وجاءت إعادة تفعيل هذه الآلية في ظرفية اتسمت بارتفاع ملحوظ في أسعار الغازوال، الذي تجاوز سعره في بعض محطات الوقود 16 درهمًا للتر الواحد، ما رفع تكاليف تشغيل الشاحنات والحافلات وسيارات الأجرة وغيرها من وسائل النقل المهني.
دعم النقل لتفادي انتقال الصدمة إلى الأسعار
لا يرتبط الدعم الحكومي بقطاع النقل وحده، بل يمتد أثره إلى أجزاء واسعة من الاقتصاد، باعتبار النقل حلقة أساسية في سلسلة وصول المنتجات إلى المستهلك.
فارتفاع سعر الوقود يعني زيادة تكلفة نقل المواد الغذائية والمنتجات الصناعية والفلاحية وغيرها من السلع بين مناطق الإنتاج والتخزين والتوزيع والأسواق.
ومن هنا، جاء تدخل الحكومة بهدف تخفيف جزء من الأعباء المباشرة التي يتحملها المهنيون، ومحاولة الحد من انعكاسها الكامل على الأسعار النهائية.
وبحسب التقرير، جرى صرف هذا الدعم من خلال دفعات متتالية لفائدة الفئات المستحقة، في وقت استمرت فيه الضغوط المرتبطة بأسعار المحروقات.
وشهدت الدفعة التي تم إطلاقها مطلع أكتوبر مراجعة في قيمة المساعدات بالزيادة، لمواكبة استمرار ارتفاع تكاليف التشغيل التي يواجهها المهنيون.
برنت يقفز إلى 91 دولارًا للبرميل
تربط الوثيقة الحكومية بين صعود الأسعار في السوق الوطنية والتحولات التي شهدتها الأسواق الدولية للطاقة خلال سنة 2026.
فخلال الفترة الممتدة من يناير إلى غشت، بلغ متوسط سعر خام برنت حوالي 91 دولارًا للبرميل، مقابل نحو 71 دولارًا خلال الفترة نفسها من سنة 2025.
وبذلك سجل متوسط السعر ارتفاعًا سنويًا في حدود 27,2 في المائة.
غير أن المعدل العام لا يعكس وحده حجم التقلبات التي شهدتها الأسواق، إذ تراوحت الأسعار خلال الفترة المعنية بين حوالي 60 و120 دولارًا للبرميل، ما يعكس حالة مرتفعة من عدم الاستقرار.
وهذه التقلبات تجعل كلفة الاستيراد أكثر صعوبة في التوقع، خصوصًا بالنسبة إلى بلد مثل المغرب يعتمد على الأسواق الخارجية لتأمين جانب أساسي من احتياجاته من المنتجات الطاقية.
الجغرافيا السياسية تضغط على فاتورة الطاقة
يضع التقرير تطورات أسعار النفط ضمن سياق دولي اتسم بدرجة عالية من عدم اليقين الجيوسياسي.
فالاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب المخاطر المرتبطة بأمن ممرات الملاحة البحرية الاستراتيجية، ساهمت في زيادة المخاوف بشأن استقرار إمدادات الطاقة العالمية.
ويبرز ضمن هذه الممرات مضيق هرمز، الذي يمثل نقطة رئيسية في حركة النفط والغاز عالميًا، ما يجعل أي تصعيد أمني في محيطه قادرًا على التأثير بسرعة في الأسعار الدولية.
ولا تقتصر تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية على ثمن برميل النفط نفسه، بل تشمل أيضًا ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وهو ما يضيف أعباء إضافية إلى فاتورة الاستيراد.
وبالنسبة إلى السوق المغربية، فإن هذه التكاليف الخارجية يمكن أن تنتقل إلى الأسعار المحلية للمنتجات البترولية، بحسب تطورات السوق وسلاسل التوريد.
الدولة تراهن على تنويع مصادر التوريد
أمام هذه التقلبات، اتجهت السلطات إلى تعزيز الإجراءات الرامية إلى تأمين حاجيات السوق الوطنية من المنتجات الطاقية.
وتشير الوثائق الحكومية إلى العمل على تنويع مصادر التوريد وعدم حصر المشتريات في عدد محدود من الأسواق، بما يسمح بتقليص بعض المخاطر المرتبطة باضطرابات الإمدادات.
كما شملت الإجراءات تحسين شروط الشراء من الأسواق الدولية، إلى جانب العمل على تأمين مستويات من المخزون تسمح بمواجهة أي اضطرابات مفاجئة في سلاسل التموين.
ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة في ظل ارتباط أسعار المحروقات محليًا بتطورات السوق الدولية، سواء من حيث أسعار المواد البترولية أو تكاليف النقل والتأمين.
8 مليارات درهم اعتمادات إضافية لدعم الأسعار
لكن الضغوط لم تتوقف عند الدعم الموجه إلى مهنيي النقل، فوفق التقرير نفسه، اضطرت الدولة إلى فتح اعتمادات مالية إضافية بقيمة 8 مليارات درهم لتغطية الارتفاع في نفقات دعم الأسعار.
وتوجه هذه الاعتمادات بشكل خاص إلى مواجهة الكلفة المتزايدة لدعم غاز البوتان، إلى جانب تمويل التدابير المخصصة لقطاع النقل.
ويكشف هذا الرقم حجم الضغط الذي يمكن أن تفرضه أسعار الطاقة العالمية على المالية العمومية، خصوصًا عندما تختار الدولة امتصاص جزء من الزيادات بدل تركها تنتقل بالكامل إلى الأسر والمهنيين.
حماية القدرة الشرائية وراء التدخل
يظل الهدف الأساسي من دعم مهنيي النقل مرتبطًا بحماية القدرة الشرائية والحفاظ على انتظام حركة نقل الأشخاص والبضائع.
فأي ارتفاع قوي في مصاريف تشغيل وسائل النقل قد يدفع المهنيين إلى المطالبة برفع التعريفات، أو يؤدي إلى ارتفاع تكاليف توزيع السلع.
وتتضاعف حساسية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بالمواد الأساسية، لأن سعر النقل يدخل ضمن التكاليف التي تحدد في النهاية سعر المنتج عند وصوله إلى المستهلك.
ولهذا تحاول الدولة، من خلال الدعم المؤقت، وضع حاجز بين ارتفاع أسعار الوقود وبين بقية حلقات الاقتصاد.
غير أن هذا النوع من التدخل يظل مكلفًا ماليًا، خصوصًا إذا استمرت الأسعار الدولية عند مستويات مرتفعة لفترات طويلة.
دعم استثنائي أمام معضلة دائمة
تطرح الأرقام أيضًا سؤالًا حول مدى قدرة الإجراءات الاستثنائية على الاستمرار في مواجهة تقلبات سوق الطاقة.
فالدعم المباشر يسمح بتخفيف الصدمة في الأجل القصير، لكنه يحتاج في المقابل إلى موارد مالية مهمة من الميزانية.
كما أن استمرار ارتفاع أسعار النفط يجعل الدولة أمام معادلة دقيقة تجمع بين حماية المستهلكين والمهنيين والمحافظة على توازن الإنفاق العمومي.
ومن جهة أخرى، يظل تقليص تعرض الاقتصاد المغربي للصدمات الخارجية مرتبطًا على المدى الطويل بسياسات أوسع تشمل تنويع المزيج الطاقي، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير الطاقات المتجددة، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة.
فاتورة المحروقات تتجاوز محطات الوقود
تظهر معطيات 2026 أن أثر ارتفاع المحروقات لا يقاس فقط بالسعر الذي يراه المواطن على لوحة محطة الوقود.
فوراء كل زيادة توجد انعكاسات محتملة على نقل الأشخاص والبضائع، وكلفة الإنتاج والتوزيع، وأسعار بعض السلع، إضافة إلى العبء الذي تتحمله ميزانية الدولة عندما يتم اللجوء إلى برامج دعم استثنائية.
وبين يناير وشتنبر وحدهما، كلّف دعم مهنيي النقل نحو 2,488 مليار درهم، بينما استدعت منظومة دعم الأسعار فتح 8 مليارات درهم إضافية.
وهي أرقام تعكس حجم التحدي الذي تفرضه تقلبات أسعار الطاقة على الاقتصاد المغربي: تخفيف أثر الصدمة على المواطن من جهة، وتجنب تحول الإجراءات المؤقتة إلى عبء مالي دائم من جهة أخرى.
الرئيسية

















