كتاب الرأي

حروب غير مشروعة : "دومينيك دو فيلبان" يقترح إلزام الدول المعتدية بتكاليف إعادة الإعمار




بقلم : عدنان بنشقرون

نحو مبدأ جديد في القانون الدولي: «من يهدم.. يدفع»
 

في قاموس العلاقات الدولية، تتحول بعض المبادئ إلى بوصلات أخلاقية ؛ فمبدأ «الملوث يدفع» مثلا، فرض نفسه تدريجيا في القانون البيئي : حيث يتعين على من يدمر نظاما بيئيا تمويل إصلاحه. واليوم، يقترح رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، دومينيك دو فيلبان، تطبيق منطق مماثل.. لكن في ميدان الحروب.
 

تتلخص فكرته، التي صاغها في عدة مداخلات أخيرة، في عبارة بسيطة :  أي دولة تقوم بتدخل عسكري غير مشروع أو غير قانوني – أي دون تفويض من الأمم المتحدة – يجب أن تكلف بتمويل إعادة إعمار ما دمرته. إنه بمثابة مبدأ دولي لـ «المخرب الضامن» يطبق على النزاعات المسلحة.
 

تقبع خلف هذا المقترح انتقادات قديمة لآلية عمل النظام الدولي ؛ فمنذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، ترتكز شرعية التدخلات العسكرية نظريا على إطار واضح : استخدام القوة محظور إلا في حالة الدفاع الشرعي عن النفس، أو بترخيص من مجلس الأمن. لكن عمليا، تمت قيادة العديد من العمليات العسكرية عبر الالتفاف على هذا الإطار القانوني أو تأويله بشكل فضفاض.
 

والأمثلة صارخة ؛ فمن غزو العراق عام 2003 دون تفويض صريح، إلى تدخل حلف الشمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا عام 2011 الذي رآه بعض القانونيين تجاوزا لأهداف حماية المدنيين. في هذه النزاعات، كانت التكاليف البشرية والمادية هائلة، بينما ألقي عبء إعادة الإعمار على كاهل السكان المحليين أو المجتمع الدولي.
 

يستهدف دو فيلبان هذا الاختلال تحديدا ؛ فمن وجهة نظره، فإن غياب المسؤولية المالية يغذي الاستهتار الاستراتيجي. فالدولة قد تبدأ عملية عسكرية، وتحدث دمارا شاملا، ثم تنسحب تاركة للآخرين – من مؤسسات دولية ودول جوار – مهمة إصلاح ما أفسدته.
 

بالنسبة لدو فيلبان، فإن إدراج مبدأ قانوني دولي للمسؤولية المالية قد يكون رادعا حقيقيا. فلو علمت القوى العظمى أنها ستدفع كامل فاتورة إعادة إعمار البنية التحتية – من طرق، ومستشفيات، ومدارس – لربما ترددت طويلا قبل الإقدام على تدخل لا تباركه الأمم المتحدة.
 

لكن التحدي يبقى في كيفية تحويل هذا المقترح إلى قاعدة نافذة؛ فالقانون الدولي يقوم على رضا الدول، والقوى العسكرية الكبرى هي نفسها من يملك القدرة على عرقلة مثل هذه القوانين التي ستطبق عليها أولا.
 

ما مصير «حق التدخل»؟

 

يبقى هناك سؤال حساس، وربما فلسفي :  ما الذي سيحل بمبدأ «حق التدخل» الشهير في ظل هذا النظام؟
 

منذ التسعينيات، ارتكز هذا المفهوم – الذي نظر له برنار كوشنر – على فكرة بسيطة : عندما يقع السكان ضحايا لجرائم جماعية أو كوارث إنسانية، يمكن للمجتمع الدولي التدخل، حتى ضد سيادة الدولة. وقد تطور هذا المبدأ لاحقا ليصبح عقيدة «المسؤولية عن الحماية» التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 2005.
 

لكن إقحام مسؤولية مالية على الدول المتدخلة سيخلق مأزقا فوريا؛ فإذا قررت دولة التدخل لمنع إبادة جماعية، هل سيتعين عليها وحدها تحمل التكاليف الباهظة لإعادة الإعمار؟
 

إن هذا المبدأ قد يؤدي إلى أثر متناقض ؛ فمن جهة، قد يلجم المغامرات العسكرية أحادية الجانب عبر فرض تكلفة مباشرة. ومن جهة أخرى، قد يجعل الدول أكثر حذرا تجاه الأزمات الإنسانية، خوفا من أن ترث وحدها فاتورة الإعمار.
 

تكمن الصعوبة إذن في التوازن بين متطلبين متناقضين : منع الحروب غير المشروعة دون شل التدخلات الضرورية لحماية الشعوب. وبمعنى آخر، خلف الصيغة البسيطة «من يهدم يدفع»، يتوارى سؤال أكثر تعقيدا : كيف نحمل القوة المسؤولية دون أن نحيد التضامن الدولي؟
 

في عالم تتعدد فيه الصراعات وتستغرق إعادة الإعمار فيه عقودا، يبدو أن النقاش قد بدأ للتو، وهو يذكرنا بحقيقة دبلوماسية قديمة : الحرب قد تتقرر في أيام معدودة، لكن تبعاتها المالية والبشرية قد تمتد لقرن من الزمن





الاثنين 9 مارس 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic