كتاب الرأي

الوزير، مكتبه.. وعصر "حكومة الظل" المكونة من وكلاء الذكاء الاصطناعي


لطالما كان اختيار المستشارين أحد أولى الأعمال السياسية للوزير المعين حديثا. لكن واقعا تكنولوجيا جديدا بدأ يفرض نفسه تدريجيا : فإلى جانب المكتب البشري، بدأت بعض الحكومات الآن في اختبار أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على العمل كـ "حكومة ظل" (Shadow Cabinet) حقيقية. إنها ثورة صامتة في طريقة الحكم.



بقلم : عدنان بنشقرون

عندما يعبر الوزير باب مكتبه لأول مرة، يفرض عليه قرار فوري: تشكيل مكتبه. مديرون، مستشارون تقنيون، وخبراء قطاعيون.. يفترض بهذا الفريق الصغير أن يجسد العقل الجماعي للموزارة. فهو الذي يصفي المعلومات، ويعد التحكيمات، ويتوقع الأزمات.
 

لكن منذ بضعة أشهر، ظهر فاعل جديد في هندسة السلطة هذه: الذكاء الاصطناعي المسمى "الوكالي" (Agential AI).
 

خلافا لأدوات الذكاء الاصطناعي الحوارية الكلاسيكية -التي تكتفي ببساطة بالإجابة على الأسئلة- يعمل الذكاء الوكالي بشكل مختلف. فهو مبني كنظام من الوكلاء المستقلين القادرين على الإدراك، التحليل، القرار، والعمل في بيئة معلوماتية معقدة. بعبارة أخرى، لم تعد هذه مجرد آلات تجيب، بل آلات تعمل.
 

في العديد من الإدارات عبر العالم، بدأ هذا التطور في تحويل مصنع القرار العام.
 

الفكرة بسيطة على الورق. في اللحظة التي يشكل فيها الوزير مكتبه البشري، يمكنه أيضا تكليف مزود تكنولوجي بوضع "حكومة ظل" من وكلاء الذكاء الاصطناعي. نوع من المكتب الموازي، غير المرئي ولكنه نشط للغاية، مكلف بمعالجة تدفق المعلومات باستمرار.
 

ملموسا، يمكن لهذا النظام أن يتكون من عدة وكلاء متخصصين :
 

  • وكيل يراقب البيانات الاقتصادية.
     

  • وكيل آخر يحلل المستجدات الدولية.
     

  • ثالث يتتبع شبكات التواصل الاجتماعي والرأي العام.
     

  • ورابع يمحص النصوص القانونية والسياسات العمومية المقارنة.
     

كل واحد من هؤلاء الوكلاء يعمل بشكل دائم، يقاطع البيانات، ينتج الخلاصات، يحدد الإشارات الضعيفة ويرفع التنبيهات.
 

الهدف ليس تعويض المستشارين البشريين، بل منحهم قدرة تحليلية مضاعفة.
 

لأن واقع السلطة الحديثة قاسي: فالمعلومات تصل اليوم بسرعة وحجم لا تستطيع الفرق البشرية استيعابهما بمفردها.
 

يوميا، يجب على الوزارة تدبير آلاف الوثائق، التقارير، الإحصائيات، المذكرات الدبلوماسية، المنشورات العلمية، والرسائل على شبكات التواصل الاجتماعي. لا يمكن لأي مكتب، مهما كان حسن التنظيم، أن يعالج هذا التدفق في الوقت الفعلي.
 

الذكاء الوكالي يغير المعطيات.
 

بفضل ذاكرته الدائمة وقدرته على المعالجة الضخمة، يمكن لشبكة من الوكلاء تحليل آلاف المصادر في وقت واحد وإنتاج لوحات قيادة استراتيجية باستمرار.
 

بإمكان الوزير هكذا أن يتوفر كل صباح على إيجاز (Briefing) مغذى ليس فقط من طرف مستشاريه، ولكن أيضا من طرف نظام قادر على أن يكون قد حلل طوال الليل التطورات الاقتصادية، القرارات الأجنبية المماثلة، أو اتجاهات الرأي العام.
 

في بعض الحالات، يمكن لهذه الأنظمة حتى محاكاة السيناريوهات.
 

إذا تم التفكير في مشروع قانون، يمكن للوكلاء تحليل تجارب عشرات الدول، نمذجة الأثر الاقتصادي المحتمل، توقع ردود الفعل الإعلامية أو تحديد المخاطر القانونية.
 

يبقى المكتب البشري هو سيد القرار، لكن البيئة المعلوماتية تصبح أغنى بشكل جذري.
 

هذه الفكرة حول "حكومة الظل" الخوارزمية ليست من قبيل الخيال العلمي.
 

في الشركات الكبرى، تستخدم بنى "متعددة الوكلاء" (Multi-agents) بالفعل لتسيير عمليات معقدة: التحليل المالي، تحسين اللوجستيك، اليقظة الاستراتيجية، ورصد المخاطر.
 

السياسة، التي كانت لفترة طويلة أكثر بطئا في تبني التكنولوجيات، بدأت تنظر لهذه الأدوات باهتمام.
 

السبب بسيط : الحكامة العمومية أصبحت معقدة بشكل غير عادي.
 

القرارات الوزارية يجب أن تدمج اليوم معايير اقتصادية، تكنولوجية، بيئية، جيوسياسية ومجتمعية في آجال قصيرة جدا. فإصلاح سيء التحضير يمكن أن يطلق عاصفة سياسية في بضع ساعات على شبكات التواصل الاجتماعي.
 

في هذا السياق، التوفر على نظام ذكاء استراتيجي دائم يمكن أن يصبح ميزة حاسمة.
 

لكن هذا التطور يطرح أيضا أسئلة حساسة : 
 

من يراقب هذه الأنظمة؟ من يصمم الخوارزميات؟ كيف نضمن حياد التحليلات المنتجة؟
 

قد يكون الإغراء كبيرا لتفويض هذه البنى لشركات تكنولوجية كبرى، مع خطر إدخال تبعيات جديدة في آلة الدولة.
 

تصبح مسألة السيادة الرقمية حينها مركزية.
 

إذا اعتمدت الحكومات حقا "حكومات الظل" هذه، فسيتعين عليها على الأرجح تطوير بنياها التحتية الخاصة ونماذجها الخاصة للذكاء الاصطناعي من أجل الحفاظ على استقلال القرار العام.
 

تحد آخر : الشفافية الديمقراطية
 

المستشار البشري يمكن الاستماع إليه، استجوابه، ومناقضته. أما نظام الوكلاء الخوارزمي، فيبقى غالبا "صندوقا أسود". يجب أن يضمن للمواطنين أن هذه الأدوات تخدم المصلحة العامة وليس منطقا تقنقراطيا غامضا.
 

رغم هذه التساؤلات، يبدو شيء واحد مؤكدا منذ الآن :  الذكاء الوكالي يستعد لتحويل الطريقة التي تتخذ بها المنظمات قراراتها.
 

الشركات فهمت ذلك، والمؤسسات العمومية بدأت تهتم به. وغدا، ربما، لن يكون أول قرار للوزير هو فقط اختيار مستشاريه.
 

بل سيكون أيضا تصميم منظومته للذكاء.
 

في هذا المشهد الجديد، السلطة لن تلعب فقط في المكاتب الوزارية. بل ستلعب أيضا في البنى غير المرئية للوكلاء الرقميين الذين سيحللون العالم باستمرار.
 

المكتب السياسي سيبقى بشريا.
 

لكن خلفه، صامتا ودؤوبا، مكتب آخر -خوارزمي هذه المرة- قد يعمل ليل نهار على إضاءة القرارات.





الاثنين 9 مارس 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic