
ولعل الاشتغال المبكر على قضية الماء يكتسب اليوم دلالة خاصة، في وقت أصبحت فيه السيادة المائية واحدة من أبرز التحديات الاستراتيجية للمغرب.
لكن المسار الحكومي لم يكن الوجه الوحيد لتجربته.
فقد كان أيضاً برلمانياً ورئيساً للفريق الاستقلالي، ومن الوجوه البارزة في المعارضة السياسية.
وفي سنة 1990، برز اسمه ضمن المساهمين في إعداد ملتمس الرقابة الشهير وتقديمه باسم مكونات المعارضة.
كانت تلك محطة سياسية مهمة في تاريخ العمل البرلماني المغربي، لأنها جسدت ممارسة المعارضة لدورها المؤسساتي في مساءلة الحكومة ومناقشة اختياراتها.
كما ساهم التازي، من داخل الهيئة العليا للكتلة الديمقراطية، في إعداد مذكرات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي المرفوعة إلى الملك الحسن الثاني.
والدرس هنا يتجاوز الشخص نفسه.
فالمسؤول السياسي يمكن أن يكون رجل دولة حين يتحمل السلطة، وأن يظل كذلك حين يمارس المعارضة، إذا اعتبر أن المصلحة العامة أكبر من الموقع الذي يشغله.
فالمعارضة ليست خصومة مع الدولة، كما أن المشاركة في الحكومة لا تعني التخلي عن النقد.
الاقتصاد والصحافة… وجوه أخرى للعمل الوطني
لم يحصر عبد الحق التازي نشاطه في المؤسسات السياسية.
فقد ترأس الاتحاد العام للتجارة والصناعة، وساهم في تأسيس الاتحاد العام للمقاولات والمهن، كما ارتبط اسمه بدعم تنظيمات مهنية ونقابية وفلاحية ومبادرات للمقاولين الشباب.
وامتد اهتمامه إلى الصحافة والنشر والتوزيع، حيث كان من مؤسسي ومسيري شركة «سبريس» لتوزيع الصحف الوطنية، وارتبط بتطوير مؤسسات من بينها «ورق بريس» وشركة «الرسالة».
وتكتسب هذه المحطة أهميتها من الدور الذي لعبه النشر وتوزيع الصحف في الحياة الثقافية والسياسية المغربية.
ففي زمن لم تكن فيه المنصات الرقمية ولا شبكات التواصل الاجتماعي، كان وصول الصحيفة إلى القارئ جزءاً أساسياً من وصول الأفكار والمعلومات إلى المجتمع.
كما امتدت أنشطته الاقتصادية إلى بلدان إفريقية، في مرحلة كانت فيها المقاولات المغربية تبحث عن توسيع حضورها خارج الحدود الوطنية.
وهذا التنوع يكشف عن تصور للعمل العام لا يفصل بالضرورة بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والمجتمع.
لكن قيمته الحقيقية تكمن في ما يطرحه من سؤال راهن: كيف يمكن تحويل الخبرة والعلاقات والمؤسسات إلى أدوات لإنتاج قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة؟
فالمسؤولية العامة لا تكتمل بمجرد امتلاك المبادرة، وإنما بقدرتها على إحداث أثر يستمر بعد أصحابها.
حين تصبح القيم أهم من المناصب
في سنة 2015، صدرت مذكرات عبد الحق التازي بعنوان «في النضال الوطني السياسي والدبلوماسي».
وفيها ترك شهادة شخصية تختصر جانباً من فلسفته في الحياة والعمل، حين ربط الثقة السياسية والإنسانية بالصدق مع النفس والآخرين، وبالالتزام بالمبادئ والقيم.
وقد عبّر، بعد مسيرة سياسية تجاوزت نصف قرن، عن شعوره براحة الضمير تجاه ما قدمه لوطنه ولحزبه.
إنها عبارة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل معنى عميقاً.
ففي نهاية المسارات الطويلة، لا يبقى عدد المناصب هو المعيار الوحيد لتقييم الإنسان، ولا تكفي الألقاب الرسمية لاختصار تاريخه.
تبقى أيضاً الأسئلة التي يطرحها الضمير: هل كان أميناً لقناعاته؟ هل أدى واجبه؟ هل أسهم في بناء شيء يتجاوز حضوره الشخصي؟ وهل ترك لمن بعده ما يستحق أن يُصان ويُطوَّر؟
ولا يعني هذا أن الشخصيات التاريخية ينبغي أن تكون خارج النقد أو المراجعة.
على العكس، فإن احترام الذاكرة يقتضي قراءتها بإنصاف، بعيداً عن التقديس كما عن التجريح.
فكل تجربة سياسية تنتمي إلى سياقها، وتحمل نجاحاتها وحدودها وتناقضاتها. غير أن الاعتراف بهذا التعقيد لا يمنع تقدير ما قدمه أصحابها من جهود.
الوفاء للذاكرة… مسؤولية تجاه المستقبل
إن استحضار عبد الحق التازي اليوم ليس مجرد تمرين في التأبين، ولا محاولة لإضافة اسم إلى سجل الشخصيات الوطنية.
إنه دعوة إلى إعادة الاعتبار لفكرة العمل السياسي باعتباره مسؤولية مستمرة، لا مجرد محطة انتخابية أو منصباً عابراً.
لقد عرف الرجل مواقع السلطة ومواقع المعارضة، واشتغل في الاقتصاد والصحافة والمجتمع المدني، وظل مرتبطاً بتجربة حزبية امتدت عبر تحولات عميقة في تاريخ المغرب.
ومن هذه المسيرة يمكن استخلاص درس يتجاوز الانتماء الحزبي: الأوطان لا تُبنى بالخطابات وحدها، بل بتراكم العمل، وصلابة المؤسسات، واستمرارية الالتزام.
ولعل ما نحتاج إليه اليوم ليس فقط الاحتفاء برجال الماضي، وإنما استعادة بعض الأسئلة التي حملوها: كيف نكوّن النخب؟ كيف نربط السياسة بالتنمية؟ كيف نجعل المؤسسات فضاءً للمسؤولية والمحاسبة؟ وكيف نترك للأجيال القادمة بلداً أكثر قدرة على مواجهة تحدياته؟
لقد رحل عبد الحق التازي، لكن مسيرته تظل جزءاً من التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي المغربي.
رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته.
فالرجال قد يرحلون، لكن الأثر الصادق يبقى. والوفاء الحقيقي لذكراهم لا يكون فقط بما نقوله عنهم، بل أيضاً بما نتعلمه من حياتهم.
وعبد الحق التازي واحد من هؤلاء.
فحين نستحضر مسيرته، لا نكون أمام سيرة رجل جمع بين مسؤوليات مختلفة فحسب، بل أمام تجربة تختزل جانباً من تاريخ المغرب بعد الاستقلال؛ ذلك التاريخ الذي امتزجت فيه معركة بناء الدولة بمعركة التنمية، وتداخلت فيه المسؤولية الحكومية مع العمل الحزبي، وكانت السياسة، بالنسبة إلى جيل كامل، التزاماً يتجاوز المنافسة على المواقع.
ولعل الإنصاف الحقيقي لهذا الرجل لا يتحقق بالاكتفاء بتعداد مناصبه، أو الإشادة بخصاله، وإنما بمحاولة فهم ما مثّله من نموذج سياسي ومؤسساتي، وما يمكن للأجيال الجديدة أن تستخلصه من تجربته.
فالذاكرة الوطنية لا تُبنى فقط من الأحداث الكبرى، بل أيضاً من مسارات الرجال والنساء الذين ساهموا، كلٌّ من موقعه، في صنع تلك الأحداث.
من الأرض بدأت الحكاية
في السنوات الأولى للاستقلال، كان المغرب يواجه تحدياً أساسياً: كيف ينتقل من استرجاع السيادة إلى بناء اقتصاد قادر على تلبية حاجيات المجتمع؟
كانت الفلاحة والعالم القروي في صميم هذا الرهان، باعتبارهما مجالين يرتبط بهما عيش فئات واسعة من المغاربة.
ومن هذا الباب دخل عبد الحق التازي إلى العمل الوطني، بصفته واحداً من جيل المهندسين الفلاحيين الذين انشغلوا بتطوير الإنتاج وتجديد العالم القروي.
ولم تكن الأرض، في هذا التصور، مجرد مساحة للزراعة أو مصدراً للثروة، بل كانت جزءاً من معركة أوسع عنوانها بناء الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي.
هنا تتجلى إحدى الخصائص اللافتة في مسيرته: الانتقال من المعرفة التقنية إلى الاهتمام بالشأن العام.
ذلك أن التنمية لا تتحقق بالخبرة وحدها، كما أن السياسة التي تنفصل عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي تفقد تدريجياً قدرتها على التأثير.
ومن العمل الفلاحي، انتقل التازي إلى العمل السياسي والتنظيمي والجماعي، فبرز داخل الشبيبة الاستقلالية، وتحمّل مسؤوليات محلية بمدينة فاس، كما تولى رئاسة جمعية المستشارين الجماعيين الاستقلاليين.
وكان هذا المسار تعبيراً عن قناعة بأن العمل الوطني لا يبدأ بالضرورة من العاصمة أو من المناصب العليا، بل يمكن أن ينطلق من القرب من المواطنين والإنصات إلى احتياجاتهم اليومية.
السياسة بوصفها مدرسة للمبادئ
داخل حزب الاستقلال، انتمى عبد الحق التازي إلى مدرسة سياسية تشكلت في أحضان الحركة الوطنية، وتغذت من النقاش الفكري والتنظيمي حول مستقبل المغرب.
وقد عمل إلى جانب أسماء بارزة، من بينها علال الفاسي، وعبد الخالق الطريس، وأبو بكر القادري، ومحمد بوستة، وعبد الكريم غلاب، ومحمد الدويري.
ولم تكن تلك المرحلة مجرد تنافس حزبي تقليدي؛ فقد كان النقاش السياسي مرتبطاً بأسئلة الدولة والمؤسسات والتنمية والتوازن بين الاستمرارية والإصلاح.
وفي هذا المناخ، تبلورت شخصية التازي السياسية، التي جمعت، وفق ما تعكسه مسيرته، بين الانضباط التنظيمي والقدرة على التفاوض والتمسك بالمواقف.
وهنا تبرز مسألة تستحق التأمل اليوم: هل ما زالت الأحزاب المغربية تؤدي دور المدارس السياسية التي تكوّن الأطر وتنتج الأفكار، أم أصبحت، في حالات كثيرة، مجرد آليات لتدبير الترشيحات والمواقع؟
إن استحضار تجربة عبد الحق التازي لا ينبغي أن يتحول إلى حنين غير نقدي للماضي، بل إلى مناسبة لطرح هذا السؤال على حاضرنا السياسي.
فالأحزاب لا تقاس فقط بعدد مقاعدها، وإنما أيضاً بقدرتها على تكوين أجيال جديدة من المسؤولين القادرين على التفكير والاقتراح وتحمل المسؤولية.
رجل الدولة… ورجل المعارضة
من المحطات المهمة في مسيرة عبد الحق التازي أنه عرف العمل الحكومي كما عرف العمل البرلماني المعارض.
فقد تحمل مسؤوليات وزارية في مجالات تكوين الأطر والتخطيط والشؤون الخارجية، كما تولى الأمانة العامة للمجلس الأعلى للماء، الذي أُحدث في أبريل 1981 في عهد الملك الحسن الثاني، وأسهم في إعداد تشريعات مرتبطة بهذا القطاع الحيوي.
ولعل الاشتغال المبكر على قضية الماء يكتسب اليوم دلالة خاصة، في وقت أصبحت فيه السيادة المائية واحدة من أبرز التحديات الاستراتيجية للمغرب.
لكن المسار الحكومي لم يكن الوجه الوحيد لتجربته.
فقد كان أيضاً برلمانياً ورئيساً للفريق الاستقلالي، ومن الوجوه البارزة في المعارضة السياسية.
وفي سنة 1990، برز اسمه ضمن المساهمين في إعداد ملتمس الرقابة الشهير وتقديمه باسم مكونات المعارضة.
كانت تلك محطة سياسية مهمة في تاريخ العمل البرلماني المغربي، لأنها جسدت ممارسة المعارضة لدورها المؤسساتي في مساءلة الحكومة ومناقشة اختياراتها.
كما ساهم التازي، من داخل الهيئة العليا للكتلة الديمقراطية، في إعداد مذكرات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي المرفوعة إلى الملك الحسن الثاني.
والدرس هنا يتجاوز الشخص نفسه.
فالمسؤول السياسي يمكن أن يكون رجل دولة حين يتحمل السلطة، وأن يظل كذلك حين يمارس المعارضة، إذا اعتبر أن المصلحة العامة أكبر من الموقع الذي يشغله.
فالمعارضة ليست خصومة مع الدولة، كما أن المشاركة في الحكومة لا تعني التخلي عن النقد.
الاقتصاد والصحافة… وجوه أخرى للعمل الوطني
لم يحصر عبد الحق التازي نشاطه في المؤسسات السياسية.
فقد ترأس الاتحاد العام للتجارة والصناعة، وساهم في تأسيس الاتحاد العام للمقاولات والمهن، كما ارتبط اسمه بدعم تنظيمات مهنية ونقابية وفلاحية ومبادرات للمقاولين الشباب.
وامتد اهتمامه إلى الصحافة والنشر والتوزيع، حيث كان من مؤسسي ومسيري شركة «سبريس» لتوزيع الصحف الوطنية، وارتبط بتطوير مؤسسات من بينها «ورق بريس» وشركة «الرسالة».
وتكتسب هذه المحطة أهميتها من الدور الذي لعبه النشر وتوزيع الصحف في الحياة الثقافية والسياسية المغربية.
ففي زمن لم تكن فيه المنصات الرقمية ولا شبكات التواصل الاجتماعي، كان وصول الصحيفة إلى القارئ جزءاً أساسياً من وصول الأفكار والمعلومات إلى المجتمع.
كما امتدت أنشطته الاقتصادية إلى بلدان إفريقية، في مرحلة كانت فيها المقاولات المغربية تبحث عن توسيع حضورها خارج الحدود الوطنية.
وهذا التنوع يكشف عن تصور للعمل العام لا يفصل بالضرورة بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والمجتمع.
لكن قيمته الحقيقية تكمن في ما يطرحه من سؤال راهن: كيف يمكن تحويل الخبرة والعلاقات والمؤسسات إلى أدوات لإنتاج قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة؟
فالمسؤولية العامة لا تكتمل بمجرد امتلاك المبادرة، وإنما بقدرتها على إحداث أثر يستمر بعد أصحابها.
حين تصبح القيم أهم من المناصب
في سنة 2015، صدرت مذكرات عبد الحق التازي بعنوان «في النضال الوطني السياسي والدبلوماسي».
وفيها ترك شهادة شخصية تختصر جانباً من فلسفته في الحياة والعمل، حين ربط الثقة السياسية والإنسانية بالصدق مع النفس والآخرين، وبالالتزام بالمبادئ والقيم.
وقد عبّر، بعد مسيرة سياسية تجاوزت نصف قرن، عن شعوره براحة الضمير تجاه ما قدمه لوطنه ولحزبه.
إنها عبارة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل معنى عميقاً.
ففي نهاية المسارات الطويلة، لا يبقى عدد المناصب هو المعيار الوحيد لتقييم الإنسان، ولا تكفي الألقاب الرسمية لاختصار تاريخه.
تبقى أيضاً الأسئلة التي يطرحها الضمير: هل كان أميناً لقناعاته؟ هل أدى واجبه؟ هل أسهم في بناء شيء يتجاوز حضوره الشخصي؟ وهل ترك لمن بعده ما يستحق أن يُصان ويُطوَّر؟
ولا يعني هذا أن الشخصيات التاريخية ينبغي أن تكون خارج النقد أو المراجعة.
على العكس، فإن احترام الذاكرة يقتضي قراءتها بإنصاف، بعيداً عن التقديس كما عن التجريح.
فكل تجربة سياسية تنتمي إلى سياقها، وتحمل نجاحاتها وحدودها وتناقضاتها. غير أن الاعتراف بهذا التعقيد لا يمنع تقدير ما قدمه أصحابها من جهود.
الوفاء للذاكرة… مسؤولية تجاه المستقبل
إن استحضار عبد الحق التازي اليوم ليس مجرد تمرين في التأبين، ولا محاولة لإضافة اسم إلى سجل الشخصيات الوطنية.
إنه دعوة إلى إعادة الاعتبار لفكرة العمل السياسي باعتباره مسؤولية مستمرة، لا مجرد محطة انتخابية أو منصباً عابراً.
لقد عرف الرجل مواقع السلطة ومواقع المعارضة، واشتغل في الاقتصاد والصحافة والمجتمع المدني، وظل مرتبطاً بتجربة حزبية امتدت عبر تحولات عميقة في تاريخ المغرب.
ومن هذه المسيرة يمكن استخلاص درس يتجاوز الانتماء الحزبي: الأوطان لا تُبنى بالخطابات وحدها، بل بتراكم العمل، وصلابة المؤسسات، واستمرارية الالتزام.
ولعل ما نحتاج إليه اليوم ليس فقط الاحتفاء برجال الماضي، وإنما استعادة بعض الأسئلة التي حملوها: كيف نكوّن النخب؟ كيف نربط السياسة بالتنمية؟ كيف نجعل المؤسسات فضاءً للمسؤولية والمحاسبة؟ وكيف نترك للأجيال القادمة بلداً أكثر قدرة على مواجهة تحدياته؟
لقد رحل عبد الحق التازي، لكن مسيرته تظل جزءاً من التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي المغربي.
رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته.
فالرجال قد يرحلون، لكن الأثر الصادق يبقى. والوفاء الحقيقي لذكراهم لا يكون فقط بما نقوله عنهم، بل أيضاً بما نتعلمه من حياتهم.
الرئيسية















