وقد تلا الرسالة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، في أجواء روحانية مفعمة بالدعاء والتوجيه، قبل انطلاق الرحلة الأولى للحجاج، في إطار العناية الخاصة التي يوليها أمير المؤمنين لشؤون الحجاج المغاربة وضمان أداء هذه الشعيرة في أفضل الظروف.
وتحمل الرسالة الملكية في مضمونها أبعادا دينية وروحية وتنظيمية متعددة، حيث توجه جلالته إلى الحجاج والحاجات الميامين، مذكّرا إياهم بمقاصد الحج وأبعاده الإيمانية، وبأهمية الاستعداد الروحي والسلوكي لهذه الفريضة العظيمة، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بالتوجيهات التنظيمية والصحية خلال أداء المناسك.
وفيما يلي نص الرسالة الملكية كما تم تلاوته :
« الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.
حاجاتنا وحجاجنا الميامين،
أمنكم الله ورعاكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،
إنه لمن دواعي سعادتنا أن نتوجه إلى هذا الفوج من حجاجنا وحاجاتنا الميامين، وإلى جميع الأفواج الأخرى بهذه الرسالة، ونحن نخاطبكم من منطلق الأمانة العظمى التي أناطها الله تعالى بنا، بصفتنا أمير المؤمنين، وهي أمانة حماية شعائر الإسلام. وفي مقدمة هذه الحماية تمكين المؤمنين والمؤمنات من أداء واجباتهم الدينية، لاسيما إذا تعلق الأمر بركن عظيم من أركان الإسلام، مثل الحج.
والغاية من مخاطبتكم، على ما تعودناه، ثمانية مقاصد عملية وشرعية وروحية، يتوقف عليها الأداء الصحيح للحج؛ لأن الحج نسك بين الحاج وربه، يتوقف على القبول من الله تعالى، ومما يؤهل للقبول الحالة الروحية التي يعيشها الحجاج والحاجات في رحلة الحج، ولا سيما عند أداء المناسك، لأن وقت الحج وقت روحي يتطلب الاستغراق في التوجه والدعاء إلى الله في طلب القبول، وما وعد به سبحانه من المغفرة والرضوان.
أما مقاصد هذه الرسالة فهي ثمانية :
أولها : التوجه إلى القاصدين لأداء الحج بالتهنئة والتبريك على ما منّ به الله عليهم من أداء فريضة الحج هذه السنة، مشاطرين إياهم مشاعرهم، وكلهم شوق إلى تلك البقاع المقدسة، وزيارة الروضة النبوية الشريفة، قبر جدنا المصطفى عليه أزكى الصلاة والسلام، سائلين الله العلي القدير أن يتقبل مناسكهم، ويحقق رجاءهم، ويستجيب دعواتهم، ويتم نعمته عليهم، وأن يعودوا إلى وطنهم سالمين غانمين، إنه سميع مجيب.
وثاني هذه المقاصد: الإشارة إلى أننا قد يسرنا لحجاجنا، والحمد لله، شروط القيام بالشعائر بما أصدرنا من تعليماتنا لوزيرنا في الأوقاف والشؤون الإسلامية، من أجل التحضير لهذا الأمر تدبيراً وتنظيماً وتأهيلاً علمياً وتوعيةً روحيةً؛ ذلك لأن أداء ركن الحج يستوجب الاستعداد للسفر والإقامة استعداداً روحياً يتوقف عليه الأداء المطلوب للمناسك، وفق ما جاء من الشروط في الكتاب والسنة. وهذه مسؤولية كل حاجة وكل حاج منكم، لا ينوب فيه أحد عن أحد، ولا يعين عليها إلا الصبر والذكر والخشوع، بحيث لا يغيب القصد ولو لحظة واحدة.
وثالث هذه المقاصد : توجيه النصح للحجاج بأن يحرصوا على أداء مناسكهم بأركانها وواجباتها وسننها ومستحباتها، وعلى ألا يمر وقت من أوقاتهم الثمينة إلا وهم في دعاء واستغفار وذكر وابتهال، ليفوزوا بما وعد الله به المؤمنين من جزاء على أداء الحج المبرور، مصداقاً لقوله عليه الصلاة والسلام: « الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ».
والمقصد الرابع : هو النصيحة بالحرص الدائم على استحضار الله تعالى فيما أنتم مقبلون عليه، وأنتم ترددون « لبيك اللهم لبيك »، نهيب بكم ألا يفوتكم استحضار حرصنا الدائم على رعاية المقدسات الدينية، حرصاً مقترناً بالحرص على صيانة هويتنا الوطنية، لا سيما في سماتها الأخلاقية، وذلك بأن تكونوا متحلين بقيم الإسلام المثلى، من أخوة صادقة، وتسامح شامل، وصبر جميل، وتضامن فعال، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب﴾.
والمقصد الخامس : هو التوجيه باحترام ترتيبات الحج؛ فأنتم تعلمون، رعاكم الله، أن أداء فريضة الحج، بما تعنيه من أداء المناسك والوقوف بالمشاعر والتنقل بين البقاع المقدسة، يتطلب المعرفة بالأركان والواجبات والسنن، كما يتطلب منكم احترام الترتيبات والتوجيهات التي وضعتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، حرصاً منها على توفير شروط راحتكم في الحل والترحال، وتمكينكم من الأداء الأمثل لمناسككم، بفضل ما وفرته لأفواجكم في الديار المقدسة من أطر متعددة الاختصاص، ترافقكم منذ مغادرتكم أرض الوطن وإلى عودتكم، من فقيهات وفقهاء موجهين ومرشدين ومرشدات، وأطباء وطبيبات وممرضين ساهرين على صحتكم، ومن إداريين قائمين على مدار اليوم بتقديم الخدمات الضرورية التي يحتاج إليها حجاجنا في كل حين.
أما المقصد السادس : فهو التنبيه إلى ما يتطلبه القيام بفريضة الحج في تلك البقاع المقدسة من تقيد والتزام بالتدابير التنظيمية التي اتخذتها السلطات المختصة في المملكة العربية السعودية الشقيقة، موفرةً لضيوف الرحمن كل أسباب الاطمئنان، لجعل موسم الحج يتم على ما يتعين أن يكون عليه من نظام وأمن وأمان، بتوجيهات سامية من أخينا الأعز الأكرم، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، عاهل المملكة العربية السعودية، متعه الله بالصحة وطول العمر، وشد أزره بولي عهده أخينا الأعز الأبر، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله وأطال عمره. كما يطيب لنا في هذا المقام أن نعرب عن عميق اعتزازنا وبالغ إشادتنا بالعلاقات الأخوية التي تجمع بين مملكتينا وشعبينا الشقيقين.
حاجاتنا وحجاجنا الميامين،
أما المقصد السابع: فهو تذكيركم، والذكرى تنفع المؤمنين، بأنه بقدر ما يتعين عليكم تمثيل قيم الإسلام المثلى في الاستقامة وحسن المعاملة والتضامن وإخلاص التوجه لله رب العالمين في هذا الموسم العظيم، بقدر ما يتعين عليكم أيضاً تمثيل بلدكم المغرب، وتجسيد حضارته العريقة التي اشتهر بها أسلافنا على مر التاريخ في الوحدة والتلاحم والتشبث بالمقدسات الدينية والوطنية، القائمة على الوسطية والاعتدال والوحدة المذهبية. فكونوا سفراء لبلدكم في الحفاظ على صورته الحضارية المضيئة، واعلموا أن هذه القيم والثوابت هي التي جعلت بلدنا ينعم بالأمن والاستقرار، ويواصل مسيرته الظافرة بقيادتنا الرشيدة نحو المزيد من التقدم والازدهار.
أما المقصد الثامن : فهو أن تذكروا في هذا المقام المهيب، وغيره من المقامات، ولا سيما عند الوقوف بعرفات، ما عليكم من واجب الدعاء لملككم، الساهر على راحتكم وأمنكم ووحدة وطنكم وتنمية مرافق حياتكم، فاسألوا الله تعالى لنا دوام النصر والتأييد، وموصول العمل السديد، وموفور الصحة والعافية لنا ولأسرتنا الشريفة، وأن يرينا في ولي عهدنا صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن ما يسر القلب ويقر العين، وأن يشمل برحمته ورضوانه كلاً من جدنا المقدس ووالدنا المنعم جلالة الملك محمد الخامس وجلالة الملك الحسن الثاني، أكرم الله مثواهما، وأن يحيط بلدنا بحفظه وعنايته ويكلأه بعين رعايته.
لا شك في أنكم تتطلعون إلى تلبية أشواقكم الروحية في هذا الموسم العظيم بالقيام بزيارة المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، والوقوف بكل توقير وخشوع أمام خير الأنام وخاتم الأنبياء والرسل الكرام، جدنا المصطفى عليه الصلاة والسلام.
فاستحضروا، وفقكم الله، ما يقتضيه المقام من خشوع وابتهال وتوقير وإجلال لنبي الرحمة المهداة والنعمة المسداة، رجاء الفوز بما وعد الله به كل من صلى وسلم عليه، حيث قال عليه السلام: « من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشراً ».
وفي كل مقام تمرون به من تلك المقامات الشريفة واللحظات الروحانية الخالصة، لا تنسوا أن تدعوا خير الدعاء لملككم، الساهر على أمنكم وازدهاركم، وعلى وحدة وطنكم وصيانة سيادته وكرامته، وإحلاله المكانة اللائقة به في محيطه الإقليمي وعالمه الإسلامي والدولي.
وختاماً، نعرب لكم، معاشر الحجاج والحاجات الميامين، عن تجديد دعائنا لكم بالحج المبرور، والسعي المشكور، والجزاء الموفور، والعودة إلى دياركم سالمين غانمين.
إنه تعالى على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. »
الرئيسية





















































