كتاب الرأي

الشبيبة الاستقلالية : التجديد بنسبة 86% لا يُقاس بالأسماء العائلية


بعد الإعلان عن المكتب التنفيذي الجديد للشبيبة الاستقلالية، انصبت بعض التعليقات على عدد من الأسماء العائلية المرتبطة بعائلات سياسية معروفة. غير أن اختزال هيئة تم تجديدها بنسبة 86% في قراءة عائلية أو نسبية، هو في الواقع تجاوز لما هو أعمق : الدينامية النضالية، الامتداد المجالي، تنوع البروفايلات، وضرورة الحكم على جيل سياسي من خلال أفعاله لا من خلال أصوله.



بقلم : مامون أشرقي

أثارت تركيبة المكتب التنفيذي الجديد للشبيبة الاستقلالية، المعلن عنها عقب المؤتمر الوطني الرابع عشر، نقاشاً كان متوقعاً. ففي مشهد سياسي أصبحت فيه الريبة شبه تلقائية، رأى البعض في حضور بعض الأسماء العائلية المعروفة دليلاً على إعادة إنتاج النخب بشكل آلي.

هذه الملاحظة تستحق أن تُسمع، لأنها تعبّر عن مطلب مشروع: تجديد حقيقي، منفتح، قائم على الاستحقاق والتمثيلية. لكن النقد، وإن كان مشروعاً في منطلقه، قد يصبح مجحفاً في منهجيته.

فاختزال مكتب تنفيذي كامل في بضعة أسماء عائلية، يعني المجازفة بالخلط بين اليقظة الديمقراطية ومحاكمة النوايا. كما يعني، قبل ذلك، تجاهل معطى أساسي : هذه الهيئة الجديدة تم تجديدها بنسبة 86%، وهو رقم كافٍ لفرض قدر كبير من التريث في إطلاق أحكام من قبيل الانغلاق أو الاستمرارية العائلية البسيطة.

في الأحزاب التاريخية، تحمل الأسماء أحياناً ذاكرة. فهي تحيل على التزامات قديمة، ومجالات ترابية، وعائلات مناضلة، وتضحيات في بعض الأحيان، كما قد تحيل أيضاً على مواقع نفوذ. وحزب الاستقلال، بحكم تاريخه وامتداده، لا يشذ عن هذه القاعدة.

سيكون من السذاجة الادعاء بأن الامتدادات العائلية غير موجودة. لكن سيكون من الظلم، في المقابل، تحويلها إلى إدانة تلقائية.

فأن يكون الشاب أو الشابة ابناً أو بنتاً لشخصية سياسية، لا ينبغي أن يكون امتيازاً مضموناً، ولا خطيئة أصلية. السؤال الجدي الوحيد هو سؤال المسار : هل ناضل هؤلاء الشباب؟ هل اشتغلوا في الميدان؟ هل مثلوا جهاتهم؟ هل شاركوا في التأطير والنقاش والتنظيم والتعبئة؟

على هذه المعايير ينبغي أن يُحكم على جيل سياسي، لا من خلال قراءة مبسطة للحالة المدنية.

إن الديمقراطية الداخلية لا تعني إقصاء من يحمل اسماً معروفاً، بل تعني ضمان ألا يحل هذا الاسم محل الاستحقاق. وهنا، بالضبط، يوجد النقاش الحقيقي.

إن تشكيل هيئة وطنية للشباب ليس تمريناً حسابياً بسيطاً. فهو يأخذ بعين الاعتبار مجموعة من التوازنات: الجهات، الحساسيات، التجربة، الحضور النسائي، القدرة على التعبئة، الانخراط المحلي، والاستمرارية التنظيمية.

ولهذا، فإن قراءة القيادة الجديدة فقط من خلال بعض الأسماء المعروفة إعلامياً تؤدي إلى حجب غالبية البروفايلات التي لا تنتمي إلى عائلات سياسية بارزة، لكنها راكمت حضورها داخل التنظيم من خلال العمل اليومي والصامت.

صحيح أن أي تجديد ليس كاملاً. ولا يوجد مؤتمر قادر على تبديد كل الإحباطات أو إرضاء كل الطموحات. ففي كل تنظيم سياسي هناك انتظارات لم تتحقق، وطموحات لم تجد موقعها، وقراءات متباينة لما جرى.

لكن وجود الجدل لا يكفي لإثبات وجود منظومة مغلقة. بل يكشف أيضاً عن ارتفاع سقف انتظارات الشباب من تنظيماتهم، وهذه في حد ذاتها علامة صحية داخل الحياة الحزبية.

إن المكتب التنفيذي الجديد للشبيبة الاستقلالية لا يجد نفسه فقط أمام ضرورة الرد على جدل عابر. بل يجد نفسه، قبل كل شيء، أمام مسؤولية سياسية وتنظيمية حقيقية: أن يثبت، بالعمل، أن التجديد المعلن ليس رقماً فقط، بل ممارسة وروحاً ومنهجاً.

عليه أن يمنح الكلمة للشباب المناضلين في الجهات، وللطلبة، وللشابات، ولشباب العالم القروي، وللكفاءات الصاعدة، ولكل من لا يملك رأسمالاً سوى التزامه.

هنا سيُحسم النقاش. ليس في الدفاع المتشنج عن الأشخاص، ولا في الإدانة السهلة، بل في قدرة هذه الهيئة على إنتاج الأفكار، وتكوين المناضلين، والدفاع عن القضايا الوطنية، والمساهمة في النقاش العمومي، وإعادة وصل الشباب بالفعل السياسي.

فالمغرب لا يحتاج إلى شباب سياسي منشغل طوال الوقت بتبرير وجوده. إنه يحتاج إلى شباب قادر على العمل بجدية وتواضع وشجاعة.

ولذلك، فإن أفضل جواب على الشكوك لن يكون بلاغاً إضافياً، بل ممارسة مختلفة: أكثر انفتاحاً، أكثر شفافية، وأكثر قرباً من الميدان.

يمكن قراءة الجدل الحالي كاستهداف. لكن يمكن أيضاً تحويله إلى فرصة. فرصة للتذكير بأن التجديد لا يُعلن فقط بالأرقام، حتى حين تكون هذه الأرقام دالة ومهمة. التجديد يُبنى مع الوقت، عبر المناهج، والتكوين، وتوسيع قاعدة المشاركة، والقدرة على إبراز كفاءات جديدة.

وبمكتب تم تجديده بنسبة 86%، تتوفر الشبيبة الاستقلالية على حجة قوية. غير أن اختبارها الحقيقي يبدأ الآن.

فإذا استطاع هذا الجيل الجديد تحويل تنوعه إلى فعل جماعي، وتجاوز محاكمات الأسماء، وفرض قوة الأفكار والعمل الميداني، فإن النقاش سينتقل تلقائياً إلى مستوى آخر.

في النهاية، لا تُقاس قيمة الشبيبة السياسية بأسماء عائلاتها، ولا بالشكوك التي تلاحقها غداة كل مؤتمر. بل تُقاس بقدرتها على الخدمة، والاقتراح، والإنصات




الثلاثاء 14 يوليو 2026

في نفس الركن
< >

الاثنين 13 يوليو 2026 - 10:30 ركائز الميثاق التحريري لـ L'ODJ Média


              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic