بقلم : عائشة بوسكين
ما يجمع هذه الوقائع ليس فقط قسوتها، بل هشاشة أسبابها وسرعة تحولها من لحظة توتر عادي إلى انفجار عنيف. في حالة الشاب ضحية السرقة، نحن أمام مشهد يكثّف هشاشة الفضاء العام، حيث يصبح العمل اليومي في توصيل الطلبات محفوفاً بالمخاطر، ويتحول الشارع إلى فضاء غير مضمون. صرخته “راني خدام على الواليدة”
ليست مجرد جملة عابرة، بل تعبير مكثف عن جيل يشتغل تحت ضغط الحاجة، ويواجه في المقابل عنفاً اجتماعياً غير متوقع.
في المقابل، تكشف قضية إجبار طفل على شرب الخمر عن نوع آخر من الانحراف السلوكي، حيث لا يتعلق الأمر فقط بخرق قانوني، بل بانهيار في الإحساس بالحدود الأخلاقية داخل بعض السلوكيات. حين يتحول طفل إلى موضوع إذلال أو استهتار بسلامته، فنحن أمام خلل في الوعي الجمعي بمفهوم الحماية، وأمام تراجع خطير في الحس الإنساني داخل بعض السياقات الاجتماعية.
أما جريمة “الطاجين”، فهي تعكس مستوى آخر من القلق الاجتماعي : قابلية النزاع البسيط للتحول إلى عنف قاتل. خلاف حول مبلغ مالي صغير داخل مطعم انتهى بفقدان حياة إنسان وسجن آخر لسنوات طويلة. هنا يظهر بوضوح ضعف آليات ضبط الغضب، وتراجع ثقافة الحوار، مقابل ارتفاع منسوب الانفعال والاندفاع اللحظي في سياقات يومية يفترض أنها عادية.
لتأتي جريمة سائق “أندرايف” و تكشف مستوى أكثر خطورة وتعقيداً في بنية العنف المعاصر. نحن لسنا أمام اعتداء عفوي، بل أمام فعل يتقاطع فيه الاختطاف مع القتل ثم الإحراق، ما يشير إلى انتقال من العنف الانفعالي إلى العنف المركب والمنظم نسبياً.
خطورة هذه الجريمة لا تكمن فقط في وحشيتها، بل في كونها تعكس تآكل الحدود بين السرقة والعنف الجسيم، وبين الجريمة الآنية والجريمة التي يتم فيها التخلص من الأدلة بشكل واعٍ. كما أنها تعيد طرح سؤال هشاشة العاملين في اقتصاد المنصات، الذين يتحركون في فضاء مفتوح دون حماية كافية، ما يجعلهم في تماس مباشر مع مخاطر الفضاء غير المنظم.
من زاوية سوسيولوجية، يمكن فهم هذا التنامي في العنف باعتباره نتيجة تفاعل ثلاث دوائر رئيسية : ضغط اقتصادي واجتماعي متزايد، تراجع فعالية الضبط الاجتماعي التقليدي، وضعف الوساطة المؤسساتية والنفسية. هذا التفاعل يخلق بيئة قابلة للاشتعال، حيث لا يحتاج العنف إلى “سبب كبير”، بل يكفي احتكاك بسيط ليحدث الانفجار.
لكن الأخطر في هذه الظواهر ليس فقط وقوع الجريمة، بل الإحساس المتنامي بأن العقاب لم يعد يشكل رادعاً كافياً. في بعض الحالات، يبدو وكأن جزءاً من الجناة لم يعد يفكر في السجن كعقوبة مخيفة، بل كفضاء بديل للهروب من واقع اجتماعي أكثر قسوة وتعقيداً. هذا التحول في التصور، إن صح، يعكس أزمة أعمق: أزمة معنى الردع نفسه، حين يفقد تأثيره الرمزي في وعي بعض الفئات الهشة.
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل دور بعض المؤثرات الخارجية مثل المخدرات أو الكحول أو حالات عدم الاتزان النفسي، التي تتحول في لحظات معينة إلى محفز مباشر للعنف. لكنها تظل عوامل مساعدة داخل بنية اجتماعية أوسع، وليست تفسيراً كافياً بمفردها.
إن دق ناقوس الخطر هنا لا يعني تضخيماً للمشهد، بل محاولة لفهمه قبل أن يتحول العنف من أحداث صادمة إلى جزء مألوف من الحياة اليومية. فحين يصبح الاستثناء عادة، يفقد المجتمع أهم ما يملكه : الإحساس بالأمان.
تطرح هذه الوقائع إشكالية أخطر لا تقل أهمية عن أسبابها، وهي إشكالية التطبع التدريجي مع العنف والجريمة. فمع تكرار المشاهد الصادمة، يصبح الخطر الحقيقي هو الاعتياد، أي تحول الجريمة من حدث استثنائي يثير الصدمة إلى خبر يومي عابر لا يثير سوى رد فعل لحظي.
هذا التطبع، إن استمر، فإنه يهدد الحس الجماعي بالرفض الأخلاقي للعنف، ويضعف المناعة الاجتماعية ضده. لذلك، فإن التعامل مع هذه الظواهر لا يجب أن يتجه نحو التعايش معها أو تطبيعها، بل نحو تعزيز الردع الصارم، وإعادة بناء الإحساس الجماعي بخطورة الفعل الإجرامي، باعتباره خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف
الرئيسية















