تتجلى الاحتفالات برأس السنة الأمازيغية بشكل أوضح على المائدة، حيث تتنوع الأطباق بحسب المنطقة، لكنها تشترك جميعها في رمزيتها : إضفاء الوفرة والخصوبة على العام الجديد. ففي بعض مناطق الأطلس الكبير وسوس، تُخبأ حبة فاصوليا أو لوز داخل الكسكس، فتتحول إلى لعبة ينتظرها الأطفال بفارغ الصبر، اعتقادًا بأن من يجدها سيحظى بعام سعيد.
أما في الجنوب الشرقي للمغرب، فتتولى النساء طهي أطباق “تاكلا” أو “تاروايت”، المحضرة بأنواع متعددة من الحبوب والفول والذرة، في إناء دائري يُعرف باسم “تازلافت”، رمزًا للتآزر الأسري واللحمة الاجتماعية.
ولا يقتصر الاحتفال على الطعام، بل يمتد إلى مجموعة من الطقوس الرمزية التي تعكس العلاقة الوثيقة بين الإنسان والأرض. تُسكب قطرات من الزيت أو الزبدة على عتبات البيوت، وتُبارك الحيوانات والأدوات الزراعية، بينما يُطلب من الأطفال عدم الخروج بمفردهم مساءً، وتمنع بعض العائلات إقراض أي شيء خلال اليوم، لتجنب الشؤم وفق الموروث الشعبي القديم.
مع حلول الليل، تتحول الساحات إلى فضاءات احتفالية تعرف بـ”أسراك”، حيث يتماوج صوت أحواش وإيقاعات الطبول، ويقفز المحتفلون فوق النيران في بعض قبائل سوس، رمزًا للتقدم نحو المستقبل واستقبال العام الجديد بفأل حسن. وفي مناطق أخرى، تنظم مسابقات للأطفال، وتقدّم الجمعيات عروضًا تعليمية وثقافية لتعريف الأجيال الصغيرة بتاريخها وهويتها الأمازيغية.
بين ألوان الأطعمة وروائحها، وبين الطقوس الشعبية والرقصات التراثية، يعيش المغاربة ليلة يناير بكل فرحها ومعانيها، مستعيدين من خلالها ذاكرة أجدادهم وحكمة الفلاحين القدماء. تتلاقى في هذه الليلة الرمزية جميع أجيال الأسرة، كبارًا وصغارًا، حول مائدة واحدة، حيث يتقاسمون الطعام والقصص والحكايات عن السنة الماضية، ويزرعون معًا أمل الحصاد القادم ووفرة الأرض.
وفي الساحات، تتعالى أصوات الطبول والمزامير، وتتحرك أحواش على وقع الأغاني التقليدية، لتصبح هذه اللحظات احتفالًا بالهوية، ودرسًا حيًا في التآزر والتلاحم الاجتماعي، يُذكّر الجميع بأن يناير ليس مجرد بداية عام جديد، بل رمز للارتباط بالأرض، والانسجام مع الطبيعة، والانفتاح على المستقبل بروح من الفرح والتجديد.
لقد أعطى الاعتراف الرسمي باللغة الأمازيغية في دستور 2011، وقرار جعل يناير عطلة وطنية في 2023، لهذه الليلة حضورًا غير مسبوق، لتتجاوز الاحتفالات حدود القرى إلى المدارس، المكاتب الحكومية، ووسائل الإعلام. أصبح يناير مناسبة وطنية يلتقي فيها عبق الماضي مع روح العصر، مؤكدة أن التراث يمكن أن يعيش ويتجدد في كل بيت، وكل مائدة، وكل ساحة احتفالية.
في نهاية المطاف، يظل الاحتفال برأس السنة الأمازيغية فرصة لتجديد الروابط الأسرية والمجتمعية، والاحتفاء بالهوية والثقافة، وإعادة إحياء الذاكرة الفلاحية العريقة. بين المأكولات التقليدية، الطقوس الرمزية، والرقصات الجماعية، يكتب المغاربة ليلة يناير فصلًا جديدًا من حياتهم، فصلًا يجمع بين الماضي والحاضر، بين الأرض والإنسان، ويؤكد أن كل عام جديد هو دعوة للتآزر، للفرح، وللبداية من جديد
الرئيسية





















































