پارانورمال : المسّ والسحر بين الدين والعلم والبارابسيكولوجيا.. حلقة تفتح ملفاً شديد الحساسية..
عاد موضوع المسّ والسحر ليفرض نفسه من جديد في النقاش العمومي، ولكن هذه المرة من بوابة حلقة حاولت الجمع بين التفسير الديني والمقاربة الروحية والطرح البارابسيكولوجي، مع محاولة إضفاء بعد “علمي” على بعض الظواهر التي ظلّت لسنوات طويلة محاصرة بين الإيمان الشعبي والرفض الأكاديمي. الحلقة لم تكتف بإعادة ما هو متداول في الثقافة العامة، بل ذهبت أبعد من ذلك، حين تحدثت عن مفهوم “الجسم الثاني” أو “الجسم الأثيري” باعتباره مفتاحاً لفهم كثير من حالات المسّ.
أول ما شدد عليه المتدخل في الحلقة هو ضرورة التحفظ وعدم التسرع في إطلاق الأحكام. فليس كل من قال إنه ممسوس يكون فعلاً ممسوساً، وليس كل اضطراب نفسي أو توتر أو وسواس دليلاً على وجود سحر أو مسّ. وهذه النقطة بالذات تبدو الأكثر اتزاناً في النقاش، لأنها تذكّر بخطر الانزلاق نحو التفسير الغيبي السريع لكل حالة غير مفهومة، في وقت قد تكون فيه بعض الأعراض مرتبطة باضطرابات نفسية أو عصبية معروفة.
لكن الحلقة، في المقابل، لم تتوقف عند هذا الحد. بل قدمت تصوراً يقول إن الإنسان لا يتكوّن فقط من جسده المادي، بل له أيضاً جسم باطني أو أثيري يرتبط به شعورياً وطاقياً، ويمكن أن يتعرض لتأثيرات أو “احتلالات” تفسر بعض الظواهر الخارقة أو غير المعتادة. ووفق هذا الطرح، فإن ما يُسمى بالمسّ لا يكون بالضرورة مجرد خلل نفسي أو وهم ثقافي، بل قد يكون حالة تصيب هذا الجسم غير المرئي، وتنعكس على الجسد الظاهر والسلوك والصوت وردود الفعل.
هذا التفسير يفتح الباب مباشرة على مجال البارابسيكولوجيا، الذي استندت إليه الحلقة لتبرير وجود حالات لا ترى أن علم النفس التقليدي وحده قادر على تفسيرها. ومن بين الأمثلة التي تم التوقف عندها: التحدث بأصوات مختلفة، أو بلغات غير معروفة، أو ظهور سلوكيات غير معتادة خلال جلسات الرقية أو ما يشبه طقوس “الإخراج الروحي”. هنا، تحاول الحلقة أن تميّز بين ما هو مرض عضوي معروف مثل الصرع، وما تعتبره ظاهرة روحية أو طاقية لا ينبغي اختزالها كلها في التفسير الطبي وحده.
وفي هذا السياق، شدد المتدخل على ضرورة التفريق بين الصرع العضوي وبين ما يسمى بالمسّ. فالصرع، بحسب هذا الطرح، له تفسير طبي معروف، أما بعض الحالات الأخرى التي تظهر فيها تغيرات صوتية أو ردود أفعال غير اعتيادية أثناء القراءة الدينية، فهي تدخل في خانة أخرى تحتاج، من وجهة نظره، إلى فضول علمي أكبر وانفتاح أقل تشدداً من بعض الأوساط الأكاديمية.
الحلقة لم تطرح فقط توصيفاً للظاهرة، بل دخلت أيضاً في مسألة العلاج. وهنا كان الموقف حاسماً: العلاج بالقرآن وطرق التحصين الديني قُدّما باعتبارهما الطريق الأكثر أماناً وثباتاً واستمرارية. في المقابل، حذّرت الحلقة من ما وصفته بالطرق “الظلمانية”، من طلاسم ودخان وبخور وطقوس وتعاقدات خفية، معتبرة أنها قد تمنح راحة مؤقتة أو “هدنة”، لكنها لا تحلّ المشكلة من جذورها، بل قد تجرّ صاحبها إلى تبعات أخطر.
هذا التقابل بين العلاج النوراني والعلاج الظلماني كان من أبرز محاور الحلقة. وهو في العمق ليس مجرد توصيف علاجي، بل أيضاً موقف ديني وأخلاقي يحاول إعادة ضبط الحدود بين الرقية الشرعية بوصفها ممارسة مقبولة، وبين استغلال معاناة الناس عبر طقوس غامضة أو ممارسات باطنية تفتقر إلى الضبط والوضوح.
غير أن النقطة الأكثر إثارة للجدل تبقى في محاولة الحلقة الاستناد إلى مفردات علمية أو شبه علمية لإسناد بعض فرضياتها. الحديث عن “الطاقة”، و“تأثير الأشكال الهندسية”، و“تفاعل أجهزة مع طاقة بشرية”، و“قدرة العقل أو الجسد الباطني على التأثير في المادة”، كل ذلك يثير فضولاً بلا شك، لكنه يطرح أيضاً سؤالاً جوهرياً: أين ينتهي التأمل أو الرواية الشخصية، وأين تبدأ الحقيقة العلمية القابلة للتحقق والتكرار؟
هنا بالتحديد تظهر حساسية هذا النوع من الخطاب. فهو من جهة يرفض السخرية الجاهزة من كل ما هو غير مألوف، ويدعو إلى عدم الإنكار المطلق لظواهر يعتقد أنها موثقة أو مجرّبة. لكنه من جهة أخرى يقترب أحياناً من منطقة رمادية، حيث تختلط القناعة الروحية بـالاستدلال العلمي، دون أن يكون الفاصل بينهما واضحاً دائماً.
ومع ذلك، فإن الأهم في مثل هذه الحلقات ليس فقط ما تقوله عن الجن أو الطاقة أو الجسم الأثيري، بل ما تكشفه عن حاجة المجتمع إلى تفسير معاناته. فخلف كل حديث عن المسّ أو السحر، توجد غالباً حالات قلق، واضطراب، وخوف، وأسر تبحث عن معنى لما يحدث لأبنائها أو ذويها. ولهذا يصبح تناول هذه المواضيع مسؤولية مضاعفة: لا مكان فيها للاستهزاء المتعالي، ولا أيضاً للترويج السهل لكل تفسير غيبي.
في النهاية، تفتح الحلقة باباً قديماً يتجدد باستمرار: كيف نوازن بين الإيمان، والمعرفة، والطب، والثقافة الشعبية؟ سؤال لا يبدو أنه سيجد جواباً نهائياً قريباً. لكن المؤكد أن هذا الملف سيظل واحداً من أكثر الملفات حساسية، لأنه لا يتعلق فقط بما نؤمن به، بل أيضاً بكيفية فهمنا للألم الإنساني، وحدود العلم، ومساحة الغيب في حياتنا اليومية.
آخر الأخبار
|
حياتنا
|
صحتنا
|
فن وفكر
|
لوديجي ستوديو
|
كتاب الرأي
|
أسرتنا
|
تكنو لايف
|
بلاغ صحفي
|
لوديجي ميديا [L'ODJ Média]
|
كيوسك
|
اقتصاديات
|
كلاكسون
|
سپور
|
المراقبة السياسية