السكن يتحول إلى اختبار للحكومة
خلال الأشهر الأخيرة، صعد ملف السكن إلى واجهة النقاش العام في إسبانيا، مع تزايد الاحتجاجات والمطالب بإجراءات أكثر حزما لمواجهة ارتفاع الإيجارات، وعمليات الإخلاء، والنقص في العرض السكني.
ومع تعثر تمرير الإجراءات الحكومية، انتقل النقاش من كيفية احتواء الأزمة إلى سؤال أكبر: هل ما تزال الحكومة قادرة فعلا على تنفيذ برنامجها داخل برلمان منقسم؟
هذا السؤال هو الذي يمنح انتخابات نونبر بعدا يتجاوز التنافس التقليدي بين اليمين واليسار، لأن الرهان الأساسي بات مرتبطا بإمكانية إنتاج أغلبية أكثر استقرارا وقادرة على تمرير القوانين والميزانيات.
تاريخ من البرلمانات الهشة
إسبانيا ليست غريبة عن هذا النوع من الانسداد. ففي 2015 و2016، دخلت البلاد في مرحلة طويلة من عدم الاستقرار السياسي بعد انتخابات لم تمنح أي طرف أغلبية واضحة، ما أدى إلى إعادة الاقتراع قبل أن يتمكن ماريانو راخوي من تشكيل حكومة أقلية.
ومنذ ذلك الحين، ظل تشكيل الحكومات وتمرير القرارات الكبرى مرتبطا بتوافقات معقدة بين قوى سياسية متعددة، وهو ما جعل الاستقرار البرلماني واحدا من أبرز تحديات النظام الحزبي الإسباني.
حتى صعود بيدرو سانشيز نفسه إلى رئاسة الحكومة جاء في سياق استثنائي، بعدما أسقطت مذكرة حجب الثقة في يونيو 2018 حكومة ماريانو راخوي. وبعد ذلك، خاض سانشيز مراحل متتالية من المفاوضات والتحالفات قبل أن يحصل في نونبر 2023 على ثقة مجلس النواب بـ179 صوتا مقابل 171.
لكن السنوات الأخيرة أثبتت أن البقاء في الحكم لا يعني بالضرورة القدرة على الحكم بسهولة.
الهجرة وسبتة يدخلان قلب المعركة الانتخابية
بالتوازي مع السكن والاقتصاد، صعد ملف الهجرة وأمن الحدود إلى مقدمة الخلافات السياسية، خصوصا بعد الأزمة التي شهدتها سبتة المحتلة في يوليوز الماضي.
واضطرت الحكومة الإسبانية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لدعم المدينة وتعزيز مراقبة الحدود والتعامل مع تدفقات المهاجرين، ليتحول الملف إلى موضوع صدام سياسي داخل البرلمان وبين الحكومة والأقاليم.
كما أعاد هذا التطور علاقة إسبانيا بالمغرب إلى قلب النقاش الداخلي، بعدما أكد سانشيز أن التعاون مع السلطات المغربية كان أساسيا في تدبير الأزمة وعمليات العودة.
لكن المعارضة تعاملت مع الملف كأداة إضافية للضغط على الحكومة، ليصبح الجوار المغربي والهجرة وسبتة ومليلية جزءا من النقاش الانتخابي إلى جانب السكن والقدرة الشرائية والميزانية.
انتخابات قد تعيد ترتيب أولويات مدريد
إن اقتراع 29 نونبر لن يحدد فقط الحزب الذي سيحصل على أكبر عدد من المقاعد، بل سيحدد أيضا شكل الحكومة المقبلة وهوامش حركتها داخل البرلمان.
وفي حال أفرزت الانتخابات أغلبية يمينية واضحة، فقد تدخل إسبانيا مرحلة سياسية مختلفة، مع احتمال إعادة ترتيب الأولويات في ملفات الهجرة وأمن الحدود والعلاقة مع المغرب وسبتة ومليلية، بالتوازي مع السكن والاقتصاد والقدرة الشرائية.
أما إذا استمرت خريطة برلمانية مشتتة، فقد تجد البلاد نفسها من جديد أمام معادلة مألوفة: حكومة قادرة على البقاء، لكن بصعوبة أكبر في تمرير قراراتها.
الرئيسية

















