"حرفة وحكاية" : الحلقة الشعبية.. الحلايقي.. حين كانت الكلمة تصنع الإنسان قبل الشاشة
في زمن تسارع الصورة وسطوة الشاشات، يعود النقاش حول الحلقة الشعبية بوصفها أحد أعمق أشكال إنتاج المعرفة ونقلها في الثقافة المغربية. ليست الحلقة مجرد فرجة أو تسلية عابرة في الساحات العمومية، بل هي مؤسسة اجتماعية غير مكتوبة، صنعت عبر قرون الذوق الجماعي، ورسخت الذاكرة المشتركة، ونقلت القيم والمعاني من صدر إلى صدر، ومن أذن إلى وجدان.
الحديث عن الحلقة هو حديث عن المعرفة الشفوية في أصلها الأول. فالمعرفة، سواء كانت عالِمة أو شعبية، وُلدت شفهيًا قبل أن تُدوَّن. الشعر العربي أنشد قبل أن يُكتب، والقرآن الكريم حُفظ في الصدور قبل أن يُجمع في السطور. من هنا ترسخ في الوعي الجمعي قول مأثور: حرف في القلوب خير من عشرة في الكتب. فالكلمة المنطوقة، حين تُقال بصدق وحضور، تحمل شحنة وجدانية لا يعوضها النص الجامد.
في قلب هذه التجربة، يبرز مفهوم الإنصات لا السماع. السماع فعل فيزيائي تلتقط فيه الأذن الأصوات، أما الإنصات فهو تركيز وانتباه ووعي. الحلقة لا تعيش إلا بالإنصات؛ به يتحول الفضاء إلى مدرسة، والساحة إلى مختبر للمعنى، والحكاية إلى أداة تربية وبناء. لهذا كانت الأمهات والجدات يقلن: «أنصت»، لأن المطلوب ليس مجرد السمع، بل الفهم والتفاعل.
تتميز المعرفة الشعبية بطابعها الحي والمتغير. الرواية الواحدة قد تُروى بصيغ متعددة، تتبدل فيها الكلمات والتعابير حسب الراوي والبيئة واللغة والمخزون الثقافي. هذا التعدد لا يُعد ضعفًا، بل دليل حياة. فالحكاية الشعبية كائن حيّ، يتنفس بلسان الناس، ويعيد تشكيل نفسه مع كل سرد. غير أن هذا الثراء نفسه جعل التدوين متأخرًا، إذ ظلت النخبة، لسنوات طويلة، تنظر إلى الأدب الشعبي نظرة دونية، قبل أن يُعاد الاعتبار إليه بوصفه رافدًا أساسيا للهوية.
الحلقة، لغويًا، دائرة. ودلاليًا، هي اجتماع بشري حول راوٍ أو حكواتي أو حلايقي. هذه الدائرية ليست شكلًا اعتباطيًا، بل تعبير عن المساواة والتقارب والانتماء. في البيوت، كان الأطفال يتحلقون حول الأمهات والجدات بعد العشاء لسماع الحكايات والألغاز. وفي الساحات، كان الناس يتحلقون حول الحلايقي، ينسون همومهم، ويتشاركون الضحك والبكاء، الأمل والخوف.
من الإنصات إلى النسيان: هل نخسر آخر مدارس الذاكرة المغربية ؟
الحلايقي ليس مهرجًا، بل مربٍّ بالفطرة. يمتلك أدوات سرد معقدة: التحكم في نبرة الصوت، الإيقاع، الصمت، الحركة، ولغة الجسد. يعرف متى يشد الانتباه، ومتى يترك القصة تتنفس. يستطيع أن يجعل الناس تنصت حتى وهو يعطيهم ظهره، وهي قدرة نادرة لا تُكتسب إلا بالممارسة والحب الصادق للجمهور. بهذه المهارات، لا ينقل الحلايقي الحكاية فقط، بل ينقل القيم: الصبر، الحكمة، الذكاء، والعدل.
لم تكن الحلقة فضاءً محايدًا. فقد لعبت دورًا دينيًا وتربويًا، وأحيانًا سياسيًا. في فترات الاستعمار، تحولت بعض الحلقات إلى منابر غير مباشرة للتحريض الوطني، ونقل الوعي المقاوم، وتعرية الخيانة والتواطؤ بلغة رمزية يفهمها الجميع. بهذا المعنى، تشكل نصوص الحلايقيين وثائق تاريخية موازية، لا تقل أهمية عن الأرشيف الرسمي.
اليوم، يواجه هذا الإرث خطر التآكل. التكنولوجيا قلّصت زمن الحكاية، وجففت الدفء العاطفي الذي كان يرافق نقل المعرفة. لكن الحاجة إلى الحلقة لم تختفِ؛ بل ازدادت إلحاحًا. إعادة إحياء فن الحكي، وتوثيق التراث الشفوي، وإدماجه في المدرسة والجامعة، لم يعد ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة لحماية الذاكرة والهوية في زمن النسيان السريع.
آخر الأخبار
|
حياتنا
|
صحتنا
|
فن وفكر
|
لوديجي ستوديو
|
كتاب الرأي
|
أسرتنا
|
تكنو لايف
|
بلاغ صحفي
|
لوديجي ميديا [L'ODJ Média]
|
كيوسك
|
اقتصاديات
|
كلاكسون
|
سپور