سوق سريع النمو… وتنظيم ما يزال غير واضح
عرفت المكملات الغذائية في المغرب انتقالاً واضحاً من منتجات هامشية إلى سلع استهلاكية واسعة الانتشار، مدفوعة بتزايد الاهتمام بالصحة الوقائية ونمط العيش الصحي. وتشمل هذه المنتجات الفيتامينات، والمعادن، والبروبيوتيك، ومنتجات دعم المناعة والريجيم، التي أصبحت متوفرة في فضاءات متعددة، من الصيدليات إلى المتاجر الكبرى والمنصات الرقمية.
غير أن هذا الانتشار الواسع، وفق متابعين للقطاع، كشف عن إشكال جوهري يتعلق بغياب ضبط دقيق لسلاسل التوزيع، ما يجعل مسألة الجودة والمراقبة والتتبع الصحي أكثر تعقيداً، خصوصاً في حال وقوع آثار جانبية أو استعمال غير سليم.
حجج صحية تدفع نحو التشديد
يرى المدافعون عن حصر بيع هذه المنتجات داخل الصيدليات أن المكملات الغذائية ليست منتجات “بريئة” تماماً، إذ يمكن أن تسبب مضاعفات صحية في حالات معينة، خاصة لدى الفئات الهشة مثل كبار السن والحوامل والمرضى المزمنين.
وانطلاقاً من هذا التصور، فإن إسناد توزيع هذه المنتجات حصرياً للصيدلي يهدف إلى تعزيز دور “الخبرة الصحية” في توجيه المستهلك، بدل تركه أمام اختيارات تجارية قد تفتقر إلى الإرشاد العلمي.
ويستند هذا الطرح أيضاً إلى التوجه العام نحو تعزيز السلامة الصحية، عبر ربط بيع المنتجات ذات التأثير المحتمل على الصحة بمسارات مهنية منظمة وواضحة.
سياق إصلاحي أوسع يعيد رسم القطاع
لا يأتي هذا النقاش بمعزل عن التحولات التي يشهدها قطاع الصحة في المغرب، خاصة في ظل تحديث الإطار القانوني المنظم للدواء والصيدلة، وإحداث مؤسسات جديدة لتعزيز الحكامة الصحية.
ويُنظر إلى سوق المكملات الغذائية باعتباره مجالاً “رمادياً” يحتاج إلى تأطير قانوني أدق، خصوصاً مع اتساع حجمه وتزايد الإقبال عليه، ما يجعل إدماجه ضمن المنظومة التنظيمية للصيدلة خياراً مطروحاً بقوة.
البعد الاقتصادي: صيدليات تحت الضغط
في المقابل، لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي في هذا الجدل. إذ تواجه الصيدليات التقليدية في المغرب تحديات متزايدة مرتبطة بتراجع الهوامش الربحية وارتفاع التكاليف وتغير أنماط الاستهلاك.
وفي هذا السياق، يمثل سوق المكملات الغذائية، الذي يُقدّر بمليارات الدراهم، رافعة اقتصادية مهمة للعديد من الصيدليات. لذلك، فإن أي إعادة تنظيم قد تمنح الصيدليات امتيازاً إضافياً في هذا المجال يُنظر إليها أيضاً كوسيلة لإنعاش قطاع يعاني من ضغوط هيكلية.
غير أن هذا الطرح يثير بدوره سؤالاً حساساً: هل الهدف هو تعزيز الصحة العامة، أم إعادة توزيع عائدات سوق تجاري لصالح فئة مهنية معينة؟
مستقبل “البارافارماسي” على المحك
يُعد قطاع الصيدليات الموازية أحد أبرز المتضررين المحتملين من أي تشديد تنظيمي. فقد بنى هذا القطاع جزءاً كبيراً من نموه على بيع منتجات العناية الصحية والمكملات الغذائية، باعتبارها منطقة وسطى بين الدواء والمنتجات الاستهلاكية.
وتحذّر بعض الأصوات من أن تقييد نشاطه بشكل واسع قد يؤدي إلى إضعاف نموذج اقتصادي قائم، وربما إغلاق بعض الوحدات الصغيرة، ما يطرح إشكالاً مرتبطاً بالتوازن بين مختلف الفاعلين في السوق.
بين التنظيم الصارم والمبالغة في التقييد
يشدد خبراء على أن نجاح أي إصلاح محتمل سيعتمد أساساً على دقة التصنيف التنظيمي للمكملات الغذائية، بحيث يتم التمييز بين المنتجات ذات المخاطر المنخفضة وتلك التي تستدعي إشرافاً صيدلانياً مباشراً.
فالتعميم المفرط قد يؤدي إلى نتائج عكسية، سواء على مستوى السوق أو على مستوى ثقة المستهلك، بينما يمكن لتنظيم مرن ومتدرج أن يحقق التوازن بين السلامة الصحية واستمرارية النشاط الاقتصادي.
نحو توازن بين الصحة والسوق
في نهاية المطاف، لا يبدو أن الإشكال يتعلق باختيار طرف على حساب آخر، بقدر ما يرتبط بإعادة بناء إطار تنظيمي واضح لسوق يتطور بسرعة.
فالمغرب اليوم أمام معادلة دقيقة: كيف يضمن سلامة المستهلك ويعزز الرقابة الصحية، دون أن يخلق اضطراباً في توازنات اقتصادية قائمة أو يحد من دينامية قطاع تجاري نشط؟
الجواب، وفق أغلب المراقبين، لا يكمن في “إلغاء” فاعل اقتصادي لصالح آخر، بل في بناء منظومة متكاملة تجعل من التنظيم أداة للحماية، لا وسيلة لإعادة توزيع السوق تحت غطاء صحي.
عرفت المكملات الغذائية في المغرب انتقالاً واضحاً من منتجات هامشية إلى سلع استهلاكية واسعة الانتشار، مدفوعة بتزايد الاهتمام بالصحة الوقائية ونمط العيش الصحي. وتشمل هذه المنتجات الفيتامينات، والمعادن، والبروبيوتيك، ومنتجات دعم المناعة والريجيم، التي أصبحت متوفرة في فضاءات متعددة، من الصيدليات إلى المتاجر الكبرى والمنصات الرقمية.
غير أن هذا الانتشار الواسع، وفق متابعين للقطاع، كشف عن إشكال جوهري يتعلق بغياب ضبط دقيق لسلاسل التوزيع، ما يجعل مسألة الجودة والمراقبة والتتبع الصحي أكثر تعقيداً، خصوصاً في حال وقوع آثار جانبية أو استعمال غير سليم.
حجج صحية تدفع نحو التشديد
يرى المدافعون عن حصر بيع هذه المنتجات داخل الصيدليات أن المكملات الغذائية ليست منتجات “بريئة” تماماً، إذ يمكن أن تسبب مضاعفات صحية في حالات معينة، خاصة لدى الفئات الهشة مثل كبار السن والحوامل والمرضى المزمنين.
وانطلاقاً من هذا التصور، فإن إسناد توزيع هذه المنتجات حصرياً للصيدلي يهدف إلى تعزيز دور “الخبرة الصحية” في توجيه المستهلك، بدل تركه أمام اختيارات تجارية قد تفتقر إلى الإرشاد العلمي.
ويستند هذا الطرح أيضاً إلى التوجه العام نحو تعزيز السلامة الصحية، عبر ربط بيع المنتجات ذات التأثير المحتمل على الصحة بمسارات مهنية منظمة وواضحة.
سياق إصلاحي أوسع يعيد رسم القطاع
لا يأتي هذا النقاش بمعزل عن التحولات التي يشهدها قطاع الصحة في المغرب، خاصة في ظل تحديث الإطار القانوني المنظم للدواء والصيدلة، وإحداث مؤسسات جديدة لتعزيز الحكامة الصحية.
ويُنظر إلى سوق المكملات الغذائية باعتباره مجالاً “رمادياً” يحتاج إلى تأطير قانوني أدق، خصوصاً مع اتساع حجمه وتزايد الإقبال عليه، ما يجعل إدماجه ضمن المنظومة التنظيمية للصيدلة خياراً مطروحاً بقوة.
البعد الاقتصادي: صيدليات تحت الضغط
في المقابل، لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي في هذا الجدل. إذ تواجه الصيدليات التقليدية في المغرب تحديات متزايدة مرتبطة بتراجع الهوامش الربحية وارتفاع التكاليف وتغير أنماط الاستهلاك.
وفي هذا السياق، يمثل سوق المكملات الغذائية، الذي يُقدّر بمليارات الدراهم، رافعة اقتصادية مهمة للعديد من الصيدليات. لذلك، فإن أي إعادة تنظيم قد تمنح الصيدليات امتيازاً إضافياً في هذا المجال يُنظر إليها أيضاً كوسيلة لإنعاش قطاع يعاني من ضغوط هيكلية.
غير أن هذا الطرح يثير بدوره سؤالاً حساساً: هل الهدف هو تعزيز الصحة العامة، أم إعادة توزيع عائدات سوق تجاري لصالح فئة مهنية معينة؟
مستقبل “البارافارماسي” على المحك
يُعد قطاع الصيدليات الموازية أحد أبرز المتضررين المحتملين من أي تشديد تنظيمي. فقد بنى هذا القطاع جزءاً كبيراً من نموه على بيع منتجات العناية الصحية والمكملات الغذائية، باعتبارها منطقة وسطى بين الدواء والمنتجات الاستهلاكية.
وتحذّر بعض الأصوات من أن تقييد نشاطه بشكل واسع قد يؤدي إلى إضعاف نموذج اقتصادي قائم، وربما إغلاق بعض الوحدات الصغيرة، ما يطرح إشكالاً مرتبطاً بالتوازن بين مختلف الفاعلين في السوق.
بين التنظيم الصارم والمبالغة في التقييد
يشدد خبراء على أن نجاح أي إصلاح محتمل سيعتمد أساساً على دقة التصنيف التنظيمي للمكملات الغذائية، بحيث يتم التمييز بين المنتجات ذات المخاطر المنخفضة وتلك التي تستدعي إشرافاً صيدلانياً مباشراً.
فالتعميم المفرط قد يؤدي إلى نتائج عكسية، سواء على مستوى السوق أو على مستوى ثقة المستهلك، بينما يمكن لتنظيم مرن ومتدرج أن يحقق التوازن بين السلامة الصحية واستمرارية النشاط الاقتصادي.
نحو توازن بين الصحة والسوق
في نهاية المطاف، لا يبدو أن الإشكال يتعلق باختيار طرف على حساب آخر، بقدر ما يرتبط بإعادة بناء إطار تنظيمي واضح لسوق يتطور بسرعة.
فالمغرب اليوم أمام معادلة دقيقة: كيف يضمن سلامة المستهلك ويعزز الرقابة الصحية، دون أن يخلق اضطراباً في توازنات اقتصادية قائمة أو يحد من دينامية قطاع تجاري نشط؟
الجواب، وفق أغلب المراقبين، لا يكمن في “إلغاء” فاعل اقتصادي لصالح آخر، بل في بناء منظومة متكاملة تجعل من التنظيم أداة للحماية، لا وسيلة لإعادة توزيع السوق تحت غطاء صحي.
الرئيسية























































