كتاب الرأي

منطق الاحتواء وإعادة تشكيل النظام الدولي


في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، والتوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، برزت خلال الأسابيع الأخيرة مؤشرات قوية حول اقتراب الولايات المتحدة الأمريكية وايران من التوصل إلى مذكرة تفاهم تمهد لمرحلة جديدة من الحوار السياسي والأمني، بعد سنوات من التصعيد والعقوبات والتجاذبات المرتبطة بالملف النووي الإيراني.



الدكتور إدريس قريش

ولعل ما يميز هذه المرحلة هو أن الصراع الدائر لم يعد يدار وفق المفهوم التقليدي للحروب القائمة على الإحتلال المباشر للأراضي أو فرض الاستسلام العسكري الكلاسيكي ، بل اصبح يندرج ضمن حروب الجيل الجديد التي تقوم على الاحتواء الاستراتيجي وإعادة هندسة موازين القوى بعيدا عن كل التحالفات التقليدية والتحكم في مسارات النفوذ الإقليمي والدولي.  فالمطلوب اليوم ليس إسقاط ايران بالمعنى التقليدي ، وإنما الحد من امتداداتها الجيوسياسية وضبط أدوارها الإقليمية، وتحديد مستقبلها ضمن حسابات دولية دقيقة تسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات العالمية وإرساء معالم نظام دولي جديد يعتمد على مقاربات جديدة بعد تفكيك التحالفات التقليدية.

ويجب الإقرار أن هذه المذكرة لا ترقى بعد إلى مستوى الإتفاق النهائي الشامل والملزم ، لكنها تعبر عن نوايا الطرفين وتمثل خطوة سياسية استباقية مهمة نحو تخفيف حدة التوتر وفتح قنوات التفاوض المباشر وغير المباشر بين الطرفين ، خاصة في ظل إدراك الجميع لخطورة استمرار حالة الاحتقان الاقليمي وانعكاساتها على الأمن الدولي وأسواق الطاقة والاستقرار الجيوسياسي. 

إن مذكرة التفاهم تتضمن مجموعة من البنود الأساسية لخفض التوتر من بينها وقف مؤقت لبعض أنشطة تخصيب اليورانيوم من الجانب الإيراني، مقابل تخفيف جزئي للعقوبات الأمريكية والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة ، حوالي 20 مليار دولار ، إضافة إلى ترتيبات مرتبطة بأمن الملاحة البحرية في منطقة الخليج ومضيق هرمز طبقا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982 التي تنص على حق المرور العابر وحرية الملاحة والتحليق لجميع السفن دون إعاقة ، مع فتح مرحلة تفاوض جديدة من اجل بلورة اتفاق شامل يحظى بلإلزامية والاستدامة .

غير أن الطريق نحو اتفاق نهائي ما يزال معقدا ، بالنظر إلى استمرار نقاط الخلاف الجوهرية المتعلقة بمستقبل البرنامج النووي الإيراني، وطبيعة الضمانات المطلوبة من كلا الطرفين وآليات رفع العقوبات ، إضافة إلى الحسابات الإستراتيجية المرتبطة بالتوازنات الإقليمية والدولية. 

كما ان هذا المسار التفاوضي لا يمكن فصله عن السياق الدولي العام  الذي يشهد إعادة تشكيل لموازين القوى العالمية ومحاولات متزايدة لإعادة ترتيب الأوراق وامتصاص الصدمات وتهيئة الأرضية لمراحل جديدة ومحورية في العلاقات الدولية وفق منطق المصالح المتبادلة وتجنب الصدمات الكبرى ، خاصة في ظل الأزمات الإقتصادية العالمية والحروب الجيوسياسية المفتوحة في اكثر من منطقة والتي ادت الى ضرب التكتلات الكبرى والتحالفات الامنية بما يكشف عن ملامح نظام دولي جديد يعتمد على تحالفات جديدة بعد تفكيك التحالفات التقليدية. 

إن أي تقارب امريكي إيراني، حتى وإن كان محدودا أو مرحليا ، سيكون له انعكاسات مباشرة على مجمل التوازنات الإقليمية ، سواء على مستوى أمن الخليج أو أسواق الطاقة، أو طبيعة التحالفات السياسية والاقتصادية والعسكرية  الجديدة في المنطقة ، وهو ما يفسر حجم الاهتمام الدولي الواسع بهذه المفاوضات .

ويبقى الرهان الحقيقي اليوم هو كيفية احتواء ايران وإرساء آليات تفعيله متفق عليها تحفظ ماء وجه جميع الأطراف في اطار مقاربة تقوم على 
إدارة الخلاف بدل تفجيره . فبينما ينظر إلى ملف التخصيب النووي باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في المعادلة التفاوضية ، فإنه يظل بالنسبة لإيران مرتبطا باعتبارات سيادية وجودية ، في حين تعتبره الولايات المتحدة وحلفائها محورا اساسيا في منظومة ضبط الانتشار النووي .

ومن هنا فإن الحد من التوتر يمر عبر تغليب الحلول الدبلوماسية التدريجية ، وبناء تفاهمات مرحلية قابلة للتطوير بما يضمن تقليص مخاطر التصعيد وفتح افق سياسي اكثر استقرارا في المنطقة.




الاثنين 25 مايو 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic