كتاب الرأي

​لقد وقعنا في الفخ… فخ فتنة الانتخابات


في كل مرة تقترب فيها بلادنا من موعد انتخابي، يبدو كأن ثمة من يضبط عقارب الساعة على توقيت تتسارع فيه الأحداث والوقائع في الخفاء حتى تصبح ظاهرة للعيان، حيث تبدأ القصة الكاملة بتسريب ثم تتوالى موجات التسريبات والشائعات وفبركة الملفات.



وثيقة مجهولة المصدر، اتهام يُطلق بلا دليل ويُعاد تداوله بلا مساءلة، وفي كل مرة، يجد المواطن المغربي نفسه أمام اختيار مُصطنع، بين أن يصدق أو يشك، وهنا نكون قد وقعنا في الفخ، فخ فتنة الانتخابات.

لا يحتاج المراقب أو الباحث أو حتى المواطن البسيط إلى عمق تحليلي كبير ليلاحظ أن وتيرة التسريبات والشائعات والحسابات المجهولة ترتفع بشكل لافت كلما اقترب استحقاق انتخابي. 
هذا منطق مُحكم، فالانتخابات تجسد لحظة هشاشة جماعية بامتياز، حين تكون المواقف قابلة للتشكيل، والثقة قابلة للاهتزاز، والناخب في أشد حالاته تأثراً بما يتلقاه من معطيات كانت صحيحة أو مغلوطة أو مشوهة.

في هذا المناخ، تصبح الفتنة استثماراً سياسياً مجدياً لكل من لا يملك مشروعاً مجتمعيا حقيقياً يقنع به المواطن، وبالطبع حين لا يستطيع هؤلاء أن يفوزوا من خلال تقديم برنامج انتخابي يحمل هم الوطن والمواطن، يحاولون العمل على خسارة الخصم وإغراقه في منطق الشبهة.

ما يميز هذه المرحلة هو ظهور نمط محدد من التسريبات، لا مصدر موثوقاً، ولا جهة تتبناها بوجه مكشوف، ولا سياق يُعطيها معنى كاملاً، مجرد محتوى يُلقى في الفضاء الرقمي كحجر في بركة راكدة، ثم تُترك الدوائر تتسع وحدها.

ولكن العامل المساعد من وجهة نظري، في تفشي هذه المعضلة هو أننا أمام صحافة معطوبة لم تعد تقوم بأدوارها الكاملة في تقصي الأحداث وتناولها من خلال أجناس صحفية أصبحت شبه "منقرضة" من صحافتنا، وعلى سبيل المثال لا الحصر جنس "التحقيق"، فاليوم أصبح المناخ العام للمهنة مع ما تفرضه متطلبات الصحافة الإلكترونية خاصة، من انتهاج للسرعة في نشر الأخبار ، والكم في الإنتاج، يجعل الصحفي رهينة الخمول والأجناس الصحفية الجالسة والرتيبة.

ولنعود لموضوعنا، فهذا النوع من التسريبات يشتغل بآلية الفتنة القرآنية في أدق صورها: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. الأثر لا يتوقف عند المستهدف، بل يتمدد ليطال الثقة العامة، ثقة المواطن في العملية الانتخابية برمتها، وفي المؤسسات المشرفة عليها، وفي جدوى المشاركة أصلاً.

وهذا بالضبط هو الهدف الحقيقي، ليس إسقاط مرشح بعينه، بل تفريغ الانتخابات من روحها وفحواها، وتحويل صناديق الاقتراع من أداة لتحقيق الإرادة الشعبية إلى مشهد يكتنفه الشك والريبة.
تشتغل ثقافة الفتنة الانتخابية في بلادنا وفق ثنائية متكررة ونمطية، أولها تضخيم الأزمة لبناء اليأس والتيه، حين تقع صعوبة اقتصادية أو اجتماعية، يسارع هؤلاء إلى تحويلها من ورقة ضغط مشروعة إلى مادة لليأس الجماعي، والهدف هنا ليس إصلاح المشكلة، بل إقناع الناخب بأن لا شيء يصلح، فإما يقاطع أو يصوّت بمنطق العقاب وليس بمنطق الوعي.

أما ثاني ميكنزمات ثقافة الفتنة الانتخابية ببلادنا، وهو أخطر الأوجه، فهو إغراق المشهد عند كل استحقاق، حين يقترب موعد الانتخابات، يُغرق الفضاء الرقمي بالتسريبات والشائعات حتى لا يتسع لأي نقاش برنامجي جاد أن يؤخد مساحته في النقاش العمومي، وبهذا يريدوننا أن نتحدث عن الفضيحة المُصطنعة لا عن السياسات، وعن الاتهام المفبرك لا عن المشروع.

لكن يبقى ما يقلق أكثر من أي تسريب بعينه هو الأثر التراكمي لهذا المناخ على الناخب (ة) المغربي (ة)، لا سيما الشباب، حين يتعرض المواطن باستمرار لموجات من الشك والتشكيك والاتهامات المتقاطعة، يبدأ تدريجياً في استيعاب فكرة واحدة مسمومة، لا فرق، والكل سواء، والتصويت لا يُغير شيئاً، وحين تتجذر هذه الفكرة، تكون الفتنة قد بلغت مبتغاها الأعمق، لم تُسقط مرشحاً، بل أسقطت المشاركة السياسية التي تعمل الدولة بمختلف إمكانياتها على تعزيزها وتقويتها.

والثقة اليوم التي نحن في أمسّ الحاجة لها، هي الإسمنت الذي يربط لبنات المجتمع بعضه ببعض، ولكنها حين تنهار، ينهار كل شيء، تصبح المؤسسات في نظر المواطن مشبوهة، ويصبح المواطن في نظر المؤسسة عبئاً، ويصبح الشباب في مهب التطرف الذي يعرض عليهم يقيناً زائفاً في مواجهة شك مزعوم.

المجتمع الذي تنهار ثقته الداخلية يصبح طيّع الإرادة أمام كل من يملك مشروعاً للتلاعب به، من الداخل ومن الخارج.

ليس المطلوب من المواطن المغربي أن يُصفق لكل شيء، ولا أن يُصدّق كل اتهام، المطلوب شيء أصعب من الاثنين معاً وهو أن يُميّز.

أن يميز بين النقد والفتنة ليس في الموضوع، بل في النية والأسلوب والأثر، فالنقد يريد إصلاح ما أُفسد، والفتنة تريد إفساد ما صلح.

أن يُميّز بين من يريد انتخابات نظيفة لأنه يؤمن بالمسار والخيار الديمقراطي، ومن يريد تلويث الانتخابات لأنه لا يؤمن إلا بالفوضى.

كما أن القتال في "الشهر الحرام" كان يُستغل ذريعةً لتمرير الفتنة، كذلك تستغل الانتخابات وهي "الشهر الحرام” في السياسة المغربية، لتمرير الخراب في أكثر اللحظات حساسية، حيث تستغل القداسة الظاهرة لتمرير الخراب الباطن.

فالانتخابات هي لحظة لترسيخ الخيار الديمقراطي ببلادنا وتكريس تعبير الإرادة الشعبية، ومن يُفتن فيها يحمل وزراً يتجاوزه إلى المجتمع بأسره.

واختم بقوله تعالى في صورة البقرة:
﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ صدق الله العظيم




الاربعاء 20 مايو 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic