المسّ بين الإيمان والطب النفسي : هل ما نسمّيه “الاستحواذ” خرافة أم سؤال لم تُجب عنه الحداثة بعد ؟
في المخيال الحديث، كثيرا ما تُختزل مسألة المسّ أو الاستحواذ الروحي في صورة نمطية جاهزة: معتقد شعبي يخص المجتمعات “المتأخرة”، أو أثر من آثار الجهل الذي لم تمحه الحداثة بعد. غير أن هذا الحكم السريع هو بالضبط ما تسعى مادة مرئية حديثة إلى تفكيكه، من خلال مقاربة تعتبر أن الظاهرة لا يمكن حصرها لا في خانة الخرافة البسيطة، ولا في التفسير الطبي الصرف، بل في منطقة رمادية تتقاطع فيها الدين، والروحانيات، والعلوم النفسية، والتقاليد الباطنية.
الفكرة الأساسية التي تنطلق منها هذه الرؤية هي أن الظواهر الروحية ليست حكرا على المجتمعات المحافظة أو الفقيرة. الغرب نفسه، الذي يُقدَّم عادة باعتباره تجاوز هذه التصورات، لم يتخلّ في العمق عن عالم الخفي. من الثيوصوفيا إلى الماسونية، ومن أدبيات القديسين المسيحيين إلى دراسات الباراسيكولوجيا، ظلّ هناك دائما اهتمام بما يتجاوز المادة الخالصة: حالات الرفع، والوصمات، والروائح المقدسة، وتجارب الوعي غير العادية. المعنى هنا واضح: الحداثة لم تُلغِ سؤال الروح، بل غيّرت فقط لغته ومؤسساته.
حين تعجز الحداثة عن التفسير: المسّ كمعركة بين الطب والميتافيزيقا
في قلب هذا النقاش تبرز أطروحة أكثر حساسية: الدماغ ليس هو الروح. نعم، الدماغ أداة عبور، ووسيط أساسي للتعبير، لكنه ليس بالضرورة المصدر النهائي للوعي أو الإدراك. من هنا، فإن ردّ كل حالات المسّ أو التلبس إلى الاضطرابات النفسية أو العصبية فقط، يبدو في نظر هذا الطرح اختزالا شديدا. لا أحد ينكر وجود انفصام الشخصية أو الاضطرابات التفارقية أو الاختلالات الإدراكية، لكن أصحاب هذا التوجه يرون أن بعض الحالات تتجاوز فعلا ما يمكن للطب النفسي التقليدي أن يشرحه بالكامل.
هنا يدخل مفهوم “الجسد الروحي” أو “الجسد الأثيري”. فالإنسان، وفق هذا التصور، ليس مجرد جسد مادي منظور، بل له أيضا بنية باطنية غير مرئية تتفاعل باستمرار مع جسده الظاهر. والمسّ، بهذا المعنى، لا يكون مجرد اضطراب في السلوك، بل تدخلا خارجيا أو اختراقا يصيب هذا الجسد الخفي، ثم ينعكس لاحقا على الوعي والكلام والحركة والانفعال. لذلك يصبح ما يبدو مرضا نفسيا في الظاهر، قابلا لقراءة أخرى ترى فيه خللا في التوازن بين المرئي واللامرئي داخل الإنسان.
الدماغ ليس الروح: لماذا يعود سؤال المسّ بقوة اليوم ؟
وتذهب المادة أبعد من ذلك، حين تربط هذه الظاهرة بفكرة أوسع: الصراع بين قوى النور وقوى الظلمة. العالم، وفق هذا المنظور، ليس محكوما فقط بقوانين المادة، بل كذلك بإيقاعات روحية وطاقية تتبدل مع الزمن والأحوال. الدعاء، والذكر، وتلاوة القرآن، والتحصين الروحي، ليست هنا مجرد ممارسات تعبّدية، بل أدوات حماية داخل معركة غير منظورة، يكون الإنسان فيها عرضة للتأثير بقدر ما يكون قادرا على المقاومة.
الأهم في هذا الطرح ليس أنه يقدّم حكما نهائيا، بل لأنه يعيد فتح سؤال قديم ظنّت الحداثة أنها تجاوزته: ما الإنسان حقا؟ هل هو جهاز عصبي بالغ التعقيد فقط؟ أم كائن أوسع من ذلك، يحمل في داخله بعدا روحيا لا يمكن اختزاله في الكيمياء العصبية وحدها؟
الجواب لا يزال محل نزاع. الطب يطلب البرهان، والإيمان يستند إلى النص والتجربة، والروحانيات تقترح خرائطها الخاصة. لكن هذا التوتر نفسه يكشف شيئا عميقا عن زمننا: نحن نعيش في عصر شديد التقنية، لكنه لم ينجح بعد في إسكات أسئلة الغيب والروح والخفي.
في النهاية، لا تبدو قضية المسّ مجرد موضوع هامشي من عالم “البارانورمال”، بل مرآة لقلق إنساني أعمق: كيف نفهم ما يعجز العقل المادي وحده عن تفسيره؟
آخر الأخبار
|
حياتنا
|
صحتنا
|
فن وفكر
|
لوديجي ستوديو
|
كتاب الرأي
|
أسرتنا
|
تكنو لايف
|
بلاغ صحفي
|
لوديجي ميديا [L'ODJ Média]
|
كيوسك
|
اقتصاديات
|
كلاكسون
|
سپور
|
المراقبة السياسية