كتاب الرأي

​الفنيدق–سبتة: حين يتحول البحر إلى صندوق اقتراع للشباب المنسي


الصور القادمة من مدينة الفنيدق لا تروي فقط فصلاً جديداً من أزمة الهجرة غير النظامية، بل تكشف عن أزمة سياسية أعمق؛ أزمة مسؤولين ظلوا، لسنوات، يتحدثون عن الشباب أكثر مما تحدثوا مع الشباب، ويعدون بالتشغيل دون أن يغيروا الآليات التي تنتج الإقصاء، ويتعاملون مع الهجرة السرية باعتبارها تحدياً أمنياً، بينما هي في جوهرها تعبير عن أزمة اجتماعية وتنموية متراكمة.



عندما يصوّت الشباب بأقدامهم... وأحياناً سباحةً

منذ 30 يوليوز، تدفقت أعداد كبيرة من الأشخاص نحو الفنيدق في محاولة للوصول إلى مدينة سبتة المحتلة، سباحةً أو عبر الالتفاف على الحواجز الحدودية. وكالة رويترز أكدت أن السلطات المغربية عززت انتشارها الأمني وأحبطت عدداً كبيراً من المحاولات، بينما تحدث التلفزيون الإسباني في حصيلة أولية عن دخول ما بين ألفين وثلاثة آلاف شخص إلى سبتة. وفي وقت لاحق، نقلت وسائل إعلام أخرى، استناداً إلى معطيات من وزارة الداخلية الإسبانية، أرقاماً قاربت 49 ألف حالة عبور خلال أربع وعشرين ساعة.

ويبقى هذا الرقم بحاجة إلى تدقيق رسمي، لكنه يعكس، في جميع الأحوال، حجماً غير مسبوق للضغط الذي عرفته المنطقة، ويؤكد أن ما حدث لم يعد مجرد حادث حدودي عابر، بل تحول إلى حدث دولي استأثر باهتمام كبريات وسائل الإعلام العالمية.

العالم يراقب... والرسالة وصلت

وكالات رويترز وأسوشيتد برس، وقنوات مثل الجزيرة، وصحف الغارديان وإل باييس ولوموند وفايننشال تايمز، جميعها تناولت التطورات بين الفنيدق وسبتة باعتبارها أزمة إنسانية وأمنية وسياسية تستحق المتابعة.

تقارير عديدة تحدثت عن وفيات أثناء محاولات العبور، وعن ضغط غير مسبوق على مراكز الاستقبال داخل سبتة، وعن تعزيز إسبانيا لإجراءاتها الأمنية.

لم تعد القضية شأناً محلياً، بل أصبحت صورة المغرب تُناقش أمام الرأي العام الدولي.

بعد سنتين... الدرس نفسه

الأكثر إثارة للقلق أن أحداً لا يستطيع الادعاء بأن ما وقع كان مفاجئاً.

في شتنبر 2024 شهدت الفنيدق موجة مشابهة بعد دعوات واسعة للهجرة الجماعية عبر شبكات التواصل الاجتماعي. آلاف الشباب حاولوا الوصول إلى سبتة، وتم توقيف عدد كبير منهم، كما اعتُقل أشخاص اتُّهموا بالتحريض والتنظيم.

الرد الأمني كان سريعاً وفعالاً.

لكن ماذا عن الرد السياسي؟

هنا يبدأ النقاش الحقيقي.

ليس الهدف انتقاد الدولة المغربية أو التقليل من الجهود الكبيرة التي بذلتها الأجهزة الأمنية في ظروف معقدة، وإنما مساءلة الأحزاب السياسية، والمنتخبين، والجماعات الترابية، والقطاعات الحكومية، وكل من حول كل أزمة إلى ندوة صحفية، وكل تحذير إلى شعار انتخابي، ثم ترك الواقع كما هو.

الفنيدق سنة 2024 كان ينبغي أن يُقرأ باعتباره إنذاراً استراتيجياً.

أما الفنيدق سنة 2026 فيؤكد أن ذلك الإنذار وُضع في الأرشيف.

شباب "NEET"... ليسوا مجرد أرقام

يضم المغرب حوالي 2.9 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة، لا يدرسون، ولا يشتغلون، ولا يتابعون أي تكوين مهني، أي ما يمثل نحو 33.6 في المائة من هذه الفئة العمرية، بحسب معطيات مشتركة للمندوبية السامية للتخطيط ومنظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي.

لكن هؤلاء ليسوا مجرد نسبة مئوية في تقرير.

إنهم شباب أنهوا دراستهم ولم يجدوا فرصة أولى.

وشباب غادروا المدرسة مبكراً.

وشباب يعيشون في مناطق لا تصلها الاستثمارات ولا فرص الشغل.

ونساء شابات يعملن في الظل دون اعتراف.

وجيل بأكمله يقارن يومياً، عبر هاتفه الذكي، بين ما يراه في أوروبا وما يعيشه في بلده.

يقارن جودة التعليم.

وجودة الصحة.

وفرص العمل.

ومستوى الدخل.

وحرية التنقل.

وحين تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع، يصبح البحر، في نظر البعض، أقل خطراً من الانتظار.

هذا لا يبرر الهجرة غير النظامية، لكنه يساعد على فهم أسبابها.

والسياسات الجادة لا تكتفي بإدانة السلوك، بل تعالج أسبابه.

البرامج الانتخابية... وكأنها كُتبت لبلد آخر

على بُعد أقل من شهرين من الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يحق للمغاربة أن يطرحوا سؤالاً بسيطاً:

كم حزباً سيقدم برنامجاً واضحاً ومفصلاً لمعالجة أزمة شباب "NEET"؟

كم حزباً سيحدد أهدافاً رقمية لكل جهة؟

كم حزباً سيميز بين الخريجين العاطلين، والمنقطعين عن الدراسة، والنساء غير النشيطات، والعاملين في القطاع غير المهيكل، والراغبين في الهجرة؟

كم حزباً سيحدد الميزانية، والجدول الزمني، والمؤشرات التي يمكن للمواطن مراقبتها؟

للأسف، لا تزال معظم البرامج الانتخابية تكتفي بعبارات محفوظة:

"تشغيل الشباب"...

"تكافؤ الفرص"...

"دعم المقاولة"...

"الإدماج"...

عبارات استُهلكت إلى درجة فقدت معناها.

فالوعود التي لا تحمل آجالاً، ولا ميزانيات، ولا مسؤوليات واضحة، ليست برامج سياسية، بل مجرد تصميمات جميلة على الورق.

الأمن يحمي الحدود... والسياسة مطالبة بحماية الأمل

من واجب المغرب حماية حدوده، ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، والتصدي للمحرضين على الهجرة السرية، وتعزيز التعاون مع إسبانيا.

لكن لا توجد قوة أمنية في العالم تستطيع إقناع شاب بالبقاء إذا كان مقتنعاً بأن مستقبله يوجد في الضفة الأخرى.

الأمن يمنع عبوراً اليوم.

أما السياسة، فهي التي يجب أن تمنح سبباً للبقاء غداً.

وهنا تقع المسؤولية الكبرى على الأحزاب السياسية.

لم يعد مقبولاً أن يتحول الشباب إلى صورة في مهرجان خطابي، أو إلى مقطع على "تيك توك"، أو إلى فقرة تقليدية داخل برنامج انتخابي.

الفنيدق تطرح سؤالاً قاسياً:

ماذا تقترحون لمن لم يعد يؤمن بما تقترحونه؟

الديمقراطية تخسر قبل صناديق الاقتراع

في هذه اللحظة، لا ينبغي أن يكون الصراع الحقيقي بين اليمين واليسار، ولا بين الأغلبية والمعارضة.

بل بين البرامج القابلة للقياس، والوعود القابلة للنسيان.

لا يجوز استغلال هذه الأزمة للإساءة إلى صورة المغرب.

لكن من الواجب أن تتحول إلى جرس إنذار يوقظ الطبقة السياسية.

فعندما يختار آلاف الشباب الاتجاه نحو الحدود، فهم لا يحتجون على الحدود فقط.

إنهم يحتجون على فقدان الثقة.

 
وعندما يفضل شاب أن يخاطر بحياته من أجل الرحيل، بدل أن يبقى ليصوت في الانتخابات، فإن الديمقراطية تكون قد خسرت صوتاً... قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع




الجمعة 31 يوليو 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic