المغرب تحت ضغط الحولي: شعيرة دينية أم سباق اجتماعي؟
الأصل في الأضحية أنها شعيرة دينية تقوم على النية، والاستطاعة، والتقرب إلى الله. لكن الواقع الاجتماعي أضاف إليها طبقات أخرى من المعنى. فداخل عدد من الأسر، لم يعد السؤال فقط: هل نقدر على شراء الأضحية؟ بل أصبح أيضا: كيف سنبدو أمام العائلة؟ ماذا سيقول الجيران؟ هل سيكون “الحولي” في مستوى الصورة التي نريد أن نعطيها عن أنفسنا؟
هنا تبدأ المفارقة. فالشعيرة التي يفترض أن تمنح السكينة قد تتحول، عند فئات واسعة، إلى مصدر قلق وضغط وتدبير مرهق. أسر تلجأ إلى الاقتراض، وأخرى تؤجل مصاريف ضرورية، وثالثة تدخل في سباق الأسعار رغم محدودية الدخل، فقط حتى لا تعيش إحساس النقص أو الحرج الاجتماعي. ليس لأن الدين يفرض ذلك على غير القادرين، بل لأن المجتمع أحيانا يفرض منطقه الخاص، ومنطق المجتمع قد يكون أقسى من منطق السوق.
ارتفاع الأسعار بدوره لا يمكن عزله عن السياق العام. الجفاف، غلاء الأعلاف، كلفة النقل، تراجع القدرة الشرائية، التضخم، وتدخل بعض الوسطاء في سلاسل التوزيع، كلها عوامل جعلت سوق الأضاحي أكثر توترا. المربي يشتكي من ارتفاع الكلفة، والمستهلك يشتكي من السعر النهائي، وبين الاثنين توجد شبكة معقدة من المصالح والاختلالات التي تجعل العيد، كل سنة، موضوعا اقتصاديا قبل أن يكون مناسبة روحية.
هنا تبدأ المفارقة. فالشعيرة التي يفترض أن تمنح السكينة قد تتحول، عند فئات واسعة، إلى مصدر قلق وضغط وتدبير مرهق. أسر تلجأ إلى الاقتراض، وأخرى تؤجل مصاريف ضرورية، وثالثة تدخل في سباق الأسعار رغم محدودية الدخل، فقط حتى لا تعيش إحساس النقص أو الحرج الاجتماعي. ليس لأن الدين يفرض ذلك على غير القادرين، بل لأن المجتمع أحيانا يفرض منطقه الخاص، ومنطق المجتمع قد يكون أقسى من منطق السوق.
ارتفاع الأسعار بدوره لا يمكن عزله عن السياق العام. الجفاف، غلاء الأعلاف، كلفة النقل، تراجع القدرة الشرائية، التضخم، وتدخل بعض الوسطاء في سلاسل التوزيع، كلها عوامل جعلت سوق الأضاحي أكثر توترا. المربي يشتكي من ارتفاع الكلفة، والمستهلك يشتكي من السعر النهائي، وبين الاثنين توجد شبكة معقدة من المصالح والاختلالات التي تجعل العيد، كل سنة، موضوعا اقتصاديا قبل أن يكون مناسبة روحية.
عيد الأضحى بين النية والوجاهة: حين يصبح الحولي امتحانا اجتماعيا
لكن الأخطر من السعر هو ما يكشفه السعر. حين يصبح شراء الأضحية عبئا ثقيلا على الطبقة الوسطى، فذلك يعني أن هذه الطبقة لم تعد تعيش فقط ضغط الحياة اليومية، بل صارت تخاف حتى من المناسبات التي كانت تمنحها الإحساس بالاستقرار والانتماء. وحين تعجز الأسر الهشة عن مسايرة طقس جماعي بهذا الحجم، فإن الأمر لا يتعلق فقط بقدرتها على الشراء، بل بمكانتها الرمزية داخل المجتمع.
لقد صار “الحولي” في بعض الحالات بطاقة تعريف اجتماعية مؤقتة. حجمه، نوعه، ثمنه، وطريقة عرضه، كلها عناصر تدخل في لغة غير مكتوبة من المقارنة والتباهي. وهذا التحول لا يخص العيد وحده، بل ينسجم مع ثقافة أوسع أصبحت تقيس الوجاهة بما يُعرض، ويُستهلك، ويُرى. في زمن الصورة، لم تعد الأضحية بعيدة عن منطق الاستعراض.
ومع ذلك، لا ينبغي السقوط في التبسيط. فالتمسك بعيد الأضحى ليس مجرد استهلاك أو تفاخر. بالنسبة لعدد كبير من المغاربة، هو ذاكرة عائلية، وامتداد وجداني، ولحظة اجتماع نادرة، ورمز للفرح الجماعي. لذلك فالنقاش الحقيقي لا يجب أن يكون ضد العيد، بل ضد تحويل العيد إلى عبء نفسي ومالي. ليس ضد الشعيرة، بل ضد المبالغة. ليس ضد الفرح، بل ضد الإحراج الاجتماعي الذي يطارد من لا يستطيع.
المجتمع المغربي اليوم أمام سؤال صعب: كيف نحافظ على المعنى دون أن نسقط في المظهر؟ كيف نعيد الاعتبار للاستطاعة، بدل أن نجعل العيد سباقا مرهقا نحو إثبات الذات؟ وكيف نمنع السوق من ابتلاع الروح الرمزية لهذه المناسبة؟
المطلوب ليس خطابا أخلاقيا يلوم المواطنين، ولا خطابا اقتصاديا يختزل الأزمة في العرض والطلب. المطلوب فهم أعمق لهذا التداخل بين الدين والاجتماع والاقتصاد. فالأسر لا تشتري الأضحية فقط بلغة المال، بل تشتريها أيضا بلغة الخوف من الحكم الاجتماعي، والرغبة في الحفاظ على الكرامة، والوفاء لذاكرة جماعية متجذرة.
الحولي الذي فضح جيوب المغاربة
لذلك، فإن أي معالجة حقيقية يجب أن تبدأ من الاعتراف بأن أزمة الأضحية ليست موسمية فقط. إنها جزء من أزمة أوسع: أزمة قدرة شرائية، وأزمة ثقة في الأسواق، وأزمة تضامن اجتماعي، وأزمة معنى. فحين يصبح العيد مصدر توتر بدل أن يكون مناسبة للطمأنينة، فهذا يعني أن الخلل لا يوجد في الشعيرة، بل في الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تحيط بها.
عيد الأضحى سيظل لحظة كبرى في وجدان المغاربة. لكن “الحولي” لم يعد مجرد رمز ديني. لقد أصبح مرآة. وفي هذه المرآة نرى مغربا متعلقا بتقاليده، لكنه مثقل بالأسعار. نرى أسرا تريد أن تفرح، لكنها تخاف الحساب. نرى مجتمعا يحاول الحفاظ على الطقس، بينما تتغير شروط الحياة من حوله.
والخلاصة أن العيد لا يحتاج إلى مزيد من التباهي، بل إلى مزيد من الرحمة الاجتماعية. لا يحتاج إلى سباق في الأحجام والأسعار، بل إلى عودة هادئة إلى جوهره: الاستطاعة، النية، التقاسم، وصون كرامة من يقدر ومن لا يقدر. فالمجتمع الذي يحترم العيد حقا هو المجتمع الذي لا يجعل منه امتحانا قاسيا للفقراء، ولا منصة استعراض للأغنياء.
الرئيسية

















