بقلم : عدنان بنشقرون
هذا الوضع لم يعد هامشياً، ولا يمكن تفسيره فقط باندفاع لحظي أو طبيعة المنصات الرقمية. إنه يتوسع ويطرح سؤالاً مركزياً: ماذا تعكس هذه القسوة الرقمية عن المزاج الاجتماعي والأخلاقي داخل المجتمع؟
من المعتاد التذكير بأن المغرب مجتمع قائم على قيم الضيافة والتعايش والاحترام. وهذه الصورة ليست خاطئة، بل متجذرة في التاريخ الاجتماعي والعلاقات اليومية. لكن المفارقة تصبح أكثر وضوحاً حين نقارن هذه الصورة بما يحدث داخل الفضاء الرقمي، حيث تتراجع هذه القيم أمام منطق آخر تحكمه السرعة والانتشار والرغبة في إثارة الانتباه.
في هذا الفضاء، تلعب الخوارزميات دوراً غير مباشر في تغذية هذا السلوك، إذ يصبح المحتوى الأكثر إثارة للصدمة أو الجدل هو الأكثر انتشاراً. وهكذا تنتقل بعض التعبيرات من كونها استثناءً إلى كونها ممارسة شبه يومية.
ما يظهر أيضاً هو أن الكثير من هذه التعليقات لا تعكس بالضرورة أفكاراً منظمة، بقدر ما تعكس حالات تفريغ نفسي واجتماعي: إحباط اقتصادي، شعور بالتهميش، ضغط معيش، أو غضب متراكم يجد في الفضاء الرقمي منفذاً سريعاً.
لكن المشكلة أن هذا التفريغ لا يبقى فردياً، بل يتحول إلى سلوك جماعي متكرر. تعليق عنيف يولد آخر، وسخرية جارحة تستدعي ردوداً أكثر حدّة، لتتحول المنشورات إلى ساحات صراع افتراضي، تحل فيها “القطيعة الرقمية” محل النقاش.
والأخطر أن هذا النمط من الخطاب لم يعد يُنظر إليه كخروج عن القاعدة، بل أصبح عند البعض أسلوباً للتعبير وإثبات الذات، حيث تختلط الجرأة بالإهانة، وتُستبدل الحجة بالهجوم الشخصي.
هذه التحولات لا تضر فقط بالأشخاص المستهدفين، بل تضعف جودة النقاش العمومي ككل. فعندما يصبح كل اختلاف سبباً للسبّ، يتراجع الحوار، وتختفي المساحات الرمادية، ويزداد الصمت لدى الكثيرين خوفاً من التعرض للهجوم أو التشهير.
وبمرور الوقت، تبدأ الأصوات المتزنة في الانسحاب، تاركة المجال لخطاب أكثر حدة وضجيجاً، ما يؤدي إلى خلل واضح في توازن الفضاء العام الرقمي.
هذا الوضع يعكس أيضاً خطراً أعمق، يتمثل في تطبيع العنف اللفظي داخل المجتمع، بحيث يصبح مقبولاً ضمنياً، أو على الأقل غير مستنكر بالشكل الكافي، وهو ما يطرح تحدياً تربوياً وثقافياً ومؤسساتياً في الآن نفسه.
ومن هنا، لا يمكن اختزال الظاهرة في إدانة أخلاقية بسيطة، بل تتطلب مقاربة أوسع تشمل التعليم، والإعلام، والأسر، ومنصات التواصل نفسها، من أجل إعادة بناء حد أدنى من أخلاقيات الحوار الرقمي.
فالمطلوب ليس فقط حرية التعبير، بل أيضاً إعادة الاعتبار لفكرة الاختلاف دون إهانة، والنقد دون تحقير، والنقاش دون عنف رمزي.
وفي النهاية، فإن ما يُكتب في فضاءات التعليقات ليس مجرد تفاصيل هامشية، بل هو مرآة تعكس جزءاً من الحالة الاجتماعية العامة. والمقلق أن هذه المرآة بدأت تعكس قدراً متزايداً من التوتر والانقسام، يستدعي الانتباه قبل أن يتحول إلى نمط مستقر في التواصل العام
الرئيسية















