هذا الارتفاع اللافت لم يقتصر على عدد القضايا، بل شمل أيضاً عدد الموقوفين والمتورطين، إذ تم توقيف أكثر من 13 ألف شخص على خلفية قضايا مرتبطة بالعنف والجريمة في الوسط المدرسي ومحيطه، بعدما كان العدد لا يتجاوز حوالي 8 آلاف و784 حالة قبل ثلاث سنوات. وهي أرقام تعكس، بحسب متابعين، تحولات مقلقة في طبيعة التهديدات التي باتت تحاصر الفضاء التعليمي.
ومن بين أبرز المؤشرات التي أثارت الانتباه، الارتفاع الكبير في الجرائم المرتبطة بالمخدرات قرب المدارس. فقد سجلت الأجهزة الأمنية أكثر من 5300 قضية تتعلق بتعاطي المخدرات أو ترويجها بالقرب من المؤسسات التعليمية خلال الموسم الحالي، مقارنة بحوالي 2900 قضية فقط قبل ثلاث سنوات. ويعكس هذا التطور تمدد شبكات الترويج واستهدافها لفئة المراهقين والشباب، في ظل هشاشة اجتماعية ونفسية تجعل بعض التلاميذ أكثر عرضة للاستقطاب.
وتؤكد السلطات الأمنية أن أغلب المتورطين في هذه الأنشطة الإجرامية لا ينتمون إلى المؤسسات التعليمية نفسها، بل يتحركون في محيطها الخارجي، مستغلين فترات الدخول والخروج وضعف المراقبة في بعض المناطق. كما تشير المعطيات إلى تورط شباب منقطعين عن الدراسة في عدد من عمليات السرقة والاعتداءات التي تستهدف التلاميذ والأطر التربوية.
ولم تعد الظاهرة مرتبطة فقط بالمخدرات أو السرقات، بل امتدت إلى أشكال متعددة من العنف، من بينها الاعتداءات الجسدية واللفظية، واقتحام المؤسسات التعليمية، وترويج الحبوب المهلوسة بالقرب من المدارس، فضلاً عن تسجيل حالات استغلال للقاصرين في بعض الأنشطة غير القانونية.
وترى الجهات الأمنية أن هذه المؤشرات لا تمثل مجرد ارتفاع عابر في الأرقام، بل تعكس تحولات أعمق في طبيعة الجنوح والعنف المرتبط بالوسط المدرسي. فالعنف أصبح أكثر وضوحاً وجرأة، كما أن تداول المواد المحظورة صار يتم بطرق أسهل وأكثر تنظيماً، ما يفرض إعادة التفكير في آليات الحماية والمراقبة.
وفي مقابل المقاربة الأمنية، يبرز نقاش آخر يتعلق بالأسباب الاجتماعية والنفسية التي تغذي هذه الظاهرة. فعدد من الخبراء يعتبرون أن المدرسة أصبحت تعكس بشكل مباشر الضغوط التي يعيشها المجتمع، من هشاشة أسرية، وتفكك اجتماعي، وبطالة، وتأثير المحتوى الرقمي العنيف، إضافة إلى ضعف التأطير النفسي والتربوي داخل المؤسسات التعليمية.
كما أن عدداً من التلاميذ يعيشون أوضاعاً اجتماعية معقدة تجعلهم أكثر عرضة للانحراف أو التأثر بالسلوكيات العدوانية، خصوصاً في الأحياء الهامشية التي تعاني ضعف البنيات الثقافية والرياضية وغياب فضاءات الاحتضان والتوجيه.
وفي ظل هذه المعطيات، تؤكد السلطات أن مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تعتمد فقط على التدخل الأمني، رغم أهميته، بل تحتاج إلى تنسيق أوسع بين مختلف المتدخلين، من إدارات تربوية وأسر وسلطات محلية وجمعيات المجتمع المدني. فالوقاية المبكرة، وتتبع التلاميذ في وضعية هشاشة، وتعزيز التوعية داخل المدارس، تبقى عناصر أساسية للحد من تفاقم الوضع.
الرئيسية





















































