اقتصاديات

النساء وسوق الشغل في المغرب.. طريق شاق نحو الاستقلال الاقتصادي


لا تزال مشاركة النساء في سوق الشغل بالمغرب تواجه مجموعة من العوائق التي تحد من قدرتهن على تحقيق استقلال اقتصادي مستقر، رغم التحولات الاجتماعية والتعليمية التي عرفها المجتمع خلال السنوات الأخيرة.



وتكشف معطيات الربع الثاني من سنة 2026 عن استمرار فجوة واضحة بين النساء والرجال في سوق العمل، إذ بلغ معدل البطالة في صفوف النساء 14.8%، مقابل 8.1% لدى الرجال. ولا تعكس هذه الأرقام صعوبة الولوج إلى الوظيفة فحسب، بل تكشف أيضاً عن مجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل المسار المهني للمرأة أكثر تعقيداً.

 بطالة نسائية تكشف فجوة مستمرة

يشكل الفارق بين معدلي البطالة لدى النساء والرجال أحد أبرز مظاهر عدم التكافؤ في سوق الشغل المغربي.

فمعدل البطالة النسائية، الذي يقارب ضعف نظيره لدى الرجال، يعكس صعوبة أكبر تواجهها النساء في العثور على عمل والاحتفاظ به، خصوصاً في سياق اقتصادي يتطلب مهارات متجددة وقدرة على التكيف مع التحولات التي يعرفها سوق العمل.

ولا ترتبط هذه الفجوة بالطلب على اليد العاملة فقط، وإنما تتداخل فيها عوامل متعددة، بعضها اقتصادي وبعضها الآخر اجتماعي وثقافي، ما يجعل معالجة البطالة النسائية تتطلب مقاربة تتجاوز مجرد إحداث فرص شغل جديدة.

الأسرة.. حين يصبح العمل رهيناً بالمسؤوليات المنزلية

تظل الالتزامات الأسرية من أبرز العوامل التي تؤثر في المسار المهني للنساء.

فمسؤوليات رعاية الأطفال والأشخاص المسنين والأعمال المنزلية تقع في كثير من الحالات بدرجة أكبر على عاتق النساء، وهو ما قد يدفع بعضهن إلى الانسحاب من سوق الشغل أو قبول وظائف أقل استقراراً ومرونة.

وتزداد صعوبة المعادلة بالنسبة إلى النساء اللواتي يعشن في بيئات تفتقر إلى خدمات رعاية الأطفال أو إلى وسائل نقل ملائمة، إذ تصبح كلفة العمل بالنسبة إليهن أكبر، ليس فقط من الناحية المالية، وإنما أيضاً من حيث الوقت والجهد.

ومن هنا، فإن تعزيز حضور النساء في سوق الشغل يرتبط كذلك بتطوير خدمات اجتماعية مساندة، مثل دور الحضانة وخدمات الرعاية وتوفير ظروف عمل أكثر ملاءمة للتوفيق بين الحياة المهنية والأسرية.

 التمييز لا ينتهي عند باب التوظيف

حتى عندما تتمكن المرأة من دخول سوق العمل، قد تواجه تحديات أخرى مرتبطة بالتمييز المهني، سواء خلال التوظيف أو في فرص التطور والترقي داخل المؤسسة.

وقد تظهر هذه الصعوبات في اختلاف فرص الوصول إلى بعض الوظائف، أو في الأجور، أو في محدودية تمثيل النساء في بعض مواقع المسؤولية وصنع القرار.

ويؤثر هذا الواقع على الاستقلال الاقتصادي للنساء، لأن الاستقلال لا يرتبط بمجرد الحصول على وظيفة، بل أيضاً بمدى استقرارها وجودة الأجر وإمكانية التطور المهني وبناء مسار وظيفي طويل الأمد.

 التكوين.. مفتاح أساسي للاستقلال

يشكل التكوين واكتساب المهارات عاملاً حاسماً في تحسين فرص النساء في الولوج إلى سوق الشغل.

فالتغيرات التي يعرفها الاقتصاد، خصوصاً مع توسع الرقمنة والخدمات والمهن الجديدة، تجعل المهارات المهنية والتقنية أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ومن شأن تعزيز برامج التكوين المهني وإعادة التأهيل، خصوصاً لفائدة النساء اللواتي انقطعن عن العمل لفترات طويلة بسبب المسؤوليات الأسرية، أن يساعد على تسهيل عودتهن إلى سوق الشغل ورفع قدرتهن على المنافسة.

كما يمكن للتكوين في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والمهن الخضراء أن يفتح أمام النساء فرصاً جديدة، بعيداً عن القطاعات التقليدية التي قد تكون محدودة من حيث الأجور أو فرص التطور.

 الاستقلال الاقتصادي يتجاوز مفهوم الوظيفة

لا يمثل العمل بالنسبة إلى المرأة مصدراً للدخل فقط، بل يمكن أن يكون عاملاً أساسياً في تعزيز قدرتها على اتخاذ القرارات وبناء مستقبل أكثر استقلالية.

فالاستقلال الاقتصادي يمنح المرأة هامشاً أكبر من الاختيار، ويعزز قدرتها على مواجهة الأزمات، والاستثمار في تعليمها وتكوينها، والمساهمة بشكل أكبر في القرارات الأسرية والاجتماعية.

كما أن ارتفاع مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي لا يعود بالنفع على النساء وحدهن، بل يساهم في توسيع قاعدة الموارد البشرية المنتجة ورفع مساهمة الأسر في الاقتصاد وتعزيز النمو.

نحو سوق شغل أكثر إنصافاً

تقليص الفجوة بين النساء والرجال في سوق العمل يتطلب معالجة مجموعة من العوامل في وقت واحد: خلق فرص شغل لائقة، تحسين التكوين، مكافحة التمييز، وتوفير بيئة تسمح بالتوفيق بين المسؤوليات المهنية والأسرية.

فالأرقام المتعلقة بالبطالة النسائية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد مؤشرات إحصائية، بل باعتبارها انعكاساً لعوائق ما زالت تحول دون استفادة جزء مهم من النساء من الفرص الاقتصادية المتاحة.

وبينما يواصل المغرب مسار التحول الاقتصادي والاجتماعي، يبقى تعزيز الاستقلال الاقتصادي للنساء أحد الاختبارات الأساسية لقدرة سوق الشغل على أن يصبح أكثر شمولاً وإنصافاً.

فالاستقلال الاقتصادي للمرأة لا يبدأ فقط من العثور على وظيفة، وإنما من امتلاك فرصة عادلة للدخول إلى سوق العمل، والاستمرار فيه، والتطور داخله، والحصول على مقابل يضمن لها استقلالاً حقيقياً ومستداماً.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاثنين 26 أكتوبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ





















Buy cheap website traffic