پارانورمال بين الطاقة والإيمان.. لماذا لا تزال الظواهر الخارقة تربك العقل الحديث ؟
منذ عقود طويلة، لم تتوقف الظواهر الخارقة عن إثارة الجدل، لا في الأوساط الشعبية فقط، بل حتى داخل بعض المساحات البحثية التي حاولت الاقتراب من هذا الملف المعقد بحذر شديد. التخاطر، التنويم المغناطيسي عن بعد، تأثير الأماكن، الطاقات غير المرئية، تحريك الأشياء بالتركيز، وحتى الإحساس الغامض الذي ينتاب الإنسان في بعض الفضاءات… كلها موضوعات ظلت تتحرك في المنطقة الرمادية بين ما تقبله العلوم التقليدية وما ترفضه، وبين ما يعتبره البعض روحانيات وما يراه آخرون امتدادًا مجهولًا للقدرات الطبيعية.
في هذا السياق، تُطرح البارابسيكولوجيا بوصفها محاولة للاقتراب من هذه الظواهر بلغة أكثر علمية. فهذه المقاربة، كما يُقدَّمها أنصارها، لم تنشأ من فراغ، بل من عجز العلوم الأخرى عن تفسير بعض الحالات التي تكررت في التجربة الإنسانية وظلت صعبة الاحتواء داخل النماذج الكلاسيكية للفيزياء أو البيولوجيا أو علم النفس. هي، بهذا المعنى، علم الهامش الذي وُلد من حدود العلم نفسه.
لكن السؤال المركزي يظل قائمًا: هل الظواهر الخارقة مادية أم روحية؟
الجواب الذي يخرج من هذا الطرح ليس حاسمًا بقدر ما هو تركيبي. فهناك من يرى أن جانبًا من هذه الظواهر يرتبط بقدرات طبيعية لم نفهمها بعد، وربما تكون امتدادًا بيولوجيًا أو عقليًا موجودًا أصلًا في الكائن الحي. وهناك من يذهب أبعد، معتبرًا أن بعض هذه الظواهر لا يمكن فصلها عن البعد الروحي، وأنها تتجاوز المادة إلى مستويات أخرى من الطاقة والإيمان.
واحدة من أكثر الأفكار حضورًا في هذا النقاش هي العلاقة بين الطاقة والمعلومة. فالفكرة الأساسية هنا تقول إن المعلومة لا تنتقل في الفراغ، بل عبر وسيط طاقوي، حتى وإن لم نكن نفهم طبيعته الدقيقة. هذا الربط بين الطاقة والمعلومة هو ما يُستدعى لتفسير ظواهر مثل التخاطر أو استشعار الأشياء عن بعد أو التقاط انطباعات من أماكن وأغراض تبدو، ظاهريًا، جامدة. وبحسب هذا المنظور، فإن المادة نفسها قد تختزن أثرًا أو “ذاكرة”، وهو ما يفسر – في نظر أصحاب هذا الطرح – لماذا يشعر بعض الناس براحة في مكان معين، ونفور في مكان آخر، رغم تشابه الظروف الظاهرة.
ومن هنا يأتي الحديث عن طاقة المكان. فليس كل مكان، في هذا التصور، مجرد جدران وسقف ومساحة هندسية، بل لكل فضاء حمولة طاقية تؤثر في الإحساس، وفي المزاج، وحتى في الاستقبال النفسي والذهني. بعض البيوت، رغم جمالها، تبعث ضيقًا غير مفهوم. وبعض الأماكن، حتى لو كانت بسيطة، تمنح شعورًا بالألفة والسكينة. هذا التفسير يذهب أبعد، ليربط بين الطاقة وبين الشكل الهندسي نفسه، معتبرًا أن للمربع والمثلث والهرم والمستطيل تأثيرات مختلفة على المحيط والإنسان.
وفي قلب هذا النقاش، تظهر محاولة لتمييز أنواع متعددة من الطاقات:
هناك طاقات طبيعية ظاهرة، ترتبط بالمادة والحياة، وهناك طاقات باطنية أو عقلية، ثم هناك طاقات توصف بأنها فوق طبيعية أو “منزلة”، لا تُنال إلا عبر الإيمان والاستقامة والبعد الأخلاقي. هذا التقسيم لا يكتفي بوصف الظواهر، بل يضعها ضمن مراتب: من طاقة يمكن أن تُستخدم في التأثير أو الإيهام، إلى قوة نورانية مرتبطة بالمعنى الروحي، لا بالمناورة أو الخداع.
هذا التمييز يصبح أكثر حساسية حين يصل النقاش إلى السحر. فهنا لا يُقدَّم السحر على أنه مجرد خدعة مسرحية أو وهم بصري فقط، ولا أيضًا على أنه قوة مطلقة تغير العالم كما تشاء. بل يُعرض باعتباره مجالًا مركبًا: فيه ما هو توهيمي يعتمد على التأثير في الإدراك، وفيه ما يرتبط بطاقة طبيعية أو ظلمانية محدودة الأثر، لكنها ليست، في كل الأحوال، بقوة ما يُنسب إلى القوى النورانية أو الروحية العليا. بهذا المعنى، يصبح السحر أقل من أن يكون معجزة، وأكثر من أن يكون مجرد حيلة.
المثير في هذا الطرح أنه لا يضع العلم والروحانيات في حالة قطيعة كاملة، بل في حالة تماس دائم. البارابسيكولوجيا هنا لا تُقدَّم كبديل عن العلم، بل كمنطقة حدودية يحاول فيها العقل الحديث أن يترجم بعض الغامض إلى لغة قابلة للفهم، حتى لو لم تكن قابلة للحسم الكامل. إنها نقطة التقاء بين المختبر والحدس، بين الجهاز والإيمان، بين القياس وما يتعذر قياسه.
ومع ذلك، تبقى الأسئلة أكثر من الأجوبة. فالعلم لم يحسم هذه الملفات، والروحانيات لم تقدم دائمًا براهين كافية، والناس ما زالوا موزعين بين الشك والانبهار. لكن ما يبدو واضحًا هو أن هذا الملف لن يُغلق قريبًا. ليس فقط لأن الظواهر الخارقة تملك سحرها الثقافي الخاص، بل لأنها تلامس حاجة إنسانية أعمق: الحاجة إلى فهم ما يتجاوز حدود الحواس المعتادة.
في النهاية، قد لا يكون السؤال اليوم هو: هل الظواهر الخارقة موجودة أم لا؟
بل ربما أصبح السؤال الأدق: هل أدواتنا الحالية كافية أصلًا لفهم كل ما يحدث حولنا؟
آخر الأخبار
|
حياتنا
|
صحتنا
|
فن وفكر
|
لوديجي ستوديو
|
كتاب الرأي
|
أسرتنا
|
تكنو لايف
|
بلاغ صحفي
|
لوديجي ميديا [L'ODJ Média]
|
كيوسك
|
اقتصاديات
|
كلاكسون
|
سپور