الدكتور إدريس قريش
ففي الوقت الذي ينظر فيه البعض إلى هذه الموجات باعتبارها نتيجة طبيعية للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب إلى البحث عن فرص أفضل خارج أوطانهم، تكشف القراءة المتأنية أن الظاهرة أصبحت مرتبطة أيضاً بعوامل جديدة فرضتها الثورة الرقمية، وفي مقدمتها الدور المتنامي لشبكات التواصل الاجتماعي في صناعة الأحلام الجماعية وبيع الأوهام. فقد تحولت بعض المنصات إلى فضاءات لتسويق صورة مثالية عن الحياة في أوروبا، مع إغفال التحديات الحقيقية المرتبطة بالهجرة غير النظامية، الأمر الذي يدفع العديد من الشباب إلى اتخاذ قرارات مصيرية بناءً على معطيات مضللة أو غير مكتملة.
ويتعزز هذا التصور أحياناً بفعل تداول أخبار واجتهادات قانونية وقضائية داخل إسبانيا والاتحاد الأوروبي تُفهم، سواء بشكل صحيح أو خاطئ، على أنها تسهيلات تمنح للمهاجرين بمجرد وصولهم إلى الأراضي الإسبانية. وقد استغلت شبكات الاتجار بالبشر هذه المعطيات للترويج لفكرة أن عبور البحر يشكل بوابة شبه مضمونة للاستقرار في أوروبا، رغم أن الواقع القانوني أكثر تعقيداً ويخضع لشروط وإجراءات دقيقة.
غير أن أهمية هذه الظاهرة لا تكمن فقط في أبعادها الاجتماعية، بل أيضاً في تداعياتها السياسية. فالهجرة تشكل أحد أكثر الملفات حساسية في الساحة السياسية الإسبانية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. ولذلك فإن أي تدفق كبير للمهاجرين نحو سبتة أو السواحل الإسبانية يتحول بسرعة إلى مادة للنقاش السياسي والإعلامي، وإلى ورقة تستثمرها الأحزاب المتنافسة في صراعها على أصوات الناخبين.
ورغم تداول بعض المنابر الإعلامية لأرقام مرتفعة ومبالغ فيها تحدثت عن عشرات الالاف من المهاجرين ، فإن هذه التقديرات تظل محل نقاش وتدقيق .
وفي جميع الأحوال فإن حجم التدفق لا يبدو أنه تجاوز ما شهدته سبتة خلال ازمة 2021 في سياق اتسم بفتور وتوتر واضح في العلاقات المغربية الاسبانية.
وفي خضم الجدل الذي رافق موجات الهجرة نحو سبتة برزت أيضا محاولات لتوظيف الظاهرة في إطار قراءات إيديولوجية تفتقر إلى الأساس الواقعي .
فقد ذهبت بعض الجهات المتأسلمة او المحسوبة على تيار الاسلام السياسي إلى ربط هذه الأحداث بما اعتبرته عقابا امريكيا إسرائيليا لاسبانيا بسبب مواقفها من القضية الفلسطينية . غير ان مثل هذه التفسيرات تبدو بعيدة عن منطق العلاقات الدولية ومن طبيعة التفاعلات الجيوسياسية التي تحكم ملف الهجرة .
فالهجرة غير النظامية ترتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية وأمنية وقانونية معروفة ، كما تتأثر بالسياسات الأوروبية وبنشاط شبكات الاتجار بالبشر، ولايمكن تفسيرها بمنطق المؤامرة او ربطها بكل تطور سياسي مرتبط بفلسطين ، كما ان توظيف هذه القضية المركزية في الوجدان الوطني المغربي لتفسير أحداث لا تجمعها بها علاقة مباشرة يساهم في إضعاف النقاش الجاد وافراغ القضية الفلسطينية من بعدها الاستراتيجي والحقوقي لصالح إيديولوجية ظرفية جامدة .
وفي المقابل، يجد المغرب نفسه أمام تحدي مزدوج يتمثل في مواصلة جهوده التنموية والاجتماعية لفائدة الشباب، وفي الوقت ذاته الاستمرار في أداء دوره كشريك أساسي لأوروبا في مكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات الاتجار بالبشر. وهو دور أصبح يحظى باعتراف متزايد من قبل مختلف الشركاء الدوليين.
غير أن ملف الهجرة لا يمكن فصله عن طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية التي تعد من أكثر العلاقات تعقيداً في الفضاء المتوسطي. فبين البلدين شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية، لكنهما يحملان أيضاً إرثاً من الملفات الحساسة التي لا تزال تلقي بظلالها على هذه العلاقات ، وفي مقدمتها سبتة ومليلية المحتلتين وترسيم المجالات البحرية والتعاون الطاقي وقضايا السيادة المرتبطة باقاليمنا الجنوبية وخاصة الجوية .
وتبقى سبتة ومليلية من أبرز عناوين هذا التعقيد ، فبينما تعتبرهما اسبانيا جزءا من ترابها وتسعى إلى توسيع مظلة الحماية الأمنية لهما وربطهما بشكل أوضح بمنظومة حلف شمال الأطلسي، ينظر المغرب إلى المدينتين باعتبارهما من القضايا التاريخية العالقة المرتبطة باستكمال وحدته الترابية والموثقة بمذكرة قدمها المغرب للأمم المتحدة يوم 17 يناير 1975 .
وفي السنوات الأخيرة برزت عناصر جديدة اعادت تشكيل موازين القوى في المنطقة، فقد نجح المغرب في تعزيز حضوره الدولي من خلال ترسيخ سيادته على أقاليمه الجنوبية وإطلاق مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات الطاقة والبنيات التحتية والاقتصاد الأزرق فضلا عن تعزيز تموقعه داخل الفضاء الأطلسي الافريقي.
كما شهدت العلاقات المغربية الأمريكية تطورا لافتا جعل المملكة أحد أهم الشركاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة في المنطقة. وقد عزز هذا المسار من مكانة المغرب الدولية ومن قدرته على الدفاع عن مصالحه الاستراتيجية.
وفي المقابل تحاول اسبانيا إدارة معادلة معقدة تجمع بين حاجتها إلى شراكة قوية مع المغرب ورغبتها في الحصول على الغاز الجزائري، حيث ان الجزائر مستعدة لرهن كل ثرواتها الطاقية مقابل ضرب المغرب ومصالحه الاستراتيجية.
ومن بين القضايا التي أثارت نقاشا واسعا خلال المدة الأخيرة المبادرات المتعلقة بمنح الجنسية الاسبانية للذين ازدادوا في الصحراء قبل 1976 ، وهو قرار يحمل دلالات سياسية لايمكن فصلها عن حساسية ملف الصحراء ومكانته المركزية في الوجدان الوطني المغربي .
أن ما يحدث اليوم في سبتة لا يتعلق فقط بالهجرة، بل يعكس بصورة واضحة التحولات العميقة التي تشهدها منطقة غرب المتوسط. فخلف صور المهاجرين تدور معركة أخرى تتعلق بموازين القوى الإقليمية وبمستقبل العلاقات المغربية الاسبانية وبالتحولات التي يعرفها النظام الدولي برمته.
لقد اصبحت سبتة نقطة التقاء لملفات متعددة تبدأ بالهجرة ولا تنتهي عند حدود السيادة والطاقة والتحالفات الدولية.
ومن ثم فإن أي مقاربة جادة لهذه الظاهرة تقتضي تجاوز التفسيرات السطحية والنظر إليها باعتبارها جزءا من مشهد استراتيجي أوسع يعاد فيه رسم النوازنات الإقليمية والدولية.
وهي قضية لايمكن عزلها عن مسار التاريخ ولا من التحولات العميقة التي يعرفها النظام الدولي.
وإذا كانت الجغرافية قد فرضت على البلدين ان يكونا جارين فإن المصالح المشتركة والتحديات المتقاسمة تجعل منهما شريكين طبيعيين في بناء فضاء متوسطي أكثر امنا وازدهارا . ومن ثم فإن التسوية السلمية والتدريجية للقضايا العالقة وفي مقدمتها سبتة ومليلية من شأنها أن تفتح صفحة جديدة في العلاقات المغربية الاسبانية، قائمة على الثقة المتبادلة والتعاون وحسن الجوار .
فالمستقبل لاتصنعه النزاعات الموروثة ، بل تبنيه الإرادة السياسية والرؤية المشتركة .
ومن هذا المنطلق فإن استرجاع سبتة ومليلية والجزر الجعفرية إلى الوطن الأم في إطار الشرعية والحوار والتفاهم لا ينبغي أن ينظر إليه كخسارة لأي طرف ، بل كفرصة تاريخية لإرساء علاقات أخوية متينة ودائمة بين الشعبين المغربي والإسباني ، علاقات تبشر بمستقبل من الخير المشترك والازدهار المتبادل والاستقرار الاقليمي .
وفي خضم هذه التحولات يواصل المغرب تعزيز تموقعه كفاعل إقليمي صاعد وشريك دولي موثوق ، مستندا إلى استقرار مؤسساته ووضوح رؤيته الاستراتيجية وتنامي حضوره داخل مختلف دوائر القرار الدولي . وهي معطيات تجعل من المملكة طرفا أساسيا في أي معادلة مستقبلية تخص أمن واستقرار وتنمية الضفة الغربية المتوسطية ومنطقة الساحل والصحراء.
ويتعزز هذا التصور أحياناً بفعل تداول أخبار واجتهادات قانونية وقضائية داخل إسبانيا والاتحاد الأوروبي تُفهم، سواء بشكل صحيح أو خاطئ، على أنها تسهيلات تمنح للمهاجرين بمجرد وصولهم إلى الأراضي الإسبانية. وقد استغلت شبكات الاتجار بالبشر هذه المعطيات للترويج لفكرة أن عبور البحر يشكل بوابة شبه مضمونة للاستقرار في أوروبا، رغم أن الواقع القانوني أكثر تعقيداً ويخضع لشروط وإجراءات دقيقة.
غير أن أهمية هذه الظاهرة لا تكمن فقط في أبعادها الاجتماعية، بل أيضاً في تداعياتها السياسية. فالهجرة تشكل أحد أكثر الملفات حساسية في الساحة السياسية الإسبانية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. ولذلك فإن أي تدفق كبير للمهاجرين نحو سبتة أو السواحل الإسبانية يتحول بسرعة إلى مادة للنقاش السياسي والإعلامي، وإلى ورقة تستثمرها الأحزاب المتنافسة في صراعها على أصوات الناخبين.
ورغم تداول بعض المنابر الإعلامية لأرقام مرتفعة ومبالغ فيها تحدثت عن عشرات الالاف من المهاجرين ، فإن هذه التقديرات تظل محل نقاش وتدقيق .
وفي جميع الأحوال فإن حجم التدفق لا يبدو أنه تجاوز ما شهدته سبتة خلال ازمة 2021 في سياق اتسم بفتور وتوتر واضح في العلاقات المغربية الاسبانية.
وفي خضم الجدل الذي رافق موجات الهجرة نحو سبتة برزت أيضا محاولات لتوظيف الظاهرة في إطار قراءات إيديولوجية تفتقر إلى الأساس الواقعي .
فقد ذهبت بعض الجهات المتأسلمة او المحسوبة على تيار الاسلام السياسي إلى ربط هذه الأحداث بما اعتبرته عقابا امريكيا إسرائيليا لاسبانيا بسبب مواقفها من القضية الفلسطينية . غير ان مثل هذه التفسيرات تبدو بعيدة عن منطق العلاقات الدولية ومن طبيعة التفاعلات الجيوسياسية التي تحكم ملف الهجرة .
فالهجرة غير النظامية ترتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية وأمنية وقانونية معروفة ، كما تتأثر بالسياسات الأوروبية وبنشاط شبكات الاتجار بالبشر، ولايمكن تفسيرها بمنطق المؤامرة او ربطها بكل تطور سياسي مرتبط بفلسطين ، كما ان توظيف هذه القضية المركزية في الوجدان الوطني المغربي لتفسير أحداث لا تجمعها بها علاقة مباشرة يساهم في إضعاف النقاش الجاد وافراغ القضية الفلسطينية من بعدها الاستراتيجي والحقوقي لصالح إيديولوجية ظرفية جامدة .
وفي المقابل، يجد المغرب نفسه أمام تحدي مزدوج يتمثل في مواصلة جهوده التنموية والاجتماعية لفائدة الشباب، وفي الوقت ذاته الاستمرار في أداء دوره كشريك أساسي لأوروبا في مكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات الاتجار بالبشر. وهو دور أصبح يحظى باعتراف متزايد من قبل مختلف الشركاء الدوليين.
غير أن ملف الهجرة لا يمكن فصله عن طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية التي تعد من أكثر العلاقات تعقيداً في الفضاء المتوسطي. فبين البلدين شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية، لكنهما يحملان أيضاً إرثاً من الملفات الحساسة التي لا تزال تلقي بظلالها على هذه العلاقات ، وفي مقدمتها سبتة ومليلية المحتلتين وترسيم المجالات البحرية والتعاون الطاقي وقضايا السيادة المرتبطة باقاليمنا الجنوبية وخاصة الجوية .
وتبقى سبتة ومليلية من أبرز عناوين هذا التعقيد ، فبينما تعتبرهما اسبانيا جزءا من ترابها وتسعى إلى توسيع مظلة الحماية الأمنية لهما وربطهما بشكل أوضح بمنظومة حلف شمال الأطلسي، ينظر المغرب إلى المدينتين باعتبارهما من القضايا التاريخية العالقة المرتبطة باستكمال وحدته الترابية والموثقة بمذكرة قدمها المغرب للأمم المتحدة يوم 17 يناير 1975 .
وفي السنوات الأخيرة برزت عناصر جديدة اعادت تشكيل موازين القوى في المنطقة، فقد نجح المغرب في تعزيز حضوره الدولي من خلال ترسيخ سيادته على أقاليمه الجنوبية وإطلاق مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات الطاقة والبنيات التحتية والاقتصاد الأزرق فضلا عن تعزيز تموقعه داخل الفضاء الأطلسي الافريقي.
كما شهدت العلاقات المغربية الأمريكية تطورا لافتا جعل المملكة أحد أهم الشركاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة في المنطقة. وقد عزز هذا المسار من مكانة المغرب الدولية ومن قدرته على الدفاع عن مصالحه الاستراتيجية.
وفي المقابل تحاول اسبانيا إدارة معادلة معقدة تجمع بين حاجتها إلى شراكة قوية مع المغرب ورغبتها في الحصول على الغاز الجزائري، حيث ان الجزائر مستعدة لرهن كل ثرواتها الطاقية مقابل ضرب المغرب ومصالحه الاستراتيجية.
ومن بين القضايا التي أثارت نقاشا واسعا خلال المدة الأخيرة المبادرات المتعلقة بمنح الجنسية الاسبانية للذين ازدادوا في الصحراء قبل 1976 ، وهو قرار يحمل دلالات سياسية لايمكن فصلها عن حساسية ملف الصحراء ومكانته المركزية في الوجدان الوطني المغربي .
أن ما يحدث اليوم في سبتة لا يتعلق فقط بالهجرة، بل يعكس بصورة واضحة التحولات العميقة التي تشهدها منطقة غرب المتوسط. فخلف صور المهاجرين تدور معركة أخرى تتعلق بموازين القوى الإقليمية وبمستقبل العلاقات المغربية الاسبانية وبالتحولات التي يعرفها النظام الدولي برمته.
لقد اصبحت سبتة نقطة التقاء لملفات متعددة تبدأ بالهجرة ولا تنتهي عند حدود السيادة والطاقة والتحالفات الدولية.
ومن ثم فإن أي مقاربة جادة لهذه الظاهرة تقتضي تجاوز التفسيرات السطحية والنظر إليها باعتبارها جزءا من مشهد استراتيجي أوسع يعاد فيه رسم النوازنات الإقليمية والدولية.
وهي قضية لايمكن عزلها عن مسار التاريخ ولا من التحولات العميقة التي يعرفها النظام الدولي.
وإذا كانت الجغرافية قد فرضت على البلدين ان يكونا جارين فإن المصالح المشتركة والتحديات المتقاسمة تجعل منهما شريكين طبيعيين في بناء فضاء متوسطي أكثر امنا وازدهارا . ومن ثم فإن التسوية السلمية والتدريجية للقضايا العالقة وفي مقدمتها سبتة ومليلية من شأنها أن تفتح صفحة جديدة في العلاقات المغربية الاسبانية، قائمة على الثقة المتبادلة والتعاون وحسن الجوار .
فالمستقبل لاتصنعه النزاعات الموروثة ، بل تبنيه الإرادة السياسية والرؤية المشتركة .
ومن هذا المنطلق فإن استرجاع سبتة ومليلية والجزر الجعفرية إلى الوطن الأم في إطار الشرعية والحوار والتفاهم لا ينبغي أن ينظر إليه كخسارة لأي طرف ، بل كفرصة تاريخية لإرساء علاقات أخوية متينة ودائمة بين الشعبين المغربي والإسباني ، علاقات تبشر بمستقبل من الخير المشترك والازدهار المتبادل والاستقرار الاقليمي .
وفي خضم هذه التحولات يواصل المغرب تعزيز تموقعه كفاعل إقليمي صاعد وشريك دولي موثوق ، مستندا إلى استقرار مؤسساته ووضوح رؤيته الاستراتيجية وتنامي حضوره داخل مختلف دوائر القرار الدولي . وهي معطيات تجعل من المملكة طرفا أساسيا في أي معادلة مستقبلية تخص أمن واستقرار وتنمية الضفة الغربية المتوسطية ومنطقة الساحل والصحراء.
الرئيسية















