كتاب الرأي

ما بعد انتخابات 2026 : أربعة إصلاحات للانتقال من الوعود إلى النتائج


لن ترث الحكومة المقبلة المنبثقة عن الانتخابات التشريعية المغربية لسبتمبر 2026 صفحة بيضاء، بل ستجد أمامها رصيداً من الإصلاحات التي بدأت بالفعل، والتي نُفذت جزئياً، وهي إصلاحات تتسم أحياناً بحساسية سياسية وغالباً بثقل إداري.



بقلم : عدنان بنشقرون

بمعنى آخر : لن تكون اللحظة لحظة تأسيس بقدر ما هي لحظة بلورة وتصفية. فالأولويات المدرجة في قانون مالية 2026، ومشروع قانون مالية 2027 (الذي أعدته الحكومة المنتهية ولايتها)، وفي خرائط الطريق القطاعية موجودة بالفعل: الاستثمار الخاص، التشغيل، تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، الماء، الحماية الاجتماعية، الرقمنة، السيادة الإنتاجية، والرفع من جودة الخدمات العمومية.
 

النقطة الحاسمـة إذن ليست في "ما هي الإصلاحات التي يجب إطلاقها"، بل "ما هي الإصلاحات التي يجب إتمامها، وتصحيحها، وتمويلها، وتنزيلها ترابياً". هنا يدخل الواقع "بأقدامه الموحلة": تحكيمات ميزانياتية، نقص في الكفاءات، بطء تنظيمي، تداخل في الاختصاصات، وصعوبة مزمنة في تحويل استراتيجية وطنية إلى خدمة ملموسة للمواطن.
 

تقترب الانتخابات التشريعية لسبتمبر 2026، ومعها الوعد بدورة سياسية جديدة. وكما هو الحال في كل استحقاق، تزدهر البرامج، وتُصقل الشعارات، وتُعاد صياغة التحالفات. ومع ذلك، ثمة حقيقة هيكلية تفرض نفسها خلف الضجيج الانتخابي: الحكومة المقبلة لن تضطر لابتكار توجه استراتيجي جديد للمغرب؛ فالرؤية والتوجه موجودان بالفعل تحت القيادة الملكية.
 

الدولة الاجتماعية في طور البناء، الانتقال الطاقي، التحديث الرقمي، إصلاح المنظومة الصحية، تحول المدرسة، دعم الاستثمار الخاص، تدبير الإجهاد المائي... يمتلك البلد الآن هندسة استراتيجية كثيفة، وطموحة في بعض الأحيان. ما ينقصنا ليس الرؤية، بل التنفيذ.
 

إن الرهان السياسي الحقيقي لما بعد 2026 لن يكون إذن في الإعلان عن إصلاح كبير جديد، بل في إنجاح أربعة تحولات صامتة وحاسمة تتقاطع فيها جميع الوزارات والسياسات العمومية تقريباً.
 

الإصلاح الأول هو إصلاح التنفيذ. أنتج المغرب منذ حوالي عشر سنوات كمية هائلة من الاستراتيجيات القطاعية: الفلاحة، الصناعة، السياحة، الرقمي، الطاقة، الماء، التكوين المهني، والحماية الاجتماعية. صُممت هذه الاستراتيجيات بجدية، وبرؤية طويلة المدى نادرة في المنطقة، لكن نجاحها يعتمد على مرحلة أكثر نكراناً للذات: التنزيل على أرض الواقع.
 

في الممارسة الإدارية، لا تزال الفجوة بين الاستراتيجية والتنفيذ واسعة؛ فالإعلانات سريعة، لكن المراسيم تستغرق وقتاً، والمساطر تبطئ الاستثمارات، والبرامج التجريبية تظل محدودة في بضعة أقاليم. المشكلة ليست في جودة المخططات، بل في الميكانيكا التي تحولها إلى واقع.
 

لذا، سيتعين على الحكومة المقبلة قيادة إصلاح غير استعراضي ولكنه جوهري: "الحكم بالنتائج". وهذا يعني تتبع السياسات العمومية بمؤشرات واضحة، وتسريع القرارات الإدارية، وتبسيط الإجراءات، وقبول تقييم ما ينجح وما لا ينجح. في عالم سياسي اعتاد الإعلانات، يعتبر الانضباط في التنفيذ ثورة ثقافية تقريباً.
 

الإصلاح الثاني هو الإصلاح الترابي. لا يزال المغرب منظماً إلى حد كبير حول مركز قرار مكثف جداً في الرباط؛ فالتوجهات الكبرى تُحدد هناك، وكذلك التحكيمات الميزانياتية، وتظل الإدارات الترابية غالباً في منطق التنفيذ أكثر منه في منطق الاستراتيجية. ومع ذلك، فإن واقع البلاد أكثر تنوعاً وتباينًا؛ فتحديات حواضر كبرى مثل الدار البيضاء ليست هي نفسها في إقليم جبلي بالأطلس المتوسط، ولا في مدينة صحراوية تمر بتحولات شاملة.
 

هنا يطرح سؤال سياسي جوهري: هل يمكن للمغرب أن يستمر في التقدم بسرعات ترابية متفاوتة؟
 

إن رهان العقد المقبل سيكون بالضبط هو تجنب ظهور "مغرب بسرعتين": من جهة أقطاب حضرية ديناميكية، متصلة، صناعية، ومندمجة في التدفقات العالمية؛ ومن جهة أخرى مناطق قروية أو هامشية قد يتولد لديها شعور بالبقاء خارج ركب النمو والفرص.
 

وضعت الجهوية المتقدمة الأسس المؤسساتية لتغيير هام، لكن هذا التحول لا يزال غير مكتمل؛ فالجهات تمتلك اختصاصات متزايدة، لكن هوامشها المالية تظل محدودة، والمسؤوليات تتقاسمها أحياناً بضبابية الإدارة المركزية والجماعات الترابية والإدارات اللاممركزة.
 

سيتعين على الحكومة المقبلة إذن تسريع تطور بسيط في مبدئه ومعقد في تنفيذه: وضع الثقة في المجالات الترابية وضمان عدالة ترابية حقيقية.
 

وهذا يعني نقل المزيد من الوسائل والمسؤوليات إلى الجهات، وتعزيز القدرات الإدارية المحلية، وتمكين المناطق من أن تصبح محركات حقيقية للتنمية. وهذا يفترض أيضاً الاستثمار المكثف في البنية التحتية، التعليم، الصحة، والربط في المناطق الأقل حظاً.
 

لكن الإصلاح الترابي المغربي يتضمن أيضاً بعداً استراتيجياً وجيوسياسياً كبيراً: التنزيل الملموس والتطبيق التدريجي لمبادرة الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية. هذا الورش، الذي يندرج ضمن رؤية لحل سياسي دائم لقضية الصحراء، يتطلب ترجمة مبدأ الحكم الذاتي الواسع مؤسساتياً واقتصادياً، مع تعزيز الاندماج الوطني.
 

من هذا المنظور، لا تعد الأقاليم الجنوبية مجرد أراضٍ يجب تطويرها؛ بل تصبح مختبراً للحكامة الترابية المتقدمة، يجمع بين التنمية الاقتصادية المتسارعة، المؤسسات الجهوية المعززة، والمشاركة المتزايدة للسكان المحليين في تدبير شؤونهم.
 

لأن المسألة الترابية في جوهرها ليست إدارية فحسب، بل هي مسألة سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة. فالدول التي تتطور بشكل مستدام هي الدول التي ترفض التصدعات المجالية.
 

في مغرب الثلاثينيات، يجب أن يكون الوعد الضمني واضحاً: لا يهم الإقليم الذي ولدت فيه، فالفرص يجب أن تظل مفتوحة. 
 

بمعنى آخر، لا يجب أن تكتفي الجهوية بإنتاج قدر أكبر من الاستقلالية المحلية، بل يجب أن تضمن أمراً أساسياً : ألا يوجد "مغربان"، بل مغرب واحد يتقدم معاً، من الريف إلى الأقاليم الجنوبية.
 

الإصلاح الرابع (والثالث ضمناً في السياق السياسي) هو بلا شك ميثاق الثقة مع المواطنين. على مر السنين، أصبح المجتمع المغربي أكثر تطلباً، وحركة "الجيل Z" (GEN Z) أكدت ذلك. المواطنون اليوم أكثر اطلاعاً، وأكثر اتصالاً، وأكثر انتباهاً للنتائج الملموسة للسياسات العمومية. الوعود لم تعد تكفي، والإعلانات التي لا تتبعها آثار تغذي نوعاً من "التعب المدني".
 

في هذا السياق، لم تعد القضية المركزية هي قضية الإصلاحات فحسب، بل هي قضية مصداقيتها. ينتظر المواطنون خدمات عمومية فعالة، آجالاً إدارية معقولة، بنية تحتية وظيفية، وفرص شغل حقيقية. إنهم يحكمون على النتائج لا على الخطابات.
 

لذا سيتعين على الحكومة المقبلة إعادة بناء علاقة مباشرة بين العمل العمومي والحياة اليومية. وهذا يمر عبر الشفافية، تقييم السياسات العمومية، التبسيط الإداري، وتواصل سياسي أكثر رصانة. في عالم مشبع بالرسائل، تُبنى الثقة بالتجربة الملموسة للخدمة العمومية أكثر مما تُبنى بالكلام.
 

هذه الإصلاحات الأربعة : التنفيذ، الجهوية، الكفاءة البشرية، والثقة؛ ترسم في الواقع تحدياً واحداً: الانتقال من "الدولة الاستراتيجية" إلى "الدولة الفعالة".
 

لقد قطع المغرب بالفعل عدة مراحل هامة؛ فتعميم الحماية الاجتماعية، الاستثمارات في البنية التحتية، صعود الطاقات المتجددة، التطور الصناعي، والانفتاح الدولي، كلها تشهد على تحول عميق بدأ منذ عقدين.
 

لكن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة؛ إذ ستتطلب قدراً أقل من الإعلانات الكبيرة وقدراً أكبر من الدقة. استراتيجيات جديدة أقل وتنسيقاً أكبر بين الاستراتيجيات القائمة. مركزية أقل وذكاءً ترابياً أكبر.
 

بهذا المعنى، لن تكون انتخابات 2026 مجرد موعد سياسي كلاسيكي، بل ستكون لحظة توضيح: أي فريق حكومي سيمتلك الانضباط والمنهجية اللازمين لإنهاء الأوراش الكبرى المفتوحة؟
 

البلد لم يعد في مرحلة "إطلاق"، بل في مرحلة "هبوط واستقرار".
 

وفي هذه المرحلة، تصبح الوعود البراقة عائقاً أحياناً؛ فكل إعلان جديد يخاطر بإضافة طبقة من التعقيد إلى بناء هو أصلاً كثيف. لذا سيكون التحدي السياسي مفارقة: مقاومة إغراء الابتكار المستمر لأولويات جديدة، وتركيز الطاقة الحكومية على إتمام التحولات الجارية بالفعل.
 

لأن السؤال في العمق لم يعد "إلى أين يريد المغرب الذهاب؟"؛ فهذا الاتجاه واضح نسبياً: دولة اجتماعية موطدة، اقتصاد إنتاجي أكثر تنوعاً، انتقال طاقي متسارع، إدارة رقمية أكثر كفاءة، واندماج دولي معزز.
 

السؤال أصبح الآن أكثر واقعية : كيف نحول هذه التوجهات إلى نتائج مرئية في الحياة اليومية للمواطنين؟
 

هنا سيلعب الاختبار السياسي الحقيقي لما بعد سبتمبر 2026.
 

ليس في فوز شعار على آخر، بل في قدرة الحكومة على ممارسة هذا الفن الهادئ والصعب الذي يسمى ببساطة : "الحكم"





الاثنين 9 مارس 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic